لم تعد معاناة التونسيين خلال الصيف مرتبطة فقط بارتفاع درجات الحرارة المسجلة، بل أصبحت مرتبطة أكثر بالرطوبة وارتفاع الحرارة المحسوسة واستمرار دفء الليل، في ظاهرة تجعل الجسم عاجزًا عن استعادة توازنه حتى بعد غروب الشمس.
ويصف الخبير البيئي حمدي حشاد هذا التحول بالقول إن تونس «ما عادتش تعيش فقط ارتفاعًا في درجات الحرارة، وإنما الأجواء أصبحت تشبه أكثر فأكثر المناطق المدارية»، مشيرًا إلى اجتماع عدة عوامل: سخانة مرتفعة، رطوبة خانقة، وليال طويلة لا تعرف الانتعاش المعتاد.
ويؤكد حشاد أن تعبير «الحرارة المدارية» ليس تصنيفًا مناخيًا رسميًا لموجات الحر، وإنما هو وصف لحالة تتجمع فيها الحرارة والرطوبة وغياب الانخفاض الليلي، فتصبح الحرارة التي يشعر بها الإنسان أعلى بكثير من الرقم الذي تسجله أجهزة الرصد.
عندما تصبح 35 درجة أشد وطأة من 40
في المناطق الساحلية التونسية، قد لا تبدو درجة حرارة في حدود 34 أو 35 درجة استثنائية عند النظر إلى الرقم وحده، لكن الصورة تتغير جذريًا عندما ترتفع الرطوبة.
فالهواء المشبع بالرطوبة يحدّ من قدرة الجسم على تبخير العرق، وهي الآلية الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان لتبريد نفسه. وكلما ارتفعت الرطوبة، أصبح التخلص من حرارة الجسم أكثر صعوبة، فتزداد مشاعر الإرهاق والاختناق والثقل حتى عندما لا تبدو درجة الحرارة المسجلة قياسية.
وهنا تصبح الحرارة المحسوسة أكثر أهمية من الحرارة المقاسة، لأنها تعكس بصورة أقرب الظروف التي يتعرض لها جسم الإنسان فعليًا.
ويربط حشاد هذه الظروف بمجموعة من المؤشرات، من بينها درجات حرارة تتجاوز عادة 30 إلى 35 درجة، ورطوبة نسبية مرتفعة، خصوصًا على السواحل، إلى جانب ارتفاع نقطة الندى، وهي المؤشر الذي يعكس كمية بخار الماء الموجودة في الهواء.
وعندما تتجاوز نقطة الندى 20 درجة، يبدأ الإحساس بالرطوبة والاختناق في الارتفاع، فيما يصبح الهواء شديد الخنقة عند مستويات أعلى، خصوصًا عندما تترافق الرطوبة مع حرارة مرتفعة ورياح ضعيفة.
المشكلة لا تنتهي عند غروب الشمس
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق، وفق الخبير البيئي، هو أن موجة الحر لا تنتهي بالضرورة عندما تغيب الشمس.
فإذا بقيت درجات الحرارة مرتفعة خلال الليل، لا يحصل الجسم على فرصة كافية للتخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار. كما تحتفظ المباني والجدران والأسطح بالحرارة، فتتحول المنازل نفسها إلى مخازن للحرارة، ويضطر كثيرون إلى مواصلة تشغيل أجهزة التكييف طوال الليل.
ويشير حشاد إلى أن تسجيل ليلة مدارية يعني علميًا ألا تنخفض درجة الحرارة الدنيا خلال الليل عن 20 درجة مئوية. أما عندما تبقى الحرارة الدنيا فوق 25 درجة، فنكون أمام ليلة شديدة الحرارة، أو ما يمكن وصفه بـ«ليلة فوق مدارية».
ولا تُعد الرطوبة شرطًا لتسمية الليلة «مدارية»، لكنها تجعل تأثيرها على الإنسان أكثر قسوة، خصوصًا عندما تترافق درجات الحرارة الليلية المرتفعة مع رطوبة عالية وغياب حركة الهواء.
الساحل التونسي أمام معادلة جديدة
وتبرز هذه الظاهرة بصورة خاصة في المناطق الساحلية، حيث يلتقي الهواء الساخن القادم من الجنوب مع بحر أكثر دفئًا، وهو ما يساهم في زيادة كمية بخار الماء في الجو ورفع مستويات الرطوبة.
وفي المقابل، يعيش الداخل التونسي في كثير من الأحيان حرارة أعلى وأكثر جفافًا، ما يجعل طبيعة الإجهاد الحراري مختلفة عن تلك الموجودة على السواحل.
وهكذا أصبحت تونس أمام مشهد صيفي أكثر تعقيدًا: حرارة صحراوية في الداخل، وحرارة رطبة خانقة على السواحل، مع ليالٍ لا تنخفض فيها درجات الحرارة بالقدر الكافي.
البحر أيضًا يدخل على خط الأزمة
ولا يتعلق الأمر بالهواء وحده. فارتفاع حرارة البحر يمثل عنصرًا إضافيًا في هذه المعادلة.
فالبحر الدافئ بصورة غير معتادة يمكن أن يساهم في زيادة بخار الماء الموجود في الغلاف الجوي، وعندما تتزامن هذه الرطوبة مع حرارة مرتفعة ورياح ضعيفة، يصبح الإحساس بالحرارة أكثر قسوة.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا قد يشعر التونسي بأن يومًا تبلغ فيه الحرارة 34 أو 35 درجة أصبح أصعب بكثير من أيام صيفية سابقة كانت تسجل الأرقام نفسها.
عندما لا تجد الشبكة الكهربائية فرصة لتبرد
ولا تتوقف آثار الحرارة الليلية المرتفعة عند جسم الإنسان.
فالطلب على التكييف يستمر خلال الليل، ما يعني استمرار الضغط على شبكة الكهرباء. وفي الوقت نفسه، لا تحصل المباني والبنية التحتية والمعدات الكهربائية على فترة كافية للتخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار.
وتصبح الحلقة مفرغة: حرارة مرتفعة، ثم رطوبة، ثم ليل دافئ، ثم تشغيل متواصل للتكييف، ثم طلب أكبر على الكهرباء، بينما لا تحصل البيئة العمرانية نفسها على فرصة حقيقية للتبريد.
وتكون تداعيات ذلك أشد على كبار السن، ومرضى القلب والسكري، والأشخاص الذين يعملون في الخارج أو في أماكن تفتقر إلى التهوية والتبريد.
هل أصبحت تونس بلدًا مداريًا؟
الإجابة العلمية المباشرة هي: لا.
فتونس لم تتحول جغرافيًا أو مناخيًا إلى بلد مداري، ولا يمكن استخدام مصطلح «المناخ المداري» كتصنيف علمي لوصف البلاد.
لكن ما يتغير هو أن بعض خصائص الأجواء التي ترتبط عادة بالمناطق المدارية أصبحت تظهر بصورة أوضح في صيف تونس: رطوبة مرتفعة، حرارة محسوسة قاسية، بحر أكثر دفئًا، رياح ضعيفة أحيانًا، وليالٍ حارة لا تمنح الجسم فرصة كافية لاستعادة توازنه.
وهنا تكمن خطورة التغير المناخي بالنسبة إلى الحياة اليومية.
فالمسألة لم تعد فقط: كم بلغت درجة الحرارة اليوم؟
بل أصبحت الأسئلة الأهم: كم بلغت الرطوبة؟ كم وصلت نقطة الندى؟ كم كانت الحرارة المحسوسة؟ وهل انخفضت الحرارة ليلًا بما يكفي؟
وبالنسبة إلى حشاد، فإن ما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره حالة استثنائية أصبح يتكرر بصورة أكبر، وهو ما يطرح أمام تونس واقعًا مناخيًا جديدًا لا يتعلق فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل أيضًا بنوعية الحرارة التي يعيشها الإنسان وقدرته على التعافي منها خلال الليل.
وفي بلد اعتاد سكانه على صيف حار وجاف نسبيًا، قد يكون التحدي الأكبر في السنوات المقبلة ليس فقط أن تصبح الأيام أكثر سخونة، وإنما أن تتوقف الليالي عن منح التونسيين فرصة للبرودة.
