وثائق سرية تكشف استراتيجية روسية متعددة المسارات.. من التعاون الإعلامي إلى الموارد الطبيعية وحشد الدعم الدبلوماسي، فيما يواجه الصحفيون الروس المنفى والملاحقات والاغتيالات
بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية الإفريقية في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، تتجه الأنظار إلى جانب أقل وضوحاً من العلاقات الروسية الإفريقية، يتعلق بتوسيع النفوذ الإعلامي الروسي داخل القارة، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والأمني.
فقد كشفت مجلة «جون أفريك» الفرنسية أنها حصلت على وثيقتين أُعدّتا للقمة، تتمثلان في مشروع خطة عمل للفترة 2027-2029 ومسودة الإعلان الختامي المعروضة على الدول المشاركة للمصادقة عليها. ووفقاً لما أوردته المجلة، لا تقتصر الاستراتيجية الروسية على التعاون الاقتصادي والعسكري، بل تشمل أيضاً توسيع الحضور الإعلامي والتأثير في المواقف الدبلوماسية للدول الإفريقية.

تونس تقترح منصة إعلامية مشتركة مع روسيا
في هذا السياق، أعلن المدير العام لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، ناجح الميساوي، استعداد تونس للعمل مع روسيا على إنشاء منصة مشتركة لوسائل الإعلام الجديدة، تضم روسيا ودولاً إفريقية، وتهدف إلى تعزيز التعاون الإعلامي وتطوير استخدام التدوين وشبكات التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «تاس»، جاء التصريح خلال المنتدى الإعلامي الروسي الإفريقي المنعقد في موسكو من 26 إلى 29 أكتوبر الجاري. كما أشار الميساوي إلى إمكانية وضع ميثاق ينظم عمل هذه المنظمات الإعلامية.
ويطرح هذا المقترح أسئلة تتجاوز الجانب التقني المتعلق بتبادل المحتوى وتطوير أدوات النشر الرقمي: ما طبيعة المنصة المرتقبة؟ ومن سيحدد قواعد عملها وخطها التحريري؟ وكيف ستُضمن استقلالية المؤسسات المشاركة، خصوصاً في القضايا السياسية والدولية التي تتباين بشأنها مواقف موسكو والعواصم الإفريقية؟
ولا يعني الإعلان عن الاستعداد للتعاون أن اتفاقاً نهائياً أُبرم أو أن المنصة أصبحت قائمة، لكنه يضع المبادرة التونسية ضمن نقاش أوسع بشأن مستقبل التعاون الإعلامي بين روسيا وإفريقيا.
«سبوتنيك» توسّع شبكتها داخل القارة
في خطوة موازية، وسّعت وكالة «سبوتنيك»، التابعة للمؤسسة الإعلامية الروسية «روسيا سيفودنيا»، حضورها الإفريقي بافتتاح مركزين تحريريين في دار السلام بتنزانيا وجوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، لينضما إلى مكتبها في إثيوبيا.
وتعمل «سبوتنيك إفريقيا» بخمس لغات، هي الإنجليزية والفرنسية والأمهرية والأورومو والسواحيلية، وتعتمد على صحفيين أفارقة لإنتاج محتوى يستند إلى السياقات المحلية. كما تضم مراكزها استوديوهات إذاعية وتنتج برامج تُبث عبر محطات إذاعية في 11 دولة إفريقية، وفق المعطيات المعلنة بشأن نشاطها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لتزامنها مع القمة الروسية الإفريقية، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد توسيع شبكة مكاتب صحفية، بل بتعزيز قدرة المؤسسات الإعلامية الروسية على إنتاج المحتوى وتوزيعه مباشرة داخل المجتمعات الإفريقية، بلغاتها المحلية وعبر منصاتها الرقمية والإذاعية.
وكانت وكالة «سبوتنيك» ووكالة تونس إفريقيا للأنباء قد وقّعتا اتفاق تعاون سنة 2023 لتكثيف تبادل المعلومات، ما يجعل التحرك الحالي امتداداً لمسار سابق من العلاقات المهنية بين المؤسستين.
المغرب يدخل بدوره على خط الشراكات الإعلامية
وفي الاتجاه نفسه، وقّعت مؤسسة «هسبريس» الإعلامية المغربية اتفاقية تعاون وتبادل إعلامي مع وكالة «روسيا سيفودنيا»، على هامش المنتدى الإعلامي الروسي الإفريقي في موسكو.
وتنص الاتفاقية، وفق المعطيات المعلنة، على تبادل المحتوى الإخباري وتطوير مشاريع مشتركة، وتيسير عمل الصحفيين، وإمكانية تنظيم دورات تكوينية للصحفيين والتقنيين، مع التأكيد على الاستقلالية القانونية لكل طرف.
وبموجب الاتفاقية، تتيح المؤسسة الروسية لهسبريس الولوج إلى موادها الإعلامية النصية باللغتين العربية والإنجليزية، فيما توفر المؤسسة المغربية للجانب الروسي إمكانية الاطلاع على محتوياتها الإخبارية المنشورة بالعربية والفرنسية والإنجليزية.
وتعكس هذه الاتفاقية، إلى جانب التحركات المتعلقة بتونس وتوسيع مراكز «سبوتنيك»، اتجاهاً نحو بناء شبكة من العلاقات الإعلامية الروسية مع مؤسسات إفريقية، عبر تبادل المواد الصحفية والتكوين والتغطيات المشتركة.
لكن تقييم هذه الشراكات يظل مرتبطاً بتفاصيل تنفيذها الفعلية، ومدى احترامها للاستقلال التحريري، ووضوح مصادر التمويل، والقدرة على التمييز بين تبادل المحتوى المهني والترويج للمواقف الرسمية للدول.
روسيا في المرتبة 172 عالمياً.. ماذا عن حرية الصحافة؟
تثير هذه التحركات تساؤلات إضافية عند مقارنتها بوضع حرية الصحافة داخل روسيا نفسها. ففي تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لسنة 2026، جاءت روسيا في المرتبة 172 من أصل 180 دولة وإقليماً في مؤشر حرية الصحافة، بعد أن احتلت المرتبة 171 سنة 2025.
ولا يقتصر الأمر على ترتيب دولي متأخر، بل يرتبط أيضاً ببيئة عمل صحفي تواجه قيوداً قانونية وسياسية مشددة، خصوصاً منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. فقد غادر مئات الصحفيين روسيا، وفق تقارير منظمات دولية معنية بحرية الإعلام، فيما يواجه صحفيون مستقلون ملاحقات قضائية وأحكاماً غيابية بسبب عملهم الإعلامي أو مواقفهم من الحرب.
وتقدم حالات بعض الصحفيين الروس صورة عن المخاطر التي طبعت تاريخ المهنة في البلاد. فقد اغتيلت الصحفية الاستقصائية آنا بوليتكوفسكايا بالرصاص في موسكو يوم 7 أكتوبر 2006، بعدما اشتهرت بتحقيقاتها حول انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان. وأُدين عدد من المشاركين في الجريمة، لكن الجهة التي أمرت بالاغتيال لم تُحدّد قضائياً.
وفي يوليو 2004، قُتل بول خليبنيكوف، رئيس تحرير النسخة الروسية من مجلة «فوربس»، بالرصاص في موسكو. وكان قد تناول في عمله ملفات تتعلق بالثروة والنفوذ والجريمة المنظمة، فيما لم تُحسم المسؤولية النهائية عن اغتياله بصورة قاطعة.
أما يوري شيتشكوتشيخين، نائب رئيس تحرير صحيفة «نوفايا غازيتا»، فقد توفي في يوليو 2003 بعد مرض مفاجئ. وأثار موته شبهات لدى أقاربه وزملائه بشأن احتمال تعرضه للتسميم، لكن هذه الشبهات لم تثبت قضائياً، ولذلك لا يصح تقديم وفاته باعتبارها اغتيالاً مؤكداً.
وتستمر المخاطر التي تواجه الصحفيين الروس خارج البلاد أيضاً. فقد وثقت منظمات دولية ملاحقات وأحكاماً غيابية بحق صحفيين غادروا روسيا، في مؤشر على أن مغادرة البلاد لا تنهي بالضرورة الضغوط المرتبطة بعملهم الإعلامي.
ولا تعني هذه الوقائع أن كل تعاون مع مؤسسة إعلامية روسية هو بالضرورة عمل دعائي، كما لا تثبت أن المنصة المقترحة بمشاركة تونس ستُستخدم للتأثير السياسي. لكنها تجعل مسألة استقلالية الصحافة وحرية النقد من أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها قبل إقامة شراكات إعلامية جديدة.
الاقتصاد والموارد الطبيعية والدبلوماسية.. الصورة الأوسع
بحسب ما أوردته «جون أفريك» عن الوثيقتين، تتوزع الاستراتيجية الروسية على أربعة محاور رئيسية.
اقتصادياً، تشير المجلة إلى أن الطموحات المعلنة لا تترافق، في الوثائق التي اطلعت عليها، مع التزامات مالية محددة أو تعهدات ملزمة، في حين تظل الاستثمارات الروسية المباشرة في إفريقيا محدودة مقارنة بإجمالي الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى القارة.
وفي المجال الإعلامي، تتضمن التوجهات المقترحة توسيع شبكة المراسلين، وإنتاج محتويات رقمية مشتركة، وتنظيم زيارات للصحفيين الأفارقة، تحت عنوان مكافحة التضليل الإعلامي. وتثير هذه التوجهات تساؤلات بشأن الضمانات التي ستمنع تحول التعاون إلى أداة للتأثير في التغطيات الصحفية وتوجيه النقاش العام.
أما في مجال الموارد الطبيعية، فتشير المجلة إلى توجه نحو تعزيز الوصول إلى الموارد الإفريقية، وإقامة مناطق صناعية روسية، وتطوير التعاون مع هيئات مرتبطة بقطاع إنتاج الألماس.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تطرح الوثائق، وفق قراءة «جون أفريك»، مسألة سعي موسكو إلى كسب دعم شركائها الأفارقة داخل الأمم المتحدة، في ظل الخلافات الدولية بشأن الحرب في أوكرانيا.
أين تنتهي الشراكة المهنية ويبدأ النفوذ السياسي؟
بالنسبة إلى تونس، لا يكمن السؤال في جدوى التعاون الإعلامي الدولي في حد ذاته، إذ يمكن لتبادل المعلومات والتجارب والتكوين أن يحقق فوائد مهنية حقيقية، وإنما في الضمانات التي تحكم هذه الشراكات.
فإنشاء منصة مشتركة تضم وسائل إعلام من دول متعددة يستوجب، قبل الانتقال إلى التنفيذ، توضيح قواعد الحوكمة والتمويل، وضمان تعددية المحتوى، وحماية استقلالية التحرير، ومنع استخدام المنصة لتمرير مواقف سياسية رسمية تحت غطاء التعاون المهني.
وتزداد أهمية هذه الضمانات عندما يكون أحد الشركاء طرفاً رئيسياً في نزاع دولي، وتكون له مصلحة واضحة في التأثير في صورة سياساته ومواقفه لدى الرأي العام الخارجي.
كما أن ترتيب روسيا المتأخر في حرية الصحافة، إلى جانب تاريخ الاغتيالات والملاحقات التي طالت صحفيين روساً، يجعل من الضروري أن تتضمن أي شراكة إعلامية ضمانات عملية لحرية النقد والتعددية وحق الجمهور في الوصول إلى معلومات مستقلة.
ولا تثبت المعطيات المتاحة أن المبادرة التونسية المقترحة ستتحول إلى أداة للدعاية الروسية، كما لا تكفي اتفاقيات تبادل المحتوى وحدها للحكم على طبيعة الشراكات المعلنة. غير أن جمع هذه التحركات في سياق واحد، بالتزامن مع القمة الروسية الإفريقية، يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت موسكو تبني، إلى جانب علاقاتها السياسية والاقتصادية، شبكة إعلامية أوسع لتعزيز حضورها والتأثير في النقاش العام داخل القارة.
المسألة الحاسمة لن تكون عدد المراكز التحريرية أو الاتفاقيات الموقعة، بل مدى قدرة المؤسسات الإفريقية المشاركة على الاحتفاظ باستقلالها التحريري، وتقديم تغطية متعددة المصادر، بعيداً عن أي اصطفاف سياسي مفروض.