تستعد تونس لفتح صفحة جديدة في قطاع البنية التحتية الرياضية عبر إعادة بناء الملعب الأولمبي بالمنزه، وهو المشروع الضخم الذي رُصدت له ميزانية تقديرية كبرى ليكون قاطرة العودة لواحد من أعرق المعالم الرياضية في البلاد. إلا أن فوز تحالف الشركات الصينية المكون من مجموعة هندسة بناء السكك الحديدية الصينية والشركة الصينية للهندسة بالصفقة الدولية، بات يطرح تساؤلات حارقة في الأوساط الهندسية والرياضية حول مدى القدرة على حماية هذا المشروع من عثرات الماضي.
الاحتياطات القانونية قبل فوات الأوان
أمام هذا الرهان الوطني الكبير، يقع على عاتق سلط الإشراف، ممثلة في وزارة التجهيز والإسكان ووزارة الشباب والرياضة، اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر والتدابير القانونية الاستباقية قبل وخلال كل مرحلة من مراحل التنفيذ. إن تحصين المشروع يتطلب تفعيل آليات رقابة صارمة، وصياغة بنود تعاقدية دقيقة تتضمن شروطاً جزائية رادعة وغير قابلة للتفاوض في حال حدوث أي تقاعس في الالتزام بالجدول الزمني المحدد.
ولعل نقطة الضوء الأبرز وضمانة الأمان الأساسية في هذا المشروع هي وضع الثقة في المهندسة العامة نادية مازني*** المشهود لها بالجدية الصارمة والكفاءة العالية لتكون على رأس الإشراف والمتابعة. هذا الحضور القيادي التونسي يمثل خط الدفاع الأول لحماية المال العام والدفاع عن المصلحة الوطنية، لكنه يتطلب غطاءً سياسياً وإدارياً كاملاً لفرض المعايير الفنية التونسية ومواجهة أي محاولة لفرض الأمر الواقع من الجانب الصيني.
السجل الإشكالي للشركتين: مصائب وملاحقات دولية
تكشف المتابعات الصحفية والتقارير الدولية أن هذا التحالف الصيني يحمل معه إرثاً ثقيلاً من النزاعات القانونية وشبهات الفساد والتأخير حول العالم:
1. مجموعة هندسة بناء السكك الحديدية الصينية: ممارسات احتيالية وتزييف
واجهت هذه الشركة ضربة قوية لسمعتها الإدارية والقانونية في القارة السمراء، حيث نشر موقع البنك الإفريقي للتنمية الرسمي للأنباء بياناً يؤكد فرض عقوبة على الشركة بالمنع المشروط عقب ثبوت تورطها في ممارسات احتيالية عبر تقديم بيانات مزيفة ومضللة حول خبراتها السابقة ونقص الرقابة للظفر بمناقصة مطار مسالاتو الدولي في تنزانيا.
كما أوردت المنصات الهندسية العالمية المتخصصة تفاصيل التحقيقات التي أجراها مكتب النزاهة ومكافحة الفساد التابع للبنك والتي اعترفت فيها الشركة بوجود تضليل في وثائقها الرسمية المقدمة للمشروع. وفي جنوب شرق آسيا، واجه فرع المجموعة ضغوطاً شديدة وتهديدات بالإدراج في القائمة السوداء للمقاولين المحظورين من قِبل وزارة النقل في تايلاند نتيجة العجز الفادح عن الالتزام بالآجال الزمنية المحددة لتنفيذ المشاريع الحيوية للمطارات.
2. الشركة الصينية للهندسة: فضائح فساد جنائية وتضخيم الفواتير
أما الشريكة الثانية في التحالف، فسجلها يحتوي على واحدة من أكبر القضايا المثيرة للجدل في آسيا؛ حيث تخضع الشركة حالياً لملاحقات قضائية جنائية ضخمة بموجب دعوى رسمية رفعتها هيئة التحقيق في إساءة استخدام السلطة ومكافحة الفساد في نيبال وتضمنت اتهامات بتواطؤ مسؤولي الشركة وتلقي رشاوي وسحب مبالغ بطرق غير قانونية في مشروع بناء مطار بوخارا الدولي.
وقد وثقت تقارير مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود تفاصيل اتساع هذه القضية لتشمل وزراء ومسؤولين محليين اتهموا بمنح إعفاءات ضريبية مزدوجة وغير قانونية للشركة الصينية تسببت في تكبيد الخزانة العامة خسائر بملايين الدولارات. كما كشفت دراسات مؤسسة أوبزرفر البحثية الدولية أن التلاعب شمل تضخيم كلفة البناء الإجمالية للمطار بشكل مصطنع بنسبة تصل إلى أربعين بالمئة مقارنة بالقيم التقديرية الحقيقية المعتمدة للمشروع.
تحالف الشركتين: هل يضمن الالتزام بالآجال القانونية؟
إن الجمع بين شركة أُدينت بالاحتيال وتزييف المؤهلات، وشركة أخرى ملاحقة بتهم الفساد وتضخيم الكلف المالية، يطرح علامة استفهام كبرى: هل يضمن هذا التحالف إنهاء أشغال ملعب المنزه حسب المطلوب وفي الآجال القانونية؟
تاريخياً، تلجأ هذه المجموعات إلى تقديم عروض مالية منخفضة ومغرية للفوز بالصفقات الإنشائية الكبرى، لتصطدم الحكومات لاحقاً في مرحلة التنفيذ بسيناريو تباطؤ الورشات، والمطالبة بملحقات مالية إضافية لتعديل الميزانيات، متذرعة بالبيروقراطية المحلية أو الصعوبات الجيولوجية المفاجئة، وهو ما حدث في تجاربها السابقة في الجزائر وتنزانيا وتايلاند.
إن نجاح مشروع ملعب المنزه لن يتوقف على مجرد توقيع عقد مع عملاق صيني، بل سيتوقف بالأساس على مدى يقظة وحزم الإدارة التونسية. إن وجود مهندسة كفؤة على رأس المشروع هو صمام أمان حقيقي، ولكن يجب أن يتكامل هذا الجهد مع ترسانة قانونية تونسية تحمي الملعب من أي تسويف زمني، وتضمن ألا يتحول الصرح الرياضي التاريخي للعاصمة إلى حلبة جديدة للنزاعات التعاقدية الدولية.
***المهندسة المشرفة التي أُسند إليها ملف متابعة مشروع إعادة بناء وتحديث الملعب الأولمبي بالمنزه هيالمهندسة العامة نادية مازني
تم تكليفها في أوت الماضي برئاسة « وحدة التصرف حسب الأهداف » بوزارة التجهيز لمتابعة وإنجاز هذا الملف الحيوي، بالإضافة إلى مشروع إعادة تهيئة الملعب الأولمبي برادس. وتتولى المهندسة نادية مازني (التي تدرجت في وزارة التجهيز والإسكان التونسية من مهندسة رئيسية إلى رتبة مهندس عام) مسؤولية التنسيق، والرقابة الفنية والإدارية، ومتابعة الصفقات الخاصة بالمشروع لضمان احترامه للمواصفات الدولية.
مع العلم وأن الدولة التونسية تضم ثلاث لجان رقابية وهي
01الرقابة التابعة لرئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة
- الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية: تعمل كهيكل محوري يتولى تنسيق برامج التدخل بين مختلف هيئات الرقابة العامة (مثل هيئة الرقابة بالمالية وأملاك الدولة والمصالح العمومية). كما تتولى متابعة مدى التزام الهياكل العمومية بتنفيذ الإصلاحات وتلافي النقائص الواردة في تقارير محكمة المحاسبات وهيئات الرقابة.
- اللجنة الوطنية للصلح الجزائي: أُحدثت تحت إشراف رئاسة الجمهورية وتضم في تركيبتها قضاة إداريين وماليين وممثلين عن هيئات الرقابة (بما في ذلك ممثل عن هيئة الرقابة العامة للمالية وممثل عن وزارة أملاك الدولة) لاسترداد أموال الشعب المنهوبة.
- هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية: تتبع مباشرة رئاسة الحكومة، وتختص بمراقبة أداء وعمل الإدارات العمومية والمؤسسات والمنشآت الوطنية.
2. وزارة المالية
- 3.هيئة الرقابة العامة للمالية : تعمل تحت السلطة المباشرة لوزير المالية.
- مهامها: مراقبة مشروعية وجدوى تصرف وحسابات المصالح العمومية المركزية والجهوية، الجماعات المحلية (بلديات ومجالس جهوية)، المؤسسات والمنشآت العمومية، والجمعيات التي تنتفع بدعم الدولة.
- كما تضطلع بالتدقيق الحصري لحسابات المشاريع الممولة من جهات خارجية.
