واشنطن تطلق مبادرة لربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع «فوسكو» للفوسفات في الحوض الشمالي، وسط تساؤلات بشأن مستقبل الاستغلال وعائداته وشروط إدماج الثروة المنجمية التونسية في سلاسل الإمداد العالمية.
أعلنت السفارة الأمريكية بتونس إطلاق مشروع جديد بتمويل من الحكومة الأمريكية وبالتعاون مع شركة «كروس باوندري»، بهدف ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع شركة «فوسكو» للفوسفات في الحوض الشمالي، في خطوة تعكس اهتمام واشنطن بتطوير فرص الاستثمار في قطاع الفوسفات التونسي وتعزيز حضور المعادن المحلية ضمن سلاسل الإمداد العالمية.
ووفق ما أعلنته السفارة الأمريكية، ستمتد المبادرة على مدى العامين المقبلين، وستركز على استقطاب الاستثمارات الخاصة، وتوفير فرص عمل إضافية، وزيادة الإنتاج المحلي من الفوسفات، إلى جانب العمل على إرساء اتفاقيات لتوريد المعادن التونسية.
ولا يقتصر الهدف المعلن على تمويل مشروع منجمي، بل يشمل أيضاً فتح المجال أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في المشروع والاستفادة من فرص التزود بالمعادن التونسية، في وقت تتزايد فيه أهمية تأمين سلاسل إمداد المواد الأولية اللازمة للصناعات المختلفة.
من رخصة الاستكشاف إلى البحث عن المستثمرين
يقع مشروع «القصعات» في ولاية القصرين، ويقوده الجانب الأسترالي من خلال شركة «فوسكو»، التي حصلت على موافقة اللجنة الاستشارية للمناجم على رخصة استكشاف الفوسفات بمنطقة غازعات في نوفمبر 2024، قبل منح الرخصة رسمياً في مارس 2025، وفق المعطيات المتعلقة بالمشروع.
وتغطي رخصة الاستكشاف مساحة تناهز 112 كيلومتراً مربعاً، وهو ما يضع المشروع ضمن المبادرات المنجمية التي تستهدف تطوير موارد الفوسفات خارج مناطق الإنتاج التقليدية في تونس.
وكان الملف قد شهد، في نوفمبر 2024، تطوراً تمثل في موافقة اللجنة الاستشارية للمناجم على رخصة الاستكشاف، بالتوازي مع توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
غير أن الحصول على رخصة الاستكشاف لا يعني، في حد ذاته، أن المشروع أصبح حاصلاً على ترخيص نهائي للاستغلال التجاري. فهذه المرحلة تظل مرتبطة بنتائج أعمال البحث والتقييم، وبقية الإجراءات الفنية والقانونية والبيئية اللازمة.
ومن هنا تكتسب المبادرة الأمريكية أهميتها: إذ يأتي البحث عن المستثمرين والشركاء التجاريين في مرحلة يسعى فيها المشروع إلى الانتقال من أعمال الاستكشاف إلى استقطاب التمويلات والخبرات اللازمة لتطويره.
ماذا تريد الشركات الأمريكية من المشروع؟
تضع المبادرة الأمريكية مشروع «القصعات» ضمن مسعى أوسع لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحيوية وتوسيع الفرص التجارية أمام الشركات الأمريكية.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية في محاولة الربط بين المشروع التونسي ورؤوس الأموال والمستثمرين المحتملين، بما قد يساعد على توفير التمويل والخبرات والتجهيزات اللازمة لتطوير النشاط المنجمي.
كما أن العمل على إبرام اتفاقيات لتوريد المعادن التونسية يفتح المجال أمام علاقات تجارية طويلة الأمد، يمكن أن تربط الإنتاج المستقبلي للمشروع بأسواق خارجية.
لكن الإعلان عن المبادرة لا يعني، حتى الآن، أن شركات أمريكية بعينها تعهدت بالاستثمار في المشروع، أو أن اتفاقيات نهائية لتوريد الفوسفات قد أُبرمت. فهذه نتائج ستظل رهينة المفاوضات والاتفاقات التي قد تنشأ خلال الفترة المقبلة.
كذلك، لا ينبغي الخلط بين إطلاق المبادرة الأمريكية وبين دخول المشروع مرحلة الإنتاج التجاري؛ إذ يتعلق الأمر، وفق المعطيات المعلنة، بجهود لاستقطاب الاستثمار وتطوير الشراكات حول المشروع.
التمويل الأمريكي.. ما حجمه وما طبيعة الدعم؟
برز في المعطيات المتداولة بشأن المبادرة طلب تمويل أمريكي يصل إلى نحو 1.54 مليون دولار لدعم الانخراط التجاري والاستثماري في مشروع «القصعات».
ويقتضي هذا الرقم التمييز بين التمويل المخصص لتطوير الشراكات والأنشطة المرتبطة بالمشروع، وبين الاستثمارات التي قد تضخها الشركات الخاصة لاحقاً في أعمال الاستكشاف أو التطوير أو الإنتاج.
فالمبلغ المشار إليه لا يمثل، في حد ذاته، قيمة استثمار أمريكي مباشر في منجم الفوسفات، ولا دليلاً على امتلاك جهة أمريكية حصة في الشركة المطورة.
وتكمن أهمية المبادرة في قدرتها المحتملة على استقطاب تمويلات أكبر، وربط المشروع بشركات تمتلك المعدات والتكنولوجيا والخبرة التجارية، فضلاً عن إيجاد أسواق لتصريف الإنتاج إذا بلغ المشروع مرحلة الاستغلال.
ويظل حجم الاستثمارات الخاصة التي يمكن أن يجذبها المشروع، وكذلك هوية المستثمرين المحتملين وشروط مشاركتهم، من المسائل التي تحتاج إلى معطيات رسمية أكثر تفصيلاً.
المياه والبيئة.. التحدي الذي لا يمكن تجاوزه
في ولاية القصرين، لا تتوقف الأسئلة المتعلقة بمشروع الفوسفات عند التمويل وفرص العمل وحجم الإنتاج المتوقع، بل تشمل أيضاً الموارد المائية والتأثيرات البيئية المحتملة.
فتطوير أي مشروع منجمي يستوجب تحديد احتياجاته من المياه والطاقة، وطبيعة النفايات الناتجة عن الأنشطة المرتبطة به، وكيفية التعامل مع المخاطر البيئية خلال مراحل الاستكشاف والتطوير والاستغلال.
ولا تتوفر، ضمن المعطيات المعلنة عن المبادرة الأمريكية، تفاصيل كافية تسمح بتحديد الاحتياجات المائية النهائية لمشروع «القصعات» أو تقييم أثره البيئي بصورة دقيقة. لذلك، فإن الحديث عن حجم التأثير المحتمل يجب أن يبقى مرتبطاً بالدراسات الفنية والبيئية الخاصة بالمشروع، لا بالافتراضات.
لكن هذه المسائل ستكون أساسية عند الانتقال إلى المراحل المتقدمة، خصوصاً إذا تطلب المشروع استثمارات كبيرة وبنية تحتية جديدة.
ومن مصلحة تونس أن تكون الالتزامات البيئية والمائية واضحة منذ البداية، وأن تُربط أي توسعة مستقبلية بمعايير رقابة ومتابعة قابلة للتطبيق، بما يضمن عدم تحميل المنطقة كلفة بيئية لا تتناسب مع العائد الاقتصادي المنتظر.
من يستفيد من الفوسفات التونسي؟
يفتح دخول مستثمرين وشركات من الولايات المتحدة على خط المشروع سؤالاً اقتصادياً أوسع: كيف يمكن تحويل الموارد المنجمية إلى قيمة مضافة داخل تونس، بدلاً من الاكتفاء بتوفير المواد الأولية للأسواق الخارجية؟
فاستقطاب الاستثمارات قد يساعد على توفير فرص العمل وتحسين التجهيزات وتطوير النشاط الاقتصادي في القصرين، لكنه لا يضمن وحده تحقيق هذه النتائج. فالأمر يتوقف على طبيعة العقود، وحجم الإنفاق المحلي، ونسبة التشغيل، والضرائب والإتاوات المستحقة، والالتزامات المفروضة على المستثمرين.
كما تبرز أهمية معرفة الشروط التي ستنظم تسويق الإنتاج المستقبلي، ومدى ارتباطه بعقود توريد طويلة الأمد، وكيفية ضمان استفادة الاقتصاد التونسي من المشروع على المدى البعيد.
أما مسألة الملكية الأجنبية، فلا يمكن حسمها استناداً إلى الإعلان الأمريكي وحده. فربط المستثمرين بالشركة المطورة لا يعني تلقائياً انتقال ملكية المشروع أو موارده إلى أطراف أمريكية، كما أن تفاصيل أي مساهمة محتملة في رأس المال تحتاج إلى وثائق واتفاقيات معلنة.
وتبقى هذه النقطة من المسائل التي تستحق المتابعة، بالنظر إلى أن طبيعة الشراكات التجارية والمالية هي التي ستحدد جانباً مهماً من مستقبل المشروع.
مشروع منجمي واختبار اقتصادي لتونس
يمثل إطلاق المبادرة الأمريكية تطوراً جديداً في مسار مشروع «القصعات»، إذ يضيف إلى رخصة الاستكشاف والاتصالات السابقة مع المؤسسات التونسية والدولية مساراً يستهدف استقطاب المستثمرين والشركات الأمريكية.
لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بمجرد الإعلان عن التمويل أو بعدد الشركات التي ستبدي اهتمامها، بل بمدى قدرة المشروع على الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً، واستقطاب استثمارات فعلية، وخلق وظائف مستدامة، وتطوير الإنتاج ضمن إطار قانوني وبيئي واضح.
كما أن إدماج الفوسفات التونسي في سلاسل الإمداد العالمية قد يوفر فرصاً تجارية جديدة، لكنه يفرض في المقابل ضرورة توضيح شروط التوريد، وحجم القيمة المضافة التي ستبقى داخل البلاد، والضمانات التي تكفل استفادة المنطقة والاقتصاد الوطني من هذه الثروة.
وبين الرهان على الاستثمار الأجنبي والأسئلة المتعلقة بالمياه والبيئة وشروط الاستغلال، ستكون المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان مشروع «القصعات» سينتقل من رخصة الاستكشاف إلى مشروع منجمي منتج، وما الذي ستجنيه تونس فعلياً من هذا المسار.
