هل يفتح الحضور الأمريكي اللافت في قطاع الموانئ الباب أمام إحياء اتفاقية كانت ستخصص نحو نصف مليار دولار لتطوير ميناء رادس وإصلاح قطاع المياه؟
يعيد الاهتمام الأمريكي المتزايد بالموانئ التونسية طرح ملف المنحة التي أقرتها واشنطن سنة 2021 بقيمة 498.7 مليون دولار، قبل أن يتوقف مسارها في اللحظات الأخيرة، إثر قرارات 25 جويلية من العام نفسه.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة اليوم، في ظل الحضور الأمريكي اللافت خلال تظاهرة «أيام الموانئ البحرية» التي انتظمت في قمرت يومي 22 و23 سبتمبر الماضي، بمشاركة السفير الأمريكي بيل بزّي وممثلين عن ثماني شركات أمريكية ومؤسسات تمويل.
وقال بزّي في تصريح يعكس اهتمام بلاده بالقطاع: «موانئ تونس هي بوّابتها إلى المستقبل، والشركات الأمريكية مستعدّة للقيام بدورها لجعله مشرقًا».
هذا الاهتمام يعيد إلى الواجهة اتفاقية كانت تونس تأمل أن تمثل دفعة مهمة لتحديث بنيتها التحتية التجارية، لكنها بقيت معلقة قبل أن ترى النور.
نصف مليار دولار لميناء رادس وقطاع المياه
في 30 جوان 2021، وافق مجلس إدارة مؤسسة تحدي الألفية الأمريكية بالإجماع على برنامج تعاون مع تونس بقيمة 498.7 مليون دولار، خلال إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن.
وكان البرنامج يمتد لخمس سنوات، ويتضمن محوراً للنقل والتجارة يهدف إلى تسهيل المبادلات التجارية وتقليص كلفتها، من خلال تحسين إدارة ميناء رادس وتوسيع بنيته التحتية ورقمنة الإجراءات المرتبطة بالنقل والتجارة.
أما المحور الثاني، فكان موجهاً إلى تحسين إدارة الموارد المائية الجوفية والمحافظة عليها، خاصة في المناطق التي تواجه نقصاً متزايداً في المياه.
وكان من شأن تنفيذ البرنامج أن يوفر تمويلاً مهماً لتطوير أحد أبرز الموانئ التجارية في تونس، إلى جانب دعم إدارة الموارد المائية. لكن الموافقة الأمريكية لم تتحول إلى اتفاقية نافذة، لأن توقيعها عُلّق قبل الموعد المحدد.
قرارات 25 جويلية أوقفت الاتفاقية
كان مقرراً توقيع الاتفاقية رسمياً في 2 أوت 2021، غير أن التطورات السياسية التي شهدتها تونس في 25 جويلية، بما في ذلك تجميد اختصاصات البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة، دفعت الجانب الأمريكي إلى تعليق التوقيع.
وربطت مؤسسة تحدي الألفية استئناف المسار بإحراز تقدم مهم في مجال الحوكمة الديمقراطية، وفق ما ورد في وثائقها الرسمية بشأن البرنامج التونسي.
وبذلك، لم تدخل المنحة مرحلة التنفيذ، رغم استكمال الموافقة عليها من مجلس إدارة المؤسسة الأمريكية. ومن المهم التمييز هنا بين الموافقة على البرنامج وبين توقيع الاتفاقية التي تسمح ببدء تنفيذه.
هل تستطيع التحركات الأمريكية الجديدة إعادة الملف إلى الطاولة؟
تطرح عودة الموانئ التونسية إلى واجهة الاهتمام الأمريكي احتمال إعادة فتح النقاش بشأن فرص التعاون في هذا القطاع، خصوصاً أن تطوير ميناء رادس كان في صلب البرنامج الذي أُقر سنة 2021.
لكن لا توجد، ضمن المعطيات المتاحة، إشارة رسمية تؤكد أن مشاركة الشركات الأمريكية في «أيام الموانئ البحرية» مرتبطة بقرار إحياء المنحة، أو أن واشنطن قررت استئناف الاتفاقية السابقة.
كما أن الاهتمام الاستثماري بالموانئ يمكن أن يتقدم عبر مشاريع وعقود جديدة، بصورة مستقلة عن برنامج مؤسسة تحدي الألفية. ولذلك فإن أي ربط بين التحرك الحالي والمنحة السابقة يظل احتمالاً يحتاج إلى تأكيد رسمي.
وتبقى المسألة الأساسية بالنسبة إلى تونس هي معرفة ما إذا كان هذا التقارب سيقود إلى مشاريع ملموسة، وما إذا كان ملف الـ498.7 مليون دولار سيعود إلى المفاوضات، أم أن التعاون الأمريكي سيتخذ مسارات جديدة لتمويل وتطوير الموانئ التونسية.
فبعد أكثر من خمس سنوات على الموافقة على البرنامج، لا يزال التمويل الذي كان يفترض أن يساعد على تحديث ميناء رادس وتطوير إدارة الموارد المائية خارج مرحلة التنفيذ، فيما تعيد التحركات الأمريكية الأخيرة تسليط الضوء على الفرص التي لم تتحول بعد إلى مشاريع فعلية.
