لم تعد قضية الهجرة غير النظامية في أوروبا تقتصر على مراقبة السواحل ومنع قوارب المهاجرين من الوصول. فالاتحاد الأوروبي يتجه إلى بناء آلية أكثر سرعة للتعامل مع أي تدفق جماعي ومفاجئ للمهاجرين على حدوده الخارجية، على أن يكون التحرك في بعض الحالات خلال ساعات من إعلان وجود أزمة.
هذا التوجه برز خلال اجتماع وزراء الداخلية والهجرة في مدينة ميونيخ الألمانية، حيث ناقش ممثلو 18 دولة أوروبية، برئاسة وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، تداعيات أحداث العبور الجماعي إلى سبتة في نهاية يوليو الماضي، والوسائل التي يمكن اعتمادها لمنع تكرار سيناريو مماثل على حدود الاتحاد الأوروبي.
وبحسب ما أوردته صحيفة «بيلد» الألمانية، فإن التصور الذي خرج به الاجتماع يقوم على ثلاثة محاور أساسية: تحديد معايير موحدة لإعلان حالة أزمة على الحدود الخارجية، تسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين لا تتوفر لهم شروط البقاء، وتعزيز قدرة وكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» على التدخل السريع.
والنقطة الأكثر لفتاً للانتباه بالنسبة لدول جنوب المتوسط هي أن المقترح يتحدث عن إمكانية تحرك عناصر فرونتكس خلال 24 ساعة من إعلان حالة الأزمة، لمساندة الدولة الأوروبية التي تواجه ضغطاً استثنائياً على حدودها.
لكن الأمر لا يتعلق بإقرار قانون أوروبي جديد في ميونيخ. فالاتحاد الأوروبي دخل بالفعل، منذ 12 يونيو 2026، مرحلة تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد، الذي يتضمن إجراءات موحدة لتسجيل الوافدين غير النظاميين والتحقق من هوياتهم وإجراء الفحوص الأمنية والصحية وتسريع بعض إجراءات اللجوء والإعادة.
لماذا تهم تونس؟
بالنسبة إلى تونس، لا تكمن أهمية التطور فقط في موقعها الجغرافي القريب من السواحل الإيطالية، وإنما أيضاً في أن اسم تونس موجود بشكل صريح في السياسة الأوروبية الجديدة المتعلقة بالعودة.
فالمفوضية الأوروبية تذكر تونس ضمن سبع دول ذات أولوية في خارطة الطريق التي يعمل عليها الاتحاد لتحسين عمليات الإعادة، إلى جانب العراق وبنغلاديش وباكستان ونيجيريا والسنغال وغامبيا. وتقول المفوضية إن وكالة «فرونتكس» ستقدم دعماً في مختلف مراحل عمليات العودة، من الاستعداد للعملية إلى تنفيذها وما بعدها.
وهذا يعني أن النقاش الأوروبي حول الهجرة لا يتعلق فقط بمنع المغادرة من السواحل الجنوبية للمتوسط، وإنما يمتد إلى مرحلة لاحقة هي إعادة الأشخاص الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي بطريقة غير نظامية ولم يحصلوا على حق البقاء.
كما أن الميثاق الأوروبي الجديد ينص على تعزيز التعاون مع الدول الشريكة في مجال منع المغادرة غير النظامية، مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، والتعاون في ملفات الإعادة والقبول.
سبتة كانت الاختبار
ما حدث في سبتة نهاية يوليو أعطى الأوروبيين مثالاً عملياً على السيناريو الذي يريدون الاستعداد له.
ففي 30 يوليو حاول نحو 72 ألف شخص العبور من المغرب نحو سبتة خلال فترة قصيرة، في واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة. وأسفرت العملية عن سقوط عشرات الضحايا، فيما عاد معظم الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة إلى المغرب لاحقاً.
وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم تكن المشكلة في عدد المهاجرين فقط، وإنما في سرعة التدفق، وقدرة نقطة حدودية واحدة على التعامل مع عشرات الآلاف في فترة وجيزة.
ولهذا أصبح السؤال في بروكسل وبرلين ومدريد: ماذا تفعل أوروبا إذا تكرر السيناريو على حدود أخرى؟
والإجابة التي يجري بحثها هي وجود آلية جاهزة مسبقاً، تحدد متى تصبح الحالة «أزمة»، ومن يتدخل، وكيف يتم دعم الدولة المعنية، وكيف تبدأ إجراءات العودة.
الميثاق الجديد غيّر قواعد اللعبة
ويأتي اجتماع ميونيخ بعد دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق في يونيو الماضي.
الميثاق يفرض تسجيل الوافدين غير النظاميين وإخضاعهم للتحقق من الهوية والفحوص الأمنية والصحية، كما يضع إجراءات حدودية أسرع بالنسبة إلى فئات معينة من طالبي اللجوء، إلى جانب آليات جديدة للتضامن بين الدول الأوروبية التي تواجه ضغوطاً أكبر.
كما يتضمن الميثاق بروتوكولات خاصة بحالات الأزمات، مع إمكانية تقديم دعم تشغيلي وتمويل إضافي ونشر موارد أوروبية، بما في ذلك دعم فرونتكس للدول التي تواجه ضغطاً غير عادي على حدودها.
بمعنى آخر، فإن ما يجري في ميونيخ ليس بداية السياسة الأوروبية الجديدة، بل محاولة لتطوير أدواتها بعد أولى الاختبارات العملية لها.
تونس.. من مراقبة البحر إلى ملف العودة
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس لأن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة لم تعد تقتصر على مكافحة تهريب البشر أو مراقبة الحدود البحرية.
الاتحاد الأوروبي يتحدث صراحة عن شراكات مع دول العبور لتعزيز قدراتها في مراقبة الحدود، ومنع المغادرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب التعاون في إعادة وقبول الأشخاص الذين لا يحق لهم البقاء في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، أعلنت المفوضية الأوروبية أن عمليات العبور غير النظامي على الحدود الخارجية للاتحاد سجلت انخفاضاً كبيراً خلال الفترة الأخيرة، لكنها تؤكد أن التدفقات يمكن أن تتغير بسرعة وأن شبكات التهريب تستفيد من أي ثغرات في مراقبة الحدود.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري في ميونيخ: أوروبا تريد ألا تجد نفسها مرة أخرى أمام عشرات الآلاف من الأشخاص على حدودها قبل أن تتمكن من اتخاذ قرار موحد.
ماذا يعني ذلك للتونسيين؟
بالنسبة إلى التونسي الذي يفكر في الهجرة غير النظامية، فإن التطورات الأوروبية تعني أن منظومة المراقبة والتسجيل والعودة أصبحت أكثر تنظيماً مما كانت عليه في السابق.
أما بالنسبة إلى تونس كدولة، فإنها ستجد نفسها أكثر حضوراً في النقاش الأوروبي حول الهجرة، ليس فقط باعتبارها دولة متوسطية قريبة من أوروبا، وإنما أيضاً باعتبارها إحدى الدول التي وضعها الاتحاد الأوروبي ضمن أولويات التعاون في مجال العودة.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن كل تونسي يصل إلى أوروبا بطريقة غير نظامية سيعاد آلياً، إذ تبقى إجراءات اللجوء والحماية الدولية والضمانات القانونية قائمة ضمن النظام الأوروبي الجديد. كما أن تنفيذ عمليات العودة يتطلب إجراءات وتعاوناً مع بلد الجنسية أو بلد العودة.
لكن الاتجاه العام أصبح واضحاً: الاتحاد الأوروبي يريد حدوداً أكثر تشدداً، إجراءات أسرع، تعاوناً أكبر مع دول جنوب المتوسط، وقدرة على الانتقال من إعلان أزمة هجرة إلى التدخل الميداني في وقت قصير.
وهذا بالضبط ما جعل أحداث سبتة تتحول من أزمة إسبانية محدودة جغرافياً إلى درس أوروبي في كيفية التعامل مع موجات الهجرة الجماعية مستقبلاً.
