تواجه تونس مخاطر جديدة مرتبطة بارتفاع أسعار السكر في الأسواق العالمية، بعد أن قفزت أسعار السكر الخام بأكثر من 18% منذ بداية أوت الجاري، لتعود إلى أعلى مستوياتها منذ ماي 2025.
وتأتي هذه الزيادة في وقت ارتفعت فيه فاتورة واردات السكر التونسية بشكل كبير. فقد بلغت قيمة الواردات إلى نهاية جويلية 2026 نحو 761.8 مليون دينار، مقابل 167.3 مليون دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تفوق أربعة أضعاف.
ولا تعود هذه الزيادة القياسية في الفاتورة التونسية إلى الصعود المسجل خلال أوت، وإنما ترتبط أساساً بارتفاع كميات السكر التي تم استيرادها خلال الأشهر السابقة، إلى جانب زيادة محدودة في الأسعار. غير أن استمرار الأسعار العالمية في الارتفاع قد يجعل عمليات التوريد المقبلة أكثر كلفة.
لماذا ارتفعت أسعار السكر عالمياً؟
السبب الرئيسي في موجة الصعود الحالية هو تغير مفاجئ في معادلة العرض والطلب، وخاصة دخول الهند مجدداً إلى السوق العالمية كمشترٍ للسكر.
فالهند، ثاني أكبر منتج للسكر في العالم وأكبر مستهلك له، قررت السماح باستيراد مليون طن من السكر الخام دون رسوم جمركية إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية كبيرة بالنسبة إلى السوق العالمية، لأن الهند كانت في السنوات الماضية تتعامل أساساً باعتبارها دولة منتجة ومصدرة، فيما كانت صادراتها تخضع للتغيير بحسب حجم الإنتاج والمخزونات المحلية.
أما الآن، فإن الهند ستسحب كميات إضافية من السوق الدولية لتلبية حاجياتها الداخلية، وهو ما يعني انخفاض الكميات المتاحة لبقية المشترين.
وقد انعكس الإعلان سريعاً على الأسعار، إذ ارتفع السكر الخام في بورصة نيويورك من 14.66 سنتاً للرطل في نهاية جويلية إلى نحو 17.6 سنتاً في 21 أوت، بعدما بلغ خلال إحدى الجلسات 18.26 سنتاً.
البرازيل تضغط على المعروض العالمي
العامل الثاني يتعلق بالبرازيل، التي تمثل نحو نصف صادرات السكر في العالم.
وتسببت الأمطار في المناطق الرئيسية المنتجة لقصب السكر في إبطاء عمليات الحصاد والعصر، وهو ما يثير مخاوف بشأن حجم الإنتاج وجودة القصب ومردودية المصانع.
كما أن مصانع السكر البرازيلية تستطيع توجيه جزء من قصب السكر نحو إنتاج الإيثانول بدلاً من السكر عندما تصبح أسعار الطاقة أكثر جاذبية.
وهذا يعني أن أي تراجع في إنتاج السكر البرازيلي ستكون له انعكاسات مباشرة على السوق الدولية، نظراً إلى الوزن الكبير للبرازيل في التجارة العالمية.
«إل نينيو» يضيف عاملاً مناخياً جديداً
إلى جانب الهند والبرازيل، دخل عامل مناخي آخر على خط الأزمة، وهو احتمال تطور ظاهرة «إل نينيو» بقوة خلال خريف وشتاء 2026-2027.
وتثير الظاهرة مخاوف مختلفة في مناطق الإنتاج الرئيسية. ففي البرازيل، يمكن أن تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تعطيل عمليات الحصاد خلال الموسم الحالي، بينما قد تؤدي في الهند وتايلاند إلى انخفاض الأمطار خلال موسم الأمطار، بما ينعكس على الإنتاج المقبل.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه الهند أصلاً توقعات بموسم أمطار أضعف من المعتاد.
وتشير تقديرات في سوق السكر إلى أن «إل نينيو» متوسط القوة يمكن أن يؤدي وحده إلى فقدان نحو مليون طن من الإنتاج الهندي.
تونس.. ارتفاع الأسعار العالمية لا يعني زيادة فورية للمستهلك
بالنسبة إلى تونس، لا يعني ارتفاع أسعار السكر في السوق العالمية بالضرورة زيادة فورية في السعر الذي يدفعه المستهلك، باعتبار أن السكر من المواد التي تخضع للتنظيم وتدخل في منظومة التزويد والتعويض.
لكن تأثير الارتفاع العالمي يمكن أن يظهر في مكان آخر، خصوصاً عبر ارتفاع كلفة التوريد والضغط على مالية الدولة وحاجيات التمويل المرتبطة بتوفير السكر في السوق المحلية.
كما أن كلفة الاستيراد لا تتوقف عند السعر العالمي للسكر، إذ تضاف إليها تكاليف النقل والتأمين والتخزين، فضلاً عن تأثير سعر صرف الدولار، باعتبار أن معظم العقود الدولية للسكر تتم بالدولار.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس بعد القفزة الكبيرة في واردات السكر خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026.
هل تواجه تونس نقصاً في السكر؟
المعطيات الحالية لا تسمح بالقول إن تونس تتجه إلى نقص في السكر بسبب الارتفاع العالمي للأسعار.
فالزيادة الكبيرة في الواردات خلال الأشهر الماضية يمكن أن تكون قد ساهمت في تعزيز المخزونات وتأمين جزء من الحاجيات المحلية.
وإذا استقرت أسعار السكر الخام قرب مستوى 18 سنتاً للرطل، فإن السعر العالمي يعادل نحو 0.40 دولار للكيلوغرام، أي قرابة 1.16 دينار تونسي للكيلوغرام وفق سعر صرف يقارب 2.91 دينار للدولار. وهذا السعر لا يمثل سعر البيع في تونس، بل السعر المرجعي للسكر الخام في السوق الدولية قبل إضافة تكاليف النقل والتأمين وبقية المصاريف..
وبالتالي، فإن ما يحدث في السوق العالمية يمثل بالنسبة إلى تونس ضغطاً مالياً أكثر منه أزمة تزويد فورية.
والعامل الحاسم خلال الفترة المقبلة سيكون حجم المخزونات المتوفرة في تونس، والكميات التي ستحتاج إلى استيرادها، والأسعار التي ستبرم بها العقود الجديدة.
وفي الأفق العالمي، تظل المعادلة واضحة: الهند عادت للشراء، والبرازيل تواجه اضطرابات مناخية، ومخاطر «إل نينيو» تزداد، وهذه العوامل الثلاثة هي التي تقف أساساً وراء موجة الصعود الجديدة في أسعار السكر.
*** يتولى الديوان التونسي للتجارة دوراً استراتيجياً وحصرياً في إدارة منظومة السكر في تونس لضمان تزويد السوق بأسعار مستقرة.
وتمر آلية عمل الديوان بالتفصيل عبر 4 مراحل أساسية:
1. الاحتكار القانوني والاستيراد
- الحصريّة: يتمتع الديوان بالحق الحصري (الاحتكار) لاستيراد السكر في تونس؛ لا يمكن للقطاع الخاص استيراده مباشرة.
- تحديد الحاجيات: يقدر الديوان الاستهلاك الوطني السنوي (المقدر بنحو 360 ألف طن سنوياً) ويبرمج مناقصات دولية لشراء السكر الخام أو الأبيض بناءً على المخزون الاحتياطي.
2. التكرير والإنتاج المحلي
- الشراكة مع مصنع بنزرت: يستورد الديوان كميات كبيرة من « السكر الخام » (Raw Sugar) لتقليل الكلفة، ثم يحيلها إلى الشركة التونسية للسكر ببنزرت لتكريرها وتحويلها إلى سكر أبيض صالح للاستهلاك.
- الشراء المباشر: يستورد الديوان أيضاً السكر الأبيض الجاهز من الأسواق العالمية عند وجود نقص في طاقة التكرير المحلية.
3. التوزيع والبيع عبر القنوات الرسمية
يتم توزيع السكر عبر مراكز الخزن والجهوية التابعة للديوان إلى فئتين رئيسيتين بأسعار يحددها وزير التجارة:
- الاستهلاك العائلي: يُباع السكر الموجه للمواطنين بأسعار مدعومة لضمان المقدرة الشرائية.
- الاستهلاك الصناعي والمهني: يُوزع السكر على مصانع الحلويات، المشروبات، والمخابز بأسعار غير مدعومة (تكون قريبة من الكلفة الحقيقية أو أعلى لتغطية عجز الديوان).
4. إدارة الدعم والتمويل
تغطية الفارق: تتحمل ميزانية الدولة (عبر صندوق الدعم) الفارق بين كلفة الشراء الحقيقية وسعر البيع للعموم، مما يفسر تأثر إمدادات السكر أحياناً بأي صعوبات مالية أو لوجستية تواجه ميزانية الدولة.
تعديل الأسعار: يشتري الديوان السكر بالأسعار العالمية (بالعملة الصعبة)، ويبيعه محلياً بالدينار التونسي بأسعار مثبّتة إدارياً.
