لم يعد التونسي ينتظر فقط عودة الماء إلى الحنفية أو الكهرباء إلى المنزل.
في صيف استثنائي الحرارة، ومع موجات الشهيلي والحرارة الخانقة التي ضربت البلاد، بدأ سلوك جديد يفرض نفسه بهدوء على السوق: المواطن يبحث عن حل فردي لمشكلات كانت، إلى وقت قريب، من صميم مسؤولية شبكات الخدمات العمومية.
والنتيجة أن منتجات لم تكن تحتل مكاناً بارزاً في قائمة المشتريات المنزلية أصبحت اليوم أكثر حضوراً: أجهزة تصفية وتنقية المياه، مضخات تقوية الضغط، خزانات ومستلزمات ضخ المياه، إلى جانب اللوحات الكهربائية وأجهزة الحماية من ارتفاع وانخفاض التيار الكهربائي وخزانات الماء .
إنها ليست مجرد موجة استهلاك عابرة، بل تبدو أقرب إلى ولادة «اقتصاد النجاة» الذي تغذيه المخاوف اليومية من انقطاع الماء أو الكهرباء.
عندما يصبح الفلتر ضرورة والمضخة «رفاهية إجبارية»
في عدد من المناطق، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى المواطن هي فقط وجود الماء من عدمه، بل جودة المياه وضغطها واستمرارية وصولها إلى المنزل.
ومع ضعف الضغط، خصوصاً في بعض الطوابق والمناطق، تتحول مضخة تقوية المياه من جهاز إضافي إلى حل عملي بالنسبة إلى بعض الأسر.
وتوجد بالفعل في السوق التونسية عروض متخصصة في مضخات المياه وأجهزة تنقية المياه ومستلزمات الضخ، ما يعكس وجود سوق كاملة حول معالجة المياه وضخها داخل المنازل.
لكن اللافت في صيف 2026 هو أن هذه المنتجات تأتي ضمن سلة واحدة من مشتريات الحماية المنزلية: المواطن لا يبحث فقط عن الماء، وإنما يبحث عن طريقة لتخزينه، وضخه، وتصفيته، والتعامل مع غيابه أو ضعف وصوله.
والكهرباء لها «عدة نجاة» أيضاً
على الجانب الآخر، خلقت أزمة الكهرباء طلباً مختلفاً.
فالانقطاعات المتكررة خلال فترات الحرارة القصوى جعلت أصحاب المنازل وأصحاب الأنشطة التجارية أكثر اهتماماً بـحماية التجهيزات الكهربائية، خصوصاً الأجهزة المنزلية الحساسة التي قد تتضرر عند عودة التيار أو عند حدوث اضطرابات في الشبكة.
وتشير تقارير حول صيف 2026 إلى أن انقطاعات الكهرباء ارتبطت بارتفاع الضغط على الشبكة خلال موجات الحر، فيما لجأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تخفيف الأحمال في فترات معينة لتفادي انهيار الشبكة.
وهنا يظهر سوق آخر: أجهزة الحماية الكهربائية، القواطع، منظمات الجهد، اللوحات الكهربائية ومختلف معدات الوقاية من اضطرابات التيار.
أي أن المواطن الذي كان يشتري الكهرباء من الدولة أصبح، بشكل غير مباشر، يشتري أيضاً وسائل لحماية نفسه من آثار اضطراب الكهرباء التي تصله عبر الشبكة.
«أنا نحمي داري وحدي»
هذه الجملة تلخص التحول.
فعوض أن يكون الحل جماعياً، عبر شبكة مياه مستقرة وشبكة كهرباء قادرة على تحمل ذروة الاستهلاك، أصبح جزء من الحل يُنقل إلى داخل المنزل.
خزان للماء.
مضخة لرفع الضغط.
جهاز لتصفية المياه.
لوحة كهربائية أفضل.
جهاز للحماية من اضطرابات التيار.
وكلما زادت المخاطر، زادت قائمة المعدات التي يرى المواطن أنه مضطر إلى اقتنائها.
وهكذا تتحول الأزمة العمومية إلى فاتورة خاصة يدفعها المواطن من جيبه.
صيف الشهيلي يصنع سوقاً جديدة
ما يميز صيف 2026 أن هذه الحاجة تزامنت مع موجات حر شديدة وضغط استثنائي على شبكتي الماء والكهرباء.
وقد وصفت تقارير الانقطاعات المتزامنة للمياه والكهرباء خلال موجات الحر بأنها أزمة كشفت هشاشة بعض البنى التحتية، بينما تحدثت تقارير أخرى عن تأثير الانقطاعات على المنازل والأنشطة الاقتصادية والأجهزة والتبريد.
وفي مثل هذه الظروف، لا ينتظر المستهلك الأزمة حتى تقع مرة أخرى.
إنه يستعد لها.
وهنا بالضبط يبدأ البزنس.
كل انقطاع يخلق طلباً جديداً، وكل خوف من تكرار الانقطاع يدفع عائلة جديدة إلى شراء جهاز لم تكن تفكر في شرائه قبل أشهر.
من «الخدمة العمومية» إلى «الخلاص الفردي»
الأخطر في هذه الظاهرة ليس فقط ارتفاع مبيعات المضخات والفلاتر وأجهزة الحماية.
الأخطر هو التغير في عقلية المواطن.
فحين يفقد المواطن الثقة في استمرارية الخدمة، يبدأ في بناء منظومة بديلة داخل منزله.
الدولة توفر الشبكة، والمواطن يشتري الخزان.
الدولة توفر الماء، والمواطن يشتري جهاز التصفية.
الشبكة توفر الكهرباء، والمواطن يشتري جهاز الحماية.
وعندما يضعف الضغط، يشتري المواطن المضخة.
وهكذا يصبح كل بيت مطالباً، تدريجياً، بأن يمتلك نسخته الخاصة من البنية التحتية.
إنها ليست فقط قصة مضخة أو فلتر أو لوحة كهربائية.
إنها قصة اقتصاد كامل يمكن أن ينشأ عندما يتحول المواطن من مستهلك للخدمة العمومية إلى ممول لحلول بديلة من ماله الخاص.
والسؤال: من يدفع ثمن الأزمة؟
في النهاية، هناك فاتورة لا تظهر دائماً في أرقام استهلاك الماء والكهرباء.
إنها فاتورة الخلاص الفردي.
مواطن يدفع فاتورة الماء والكهرباء، ثم يدفع مرة أخرى لشراء مضخة وخزان وفلتر وأجهزة حماية.
ومؤسسة تدفع مقابل الطاقة، ثم تضطر إلى إنفاق إضافي لحماية معداتها من الانقطاعات واضطرابات التيار.
وهكذا، كلما تراجعت الثقة في استمرارية الخدمات، اتسعت السوق التي تبيع للمواطن الحماية من غيابها.
قد يكون هذا هو البزنس الأكثر دلالة على صيف 2026:
حين تصبح الخدمة العمومية غير مضمونة، يبدأ المواطن في شراء بديلها من السوق.
وفي صيف بلغت فيه الحرارة مستويات قاسية، لم يعد التونسي يبحث فقط عن كيفية مواجهة الشهيلي والحر.
بل أصبح يبحث عن إجابة لسؤال أكثر بساطة وخطورة:
ماذا أفعل إذا انقطع الماء؟ وماذا أفعل إذا انقطعت الكهرباء؟
والسوق، كالعادة، كانت الأسرع في تقديم الإجابة.
