لم يعد زيت الزيتون مجرّد منتج غذائي يحتل مكانه في المطابخ، بل أصبح خياراً أنيقاً للهدايا، ينافس باقات الورود وزجاجات النبيذ والشوكولاتة الفاخرة، في تحول يعكس مكانته المتزايدة في ثقافة الضيافة، خاصة في البلدان الأوروبية.
ففي كل مرة يُدعى فيها المرء إلى العشاء لدى الأصدقاء، يجد نفسه أمام السؤال التقليدي نفسه: ماذا يمكن أن يحمل معه؟ زجاجة نبيذ أخرى قد لا تكون فكرة جديدة، أما الورود، رغم جمالها ورائحتها الزكية، فتفرض على أصحاب المنزل العثور على مزهرية والعناية بها لأيام. لذلك، يتجه الاهتمام إلى هدايا مختلفة تجمع بين الذوق الرفيع والفائدة العملية.
وفي هذا السياق، تبرز المنتجات الغذائية ذات الجودة العالية، من الشوكولاتة الفاخرة إلى العسل والمكسرات والخل والأملاح المستخرجة من مناطق مميزة، وصولاً إلى زيت الزيتون الذي بدأ يفرض نفسه باعتباره هدية تحمل قيمة رمزية ومادية في آن واحد.
من المائدة إلى الهدايا الفاخرة
وفقاً لتقرير نشرته مجلة «مدام فيغارو» الفرنسية، نقلاً عن جينفييف دانغنشتاين، مؤسسة مدرسة متخصصة في قواعد السلوك واللياقة، فإن اختيار هدية ناجحة لا يتعلق بكميتها بقدر ما يرتبط بجودتها ومدى ملاءمتها للشخص الذي ستُقدّم إليه.
وتنصح المختصة بتفضيل علبة صغيرة من الشوكولاتة الممتازة على كمية كبيرة من المنتجات المتوسطة الجودة، كما تدعو إلى اختيار المنتجات المحلية والأطعمة الموسمية التي تمنح الهدية طابعاً خاصاً.
ومن بين الخيارات التي تقترحها زيت الزيتون، الذي يحظى بحضور لافت في ثقافة تقديم الهدايا بإسبانيا، بينما لا يزال أقل انتشاراً في فرنسا مقارنة ببعض الهدايا التقليدية.
وتكمن جاذبية هذه الهدية في أنها تجمع بين الاستخدام اليومي والقيمة الغذائية والارتباط بالتراث الغذائي لمنطقة إنتاجها. كما يمكن أن تتحول قارورة من زيت الزيتون البكر الممتاز، إذا كانت من إنتاج محدود أو ذات مصدر معروف وجودة متميزة، إلى هدية تعبّر عن اهتمام صاحبها بالتفاصيل.
ارتفاع الأسعار يعزز قيمة الهدية
لكن هذا التحول يأتي في وقت ارتفعت فيه أسعار زيت الزيتون في الأسواق الأوروبية، وهو ما يضيف بُعداً اقتصادياً إلى مكانته الجديدة.
وبحسب بيانات أوردتها جمعية «كيو شوازير» الفرنسية لحماية المستهلك، ارتفع سعر لتر زيت الزيتون البكر الممتاز من نحو 8 يورو سنة 2022 إلى حوالي 10 يورو سنة 2023، ثم إلى 12.60 يورو سنة 2024.
وهكذا، لم تعد بعض أنواع زيت الزيتون مجرد منتج أساسي في المطبخ، بل باتت تمثل أيضاً خياراً يمكن أن يعكس الكرم والاهتمام بالجودة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتج ذي منشأ معروف وخصائص مميزة.
ومع ذلك، لا يشترط تقديم هدية ناجحة اختيار أغلى المنتجات. فالقيمة الحقيقية تكمن في معرفة أذواق الشخص الذي تتم دعوته، واختيار ما يناسبه دون مبالغة أو تحميله أعباء إضافية.
فرصة للمنتج التونسي؟
بالنسبة إلى تونس، يفتح هذا التوجه مجالاً للتفكير في زيت الزيتون باعتباره أكثر من مجرد سلعة للتصدير أو مكوّن أساسي في الاستهلاك المحلي. فالمنتج التونسي يمتلك مقومات تسمح بتقديمه في صورة هدية راقية، خاصة عندما يقترن بجودة موثوقة، وتعبئة أنيقة، ومعلومات واضحة عن منطقة الإنتاج وخصائص الزيت.
وقد يكون تقديم زيت الزيتون التونسي في قوارير مخصصة للهدايا، ضمن علب تجمعه بمنتجات محلية أخرى، وسيلة لتعزيز صورته لدى المستهلك الأجنبي، وإبراز علاقته بالهوية الغذائية التونسية.
ولا يتعلق الأمر بالتغليف وحده، بل ببناء تجربة متكاملة حول المنتج: مصدره، وطريقة إنتاجه، وخصائصه، والجهد المبذول للحفاظ على جودته. وهي عناصر يمكن أن تمنح زيت الزيتون قيمة إضافية في الأسواق التي تبحث عن المنتجات الأصيلة والهدايا ذات المعنى.
في النهاية، قد لا يحتاج المرء إلى زجاجة نبيذ جديدة أو باقة ورود كبيرة حتى يعبّر عن تقديره لمضيفه. أحياناً، تكفي قارورة مختارة بعناية من زيت الزيتون الجيد لتجمع بين الأناقة والمنفعة والأصالة.
وهنا تحديداً، تتحول قطرة الزيت من عنصر أساسي على المائدة إلى هدية تحمل معها حكاية الأرض التي أنتجتها.
