يواجه اتفاق الهجرة التاريخي بين تونس والاتحاد الأوروبي اختباراً عسيراً لمدى صموده في عام 2026، وسط معطيات دولية تؤكد ممارسة تونس لـ « ضغوط ذكية » على بروكسل لتعديل كفة الاتفاق الأمنية بالاقتصادي.
وسلط تقرير حديث لمنصة « ذا يوروبيان بوست »** الضوء على كواليس هذه الضغوط التي تدفع باتجاه نيل دعم مالي مباشر غير مشروط، مستفيدة من المنافسة الإقليمية المحمومة وحاجة أوروبا المطلقة لتعاون دول الطوق البحري.
عادت مذكرة التفاهم وشراكة الهجرة المبرمة بين تونس والاتحاد الأوروبي إلى قلب التجاذبات والدبلوماسية المكثفة . ويأتي هذا التطور الهام في أعقاب مطالب مباشرة من الرئيس التونسي قيس سعيّد، الذي يدعو إلى مراجعة عميقة لشروط الشراكة الحالية لضمان ترجمة التعاون الثنائي إلى سيادة متكافئة وملموسة (ند للند)، بعيداً عن الصيغ الإدارية الفوقية التي كانت سائدة في الماضي.
1. سياق الأزمة والدوافع التونسية
يرتكز الموقف التونسي الراهن في هذا النصف الثاني من عام 2026 على رغبة واضحة في إعادة تحديد ميزان القوى مع بروكسل.
وترى تونس أن الاتفاق الأصلي ركّز بشكل مفرط وغير متناسب على الالتزامات الأمنية الفورية المفروضة عليها لضبط سواحلها، دون أن يقابل ذلك تدفق مرن وسريع ومتناسب للمساعدات الاقتصادية والاستثمارات المباشرة الموعودة لدعم الموازنة العامة للدولة.
ومع دخول « ميثاق الاتحاد الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء« حيز التنفيذ الفعلي، وجدت تونس فرصة استراتيجية رئيسية؛ فالإجراءات الحدودية السريعة والصارمة التي اعتمدتها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعتمد كلياً في نجاعتها على كبح التدفقات من دول الطوق وجعل « دول العبور » شريكاً صارماً. ومن هذا المنطلق، تبعث تونس برسائل واضحة مفادها أن استمرارها في لعب دور « حارس الحدود » يتطلب ثمناً اقتصادياً وسياسياً مختلفاً تماماً.
2. أوراق الضغط وديناميكية المنافسة الإقليمية
يوضح التقرير أن الدبلوماسية التونسية باتت على دراية كاملة بالتحولات الراهنة في الاستراتيجية الأوروبية؛ حيث تسعى المفوضية الأوروبية إلى تقسيم دعمها وإبرام اتفاقيات مالية موازية مع قوى إقليمية أخرى، لا سيما مصر والمغرب، بالإضافة إلى التمويلات الضخمة المخصصة لخفر السواحل الليبي.
هذه المنافسة الإقليمية للوصول إلى أموال الدعم الأوروبي دفعت تونس إلى اعتماد « دبلوماسية هجومية »؛ حيث ترفض الآن المخططات التي تضعها في موقع التبعية أو تحت الرقابة اللصيقة بشأن كيفية صرف هذه الأموال. وتطالب تونس بتمويلات ومساعدات مالية مباشرة تُضخ في الخزينة العامة كدعم سيادي غير مشروط، على أن تُخصص هذه الأموال لتحديث معداتها الأمنية الخاصة وتغطية التكاليف اللوجستية والاجتماعية المتزايدة المرتبطة بعمليات الاعتراض والترحيل، بدلاً من حصر المساعدات في مشاريع ضيقة تديرها منظمات دولية أو غير حكومية.
3. التحديات والآفاق أمام بروكسل
تجد المفوضية الأوروبية نفسها في موقف معقد للغاية؛ فمن جهة، تخضع لضغوط داخلية حادة من دول جنوب أوروبا (خاصة إيطاليا) للحفاظ على استقرار الاتفاق مع تونس بأي ثمن، تجنباً لعودة موجات الهجرة في وسط البحر الأبيض المتوسط. ومن جهة أخرى، تواجه مطالب من البرلمان الأوروبي ومنظمات حقوقية دولية تطالب بفرض شروط صارمة وتجميد المساعدات بناءً على تطورات ملف الحقوق والحريات.
وفي ظل هذه التوترات المتصاعدة، يخلص التقرير إلى أن أسابيع الخريف لعام 2026 ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كانت بروكسل ستستجيب لمطالب « إعادة التوازن » التونسية عبر ضخ أموال مباشرة بدون شروط مسبقة، أم أن الاتفاق سيمر بفترة جمود ممتدة. وهو جمود قد يؤدي تدريجياً إلى تراخي الرقابة البحرية على السواحل التونسية، كإشارة تحذيرية مباشرة يتم إرسالها إلى بروكسل.
The European Post**
هي منصة إعلامية رقمية مستقلة متخصصة في الشؤون الأوروبية والدولية. تركز على تقديم تحليلات استراتيجية، تقارير سياسية، وأخبار تتعلق بالاتحاد الأوروبي وسياساته الخارجية، لا سيما القضايا الجيوسياسية وملفات الهجرة والعلاقات مع دول الجوار .
تستهدف المنصة صناع القرار، الدبلوماسيين، والمتابعين للشأن السياسي الأوروبي عبر تقديم قراءات تحليلية معمقة للأحداث.
