لا تقتصر أزمة المحروقات في تونس على تراجع الإنتاج وارتفاع العجز الطاقي، بل تمتد أيضاً إلى وضعية امتيازات الاستغلال التي دخل بعضها مرحلة التوقف، فيما تواجه امتيازات أخرى خطر انتهاء صلاحيتها خلال السنوات الخمس المقبلة، رغم أن مواصلة استغلالها قد تظل مجدية اقتصادياً.
وتكشف معطيات التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الصادر عن الجمعية التونسية للبترول والغاز في سبتمبر 2026، عن خريطة معقدة لقطاع الاستكشاف والإنتاج، تضم امتيازات منتجة وأخرى لم تدخل بعد مرحلة التطوير، إلى جانب حقول متوقفة منذ سنوات وملفات لا تزال تنتظر استكمال الإجراءات القانونية.
ووفق التقرير، بلغ عدد امتيازات استغلال المحروقات السارية في تونس 57 امتيازاً إلى غاية 31 ديسمبر 2025، من بينها 44 امتيازاً في مرحلة الإنتاج، في حين لم تدخل خمسة امتيازات مرحلة التطوير بعد، بينما توقفت أنشطة ثمانية امتيازات، بعضها منذ سنوات.
والأكثر لفتاً للانتباه أن التقرير يحذر من أن نحو عشرة امتيازات ستبلغ نهاية صلاحيتها خلال السنوات الخمس المقبلة، مع احتمال إعادتها، رغم أن مواصلة استغلالها قد تكون جديرة بالدراسة.
عشرة امتيازات أمام اختبار السنوات الخمس المقبلة
يمثل اقتراب انتهاء صلاحية عدد من الامتيازات تحدياً إضافياً لقطاع المحروقات، خصوصاً في ظل التراجع المتواصل للإنتاج الوطني والحاجة إلى المحافظة على الحقول القادرة على توفير كميات إضافية من النفط والغاز.
ويشير التقرير إلى أن نحو عشرة امتيازات ستصل إلى نهاية صلاحيتها خلال السنوات الخمس المقبلة، وقد تُعاد، رغم أن استغلالها قد يستحق المواصلة.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الامتيازات ستتوقف حتماً أو أن تجديدها مضمون، بل إن مصيرها سيظل مرتبطاً بوضعيتها الفنية والاقتصادية والإجراءات القانونية ذات الصلة.
لكن هذه المعطيات تطرح سؤالاً حول مدى استعداد السلطات والجهات المشغلة لحسم ملفات التجديد والتطوير في الوقت المناسب، تفادياً لخسارة إنتاج يمكن أن تساهم الحقول القائمة في توفيره.
44 امتيازاً منتجاً و8 امتيازات متوقفة
وفق التقرير، منحت تونس منذ سنة 1960 ما مجموعه 65 امتيازاً لاستغلال المحروقات، أُعيد منها تسعة، من بينها أربعة أُعيدت بعد التخلي عنها فنياً.
وفي نهاية سنة 2025، بلغ عدد الامتيازات السارية 57 امتيازاً، تتوزع بين 44 امتيازاً منتجاً، وخمسة لم يقع تطويرها بعد، وثمانية متوقفة.
وتبرز هذه الأرقام أن وجود امتياز استغلال ساري المفعول لا يعني بالضرورة أن الحقل ينتج فعلياً، إذ تتفاوت وضعيات الامتيازات بين الإنتاج والتطوير والتوقف، كما تختلف أسباب التأخير أو التوقف من حالة إلى أخرى.
ومن بين الامتيازات التي أشار إليها التقرير، امتياز «زارات»، الذي لم يدخل بعد مرحلة التطوير، إلى جانب ثلاثة امتيازات هي «أشتارت» و«رهمورة» و«قرقنة»، تنتظر الموافقة على الاتفاقية الخاصة وملاحقها.
كما أشار التقرير إلى أن امتياز «سيدي الكيلاني» جُدد وأُسند بالكامل إلى المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية لمدة عشرين عاماً، ابتداءً من 25 ديسمبر 2022.
لا عمليات حفر استكشافية جديدة خلال 2025
في جانب الاستكشاف، تكشف الأرقام عن محدودية النشاط خلال السنة الماضية.
فحتى 31 ديسمبر 2025، كانت تونس تضم 11 رخصة بحث ورخصة استكشاف واحدة في المجال البحري بمنطقة الشابة، في وضعية سريان، وفق تصنيف التقرير.
ومن بين هذه الرخص، كانت رخصتان، هما «جلمة» و«الشابة البحرية»، مسجلتين ضمن حالات القوة القاهرة، فيما ظلت رخصتا «المهدية» و«شعال» في انتظار التجديد منذ سنتي 2022 و2021 على التوالي.
كما انتهت صلاحية ثلاث رخص بحث خلال سنة 2025، هي «المهدية» في 19 جانفي، و«برج الخضراء» في 7 جويلية، و«زارات» في 11 أوت.
أما على مستوى الحفر، فلم تُطلق أي عملية حفر استكشافية جديدة خلال سنة 2025، وهو معطى يكتسب أهمية في بلد يحتاج إلى اكتشافات جديدة لتعويض التراجع الطبيعي لإنتاج الحقول القائمة.
ولا يعني غياب الحفر الاستكشافي خلال سنة واحدة انعدام الإمكانات النفطية، لكنه يبرز محدودية الجهد الاستكشافي المسجل خلال الفترة المعنية، ويعيد طرح مسألة الاستثمار في البحث عن موارد جديدة.
امتيازان جديدان وسط تراجع الإنتاج
شهدت سنة 2025 منح امتيازين جديدين لاستغلال المحروقات، هما «عزيزة» و«صباح»، وفق التقرير.
كما تضمنت القرارات المنشورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية خلال السنة نفسها إجراءات تتعلق بامتيازات أخرى، من بينها الترخيص في الإحالة الكلية للحقوق والالتزامات في امتيازات «بشرى» و«عبير» و«آدم»، وتمديد صلاحية التجديد الثاني لرخصة البحث «زعفران» وإحداث امتياز استغلال «صباح».
وصدر كذلك قرار بإحداث امتياز استغلال «عزيزة» في 7 جويلية 2025.
وتعكس هذه الإجراءات استمرار إعادة ترتيب بعض الملفات القانونية والتعاقدية في القطاع، غير أن منح امتياز جديد أو نقل الحقوق والالتزامات لا يعني بالضرورة انطلاق الإنتاج فوراً، إذ يتوقف ذلك على طبيعة الحقل ومستوى تطويره والالتزامات الفنية والاستثمارية المرتبطة به.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى وجود امتياز جديد منبثق عن رخصة «برج الخضراء» لا يزال في انتظار الإسناد منذ سنة 2023.
الإنتاج يتراجع رغم وجود امتيازات قائمة
تأتي هذه التطورات في سياق تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات.
فقد بلغ الإنتاج خلال سنة 2025 نحو 2.37 مليون طن مكافئ نفط وفق الملخص العام للتقرير، بانخفاض نسبته 14% مقارنة بسنة 2024.
وتظهر البيانات التفصيلية الواردة في التقرير تراجع إنتاج النفط الخام من 1.394 مليون طن سنة 2024 إلى 1.218 مليون طن سنة 2025، أي بنسبة 13%، كما انخفض إنتاج المكثفات بنسبة 5%، وإنتاج الغاز التجاري الجاف بنسبة 8%.
وتؤكد هذه المؤشرات أن التحدي لا يتمثل فقط في عدد الامتيازات والرخص، بل في قدرتها الفعلية على إنتاج النفط والغاز، وفي مدى تقدم تطوير الحقول غير المستغلة أو المتوقفة.
ملاحظة: يورد التقرير في ملخصه العام إنتاجاً إجمالياً قدره 2.37 مليون طن مكافئ نفط، بينما يظهر الجدول التفصيلي رقماً إجمالياً قدره 2.751 مليون طن مكافئ نفط لسنة 2025، وهو اختلاف يستوجب مراجعة الجدول الأصلي ووحدات القياس قبل اعتماد الرقم التفصيلي في أي مقارنة حسابية.
السؤال الذي تطرحه خريطة الامتيازات
تكشف معطيات سنة 2025 عن ملف يتجاوز مجرد تراجع الإنتاج: امتيازات منتجة، وأخرى متوقفة، وحقول لم تدخل بعد مرحلة التطوير، ورخص بحث انتهت صلاحيتها أو تنتظر التجديد، فضلاً عن نحو عشرة امتيازات يُتوقع أن تبلغ نهاية صلاحيتها خلال السنوات الخمس المقبلة.
وفي ظل تراجع الإنتاج وارتفاع العجز الطاقي، تبرز أهمية حسم الملفات العالقة، وتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية للامتيازات المتوقفة، وتسريع تطوير الحقول القابلة للاستغلال، بالتوازي مع استعادة نشاط الاستكشاف.
فالتحدي بالنسبة إلى تونس لا يرتبط فقط بما يمكن أن تحتويه الأرض من موارد، بل أيضاً بكيفية إدارة الامتيازات القائمة، وتجديد ما يستحق التجديد منها، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى إنتاج فعلي يخفف الاعتماد على الواردات.
المصدر: التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الجمعية التونسية للبترول والغاز، سبتمبر 2026.



