الرئيسية آخر الأخبار الرحلة 606 للخطوط التونسية …رحالة المعاناة …تأخير ب29 ساعة

الرحلة 606 للخطوط التونسية …رحالة المعاناة …تأخير ب29 ساعة

0
928
الخطوط التونسية
الخطوط التونسية

لم يكن تأخير رحلة الخطوط التونسية رقم 606 المتجهة من تونس إلى مدريد مجرد عطب فني طارئ يُقاس بالساعات، بل تحول إلى أزمة إنسانية وتنظيمية حادة كشفت عن عمق التراجع في إدارة الأزمات لدى الناقلة الوطنية.

تأخيرٌ تجاوز 29 ساعة كاملة (من الساعة 15:05 من مساء الخميس 25 جوان إلى الساعة 20:20 من مساء اليوم الموالي الجمعة 26 جوان) لم يقتصر تأثيره على ساعات الانتظار الثقيلة، بل ضرب في مقتل التزامات مئات المسافرين وحقوقهم الأساسية. ولا يعرف ما اذا كانت الطائرة ستقلع اليوم في موعدها المحدد

عُزلة وتهميش: مسافرون خارج التغطية

أبرز جوانب هذه الأزمة تمثل في غياب استراتيجية استباقية للتواصل؛ حيث إن العديد من المسافرين القادمين من ولايات داخلية بعيدة عن العاصمة لا يقيمون في تونس الكبرى، وبعضهم قد يكون في مناطق ريفية أو نقاط حدودية تعاني من ضعف شبكات الاتصال أو خارج التغطية تماماً. هؤلاء لم تصلهم التنبيهات الرقمية أو البريدية بالتأجيل، وتكبدوا مشقة السفر والتنقل المبكر إلى المطار رفقة عائلاتهم وأطفالهم، ليصطدموا بواقع مرير عنوانه « انتظار غير معلوم الأجل ».

أما الفئة الأكثر تضرراً، فهم المسافرون الذين كانت تمثل لهم مدريد محطة عبور فقط (ترانزيت)؛ حيث تسبب هذا التأخير القياسي في ضياع رحلات الربط المتجهة إلى دول وجامعات ومقرات عمل أخرى، مما رتّب عليهم خسائر مادية فادحة وفقدان لتذاكر طيران مكملة دون أي ضمانات فورية للتعويض أو التكفل.

صرخة من قلب المعاناة: الرديء حين يصبح أمراً عادياً

عبر أحد الركاب المتضررين بمرارة عن هذا الواقع في تدوينة هزت منصات التواصل الاجتماعي، واصفاً ما جرى بأنه طعنة في مفهوم « الخدمة العمومية » وفي مكانة الجالية التونسية بالخارج، حيث قال:عندما تتحول ناقلتنا الوطنية، التي يفترض أن تكون جسراً يربط أبناء الوطن بأرضهم وعائلاتهم، إلى مصدر للإزعاج والإرباك والخسائر المادية والمعنوية، يصبح من حقنا أن نتساءل عن معنى الخدمة العمومية وعن مكانة جاليتنا في سلم الأولويات… تأخير رحلة بحوالي ثلاثين ساعة ليس مجرد خلل تقني، بل هو سلسلة من التداعيات: رحلات ربط ضائعة، التزامات مهنية مهددة، ومصاريف إضافية غير متوقعة. »

« 

ولم يتوقف المتضرر عند الخسائر المادية، بل غاص في الجانب النفسي والوطني للأزمة:والأنكى من التأخير نفسه، ذلك الانعدام شبه التام للحد الأدنى من الحرفية وحسن التواصل… أن يُترك المسافرون في حالة من الضياع والانتظار واللامبالاة فذلك أمر لا يقل خطورة عن العطب نفسه. كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ إن تونس لا تضيع في يوم واحد، بل تضيع تدريجياً عندما يصبح الرديء أمراً عادياً، وعندما نعتاد الفشل ونبرره ونقبل به كقدر محتوم… إن أخطر ما نخسره اليوم ليس الوقت ولا المال، بل ثقة التونسي في مؤسساته وثقة أبناء الجالية في وطنهم. »

صمت اتصالي يغذي الإحباط

الأمر الذي أثار حفيظة الرأي العام والمسافرين ليس العطب الفني بذاته، فالأعطاب تحدث في كبرى شركات الطيران العالمية، وإنما طريقة إدارة الأزمة. فالغياب شبه التام للمعلومة الدقيقة، وترك الركاب فريسة للشائعات والانتظار الطويل داخل أروقة المطار دون إحاطة، أو توفير إقامة لائقة وتكفل شامل لركاب الولايات الداخلية والربط، يعكس استخفافاً غير مقبول بكرامة المواطن.

تأتي هذه الحادثة لتطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل الخطوط التونسية وقدرتها التنافسية في مواجهة الشركات الأخرى. إن الانتماء للوطن لا يُترجم بالشعارات، بل بجودة الخدمات واحترام المواطن والوفاء بالوعود؛ وبخلاف ذلك، سيتحول الناقل الوطني الذي يحمل الراية التونسية في الأجواء، إلى أكبر سفير لتغذية الإحباط ودفع أبناء الجالية للبحث عن بدائل تحترم وقتهم وإنسانيتهم.