واصل تونس الوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية وسداد أقساط ديونها في آجالها المحددة، في وقت اختارت فيه السلطات التونسية المضي في سياسة تقوم على ما تسميه «التعويل على الذات»، بعيداً عن استئناف برنامج تمويل جديد مع صندوق النقد الدولي بالشروط التي كانت مطروحة في السنوات الماضية.
غير أن قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها لا تلغي حجم الضغوط التي تواجهها المالية العمومية والاقتصاد الداخلي. فالأرقام الأخيرة تكشف معادلة أكثر تعقيداً: تونس تسدد، لكنها تسدد في بيئة مالية تتطلب تعبئة موارد كبيرة، فيما تظل معدلات النمو محدودة والتضخم مرتفعاً واحتياطي العملة الصعبة تحت المراقبة.
56.5 مليار دينار ديون خارجية
وفق معطيات وزارة المالية المتعلقة بقانون المالية لسنة 2026، يبلغ رصيد الدين العمومي الخارجي المقدر لنهاية 2026 نحو 56.486 مليار دينار، أي حوالي 36% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 55.487 مليار دينار في 2025. وفي المقابل يرتفع إجمالي الدين العمومي إلى نحو 156.704 مليار دينار، بما يعادل 83.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما خدمة الدين العمومي المبرمجة لسنة 2026 فتبلغ نحو 23.057 مليار دينار، من بينها 9.513 مليارات دينار مرتبطة بالدين الخارجي.
وتشير بيانات أحدث للبنك المركزي إلى أن خدمة الدين الخارجي خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026 قاربت 9.3 مليارات دينار، فيما بلغت مداخيل العملة الصعبة المتأتية من السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج أكثر من 13.2 مليار دينار خلال الفترة نفسها، أي ما يعادل 142% من خدمة الدين الخارجي المسجلة خلال الفترة.
هذه الأرقام تفسر جانباً من قدرة تونس على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الموارد التي يتعين توفيرها سنوياً لمواجهة الاستحقاقات الخارجية.
الاحتياطي تحت الضغط
وفي الوقت الذي تواصل فيه الدولة إدارة استحقاقاتها، لا يزال احتياطي العملة الصعبة يمثل أحد أهم مؤشرات قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
ففي 2 أكتوبر 2026، تراجعت الموجودات الصافية من العملة الأجنبية إلى نحو 23.645 مليار دينار، بما يغطي حوالي 92 يوماً من التوريد، مقابل 23.843 مليار دينار و93 يوماً في 30 سبتمبر.
واللافت أن هذا المستوى أقل من المسجل قبل عام، عندما كانت الاحتياطيات تبلغ نحو 24.2 مليار دينار وتغطي 104 أيام من التوريد.
وبالتالي، فإن تونس لا تواجه حالياً مشكلة تتمثل في عدم قدرتها على دفع استحقاق محدد، وإنما تواجه سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية المحافظة على مخزون مريح من العملة الصعبة في ظل استمرار حاجيات التمويل الخارجي.
التضخم يعود إلى 5.6%
على المستوى الداخلي، لا تزال الأسعار تمثل أحد أكبر مصادر الضغط على الأسر.
فحسب أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغ معدل التضخم 5.6% في سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أغسطس.
والأكثر حساسية أن أسعار مجموعة الغذاء والمشروبات ارتفعت بنسبة 8.4% على أساس سنوي، فيما سجلت أسعار الدواجن زيادة بـ16.5%، والفواكه الطازجة بـ16.3%، ولحوم الضأن بـ14.6%، واللحوم الحمراء بـ13%، والخضروات الطازجة بـ12.9%.
كما ارتفعت الأسعار بنسبة 0.8% خلال شهر سبتمبر وحده، مدفوعة خصوصاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 2.1%.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في المشهد الاقتصادي التونسي: استقرار المالية الخارجية نسبياً لا يعني بالضرورة تراجع الضغوط التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
نمو موجود.. لكنه غير كافٍ
ولا تقدم مؤشرات النمو حلاً سريعاً لهذه المعادلة.
فحسب المعهد الوطني للإحصاء، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بعد نمو بلغ 2.6% في الربع الأول. وعلى أساس فصلي، ارتفع الناتج بنسبة 1.4% بين الربعين الأول والثاني.
أما صندوق النقد الدولي، فتوقع في بياناته المنشورة في أبريل 2026 نمو الاقتصاد التونسي بنسبة 2.1% خلال كامل سنة 2026، مع متوسط تضخم سنوي مقدر بـ6.5%.
وبذلك تبدو تونس أمام معادلة دقيقة: الاقتصاد ينمو، لكنه لا يحقق معدلات نمو مرتفعة بما يكفي لتغيير جذري في المديونية أو خلق هوامش مالية واسعة للدولة.
المعادلة الأصعب: السداد أم النمو؟
هنا تحديداً يكمن جوهر النقاش حول سياسة «التعويل على الذات».
فقد أثبتت تونس، حتى الآن، قدرتها على توفير الموارد اللازمة لخدمة ديونها الخارجية وعدم التخلف عن السداد. كما أن مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج توفران جزءاً مهماً من العملة الصعبة اللازمة لتمويل الاقتصاد.
لكن استمرار هذه القدرة يتطلب في الوقت نفسه الحفاظ على احتياطي نقد أجنبي كافٍ، وضمان تدفق الموارد الخارجية، والحد من الاختلالات التجارية، وتمويل الواردات الضرورية، وتحقيق نمو اقتصادي يسمح بتوسيع القاعدة الجبائية وخلق موارد جديدة.
وهذا يجعل السؤال الحقيقي مختلفاً عن سؤال «هل تستطيع تونس سداد ديونها؟».
السؤال الأهم هو:
هل تستطيع تونس مواصلة سداد ديونها الخارجية، والحفاظ على احتياطي مريح من العملة الصعبة، وفي الوقت نفسه رفع النمو وخفض التضخم وحماية القدرة الشرائية؟
حتى الآن، تشير الأرقام إلى أن الدولة نجحت في المحافظة على انتظام سداد التزاماتها، لكن كلفة المحافظة على هذا التوازن تظل أحد أهم الملفات التي ستحدد المسار الاقتصادي للبلاد خلال السنوات المقبلة.
فالاختبار لم يعد فقط في القدرة على دفع القسط القادم، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع تمويل ديونه ونفقاته واستثماراته من دون أن تتحول خدمة الدين والحاجة إلى العملة الصعبة إلى قيد دائم على النمو.
وهنا تحديداً ستبقى سياسة «التعويل على الذات» تحت الاختبار: ليس فقط باعتبارها خياراً سيادياً، وإنما باعتبارها نموذجاً اقتصادياً يجب أن يثبت قدرته على الاستمرار.
