لم تعد صورة العامل المهاجر في الحقول الإيطالية مرتبطة فقط بالأجور المتدنية وظروف العمل القاسية. تقرير حديث صادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية يكشف عن منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع الزراعة والتوظيف والنقل والسكن وحتى سلاسل توريد الغذاء، وتحقق، وفق التقرير، أرباحاً تقدر بنحو 25 مليار يورو سنوياً.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الملف يستحق التوقف عنده. فالتونسيون من الجنسيات الأجنبية الموجودة منذ سنوات في سوق العمل الزراعي الإيطالي، ما يجعل السؤال مشروعاً: هل وقع عمال تونسيون أيضاً ضحايا لهذه المنظومة؟
من الحقول إلى «المافيا الزراعية»
التقرير، الذي يحمل عنوان «الاستغلال تحت شعار صُنع في إيطاليا: كيف أصبحت الجريمة المنظمة جزءاً متجذراً في القطاع الزراعي الإيطالي»، يرسم صورة مختلفة عن الجريمة المنظمة التقليدية.
فما يسمى في إيطاليا «الكابورالاتو» يقوم على شبكة من الوسطاء غير القانونيين الذين يتولون توفير العمال للمزارع، ثم يتحكمون في جانب كبير من حياتهم العملية.
وقد يبدأ الأمر بالعثور على فرصة عمل، لكنه يمكن أن ينتهي بسيطرة الوسيط على النقل والسكن والأجر وحتى الوثائق اللازمة للعمل.
ولا تتوقف الأرباح عند استغلال العمال، إذ يتحدث التقرير عن شبكة تمتد إلى تزوير الأغذية، والتلاعب بالأسعار، وسرقة الأراضي، واختلاس الأموال العامة والابتزاز.
بمعنى آخر، نحن أمام منظومة إجرامية تتسلل إلى مراحل متعددة من سلسلة الإنتاج الزراعي، وليس مجرد تجاوزات فردية يرتكبها بعض أصحاب المزارع.
آلاف اليوروهات مقابل «عقد» قد لا يكون موجوداً
أحد أخطر أبواب هذه المنظومة يبدأ خارج إيطاليا.
فشبكات السماسرة تتواصل، وفق التقرير، مع عمال محتملين في دول مثل المغرب وباكستان والهند وبنغلاديش، وتعرض عليهم فرص عمل في إيطاليا عبر نظام «مرسوم التدفقات» ، وهو النظام الذي يحدد حصص دخول العمال من خارج الاتحاد الأوروبي.
المشكلة أن بعض الوعود تكون كاذبة.
العامل قد يدفع آلاف اليوروهات، وقد يستدين لتوفير المبلغ، ثم يصل إلى إيطاليا ليكتشف أن الشركة التي يفترض أن تشغله غير موجودة، أو اختفت، أو لم تكن تنوي تشغيله أصلاً.
وهنا يتحول المهاجر إلى شخص مثقل بالدين، لا يملك المال ولا العمل ولا القدرة على العودة بسهولة إلى بلده.
وماذا عن التونسيين؟
هذه هي النقطة التي تهم القارئ التونسي أكثر من غيرها.
التقرير لا يقول إن التونسيين يشكلون الفئة الرئيسية التي تستهدفها هذه الشبكات، ولا يثبت بمفرده وجود شبكة إيطالية تستهدف العمال التونسيين تحديداً.
لكن ذلك لا يعني أن التونسيين خارج دائرة الخطر.
فالتونسيون يمثلون إحدى الجاليات الأجنبية الموجودة في سوق العمل الإيطالي، كما أن العمال التونسيين موجودون في قطاعات مرتبطة بالزراعة والعمل الموسمي.
وهذا يجعل الآلية التي يصفها التقرير قابلة للتطبيق عليهم متى دخل العامل إلى إيطاليا عبر عقد وهمي أو وسيط غير قانوني أو شبكة تستغل حاجته إلى العمل.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: كم تونسياً يعمل في الزراعة الإيطالية؟
بل السؤال الأكثر حساسية:
كم تونسياً دفع أموالاً في تونس للحصول على عقد عمل في إيطاليا ثم اكتشف أن العقد وهمي أو أن شروط العمل مختلفة تماماً عما وعده به الوسيط؟
هذا الجانب يحتاج إلى بحث مستقل في تونس وإيطاليا، لأن التقرير الدولي وحده لا يقدم رقماً خاصاً بالتونسيين.
عندما يصبح العامل أسيراً للوسيط
بعد الوصول إلى إيطاليا، يمكن أن تبدأ مرحلة ثانية من الاستغلال.
العامل الذي لا يعرف اللغة ولا يملك شبكة اجتماعية ولا يملك المال للبحث عن سكن أو عمل آخر، يصبح أكثر اعتماداً على الوسيط.
والوسيط قد يتولى نقله إلى الحقول، لكنه يتقاضى مبالغ مرتفعة مقابل النقل.
وقد يوفر له سكناً في تجمعات عشوائية مقابل مبالغ مرتفعة، أو يتحكم في الوصول إلى العمل نفسه.
وفي بعض الحالات التي يصفها التقرير، يمكن أن يجد العامل نفسه محروماً حتى من أبسط الضروريات، مثل الطعام والماء.
الأخطر أن وجود عقد رسمي لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة.
فبعض العمال يمكن أن يعملوا ساعات أطول بكثير من تلك المصرح بها رسمياً، بينما يتم دفع الجزء المتبقي من الأجر «تحت الطاولة»، بما يحرم العامل من حقوق اجتماعية وتقاعدية مرتبطة بساعات العمل الحقيقية.
25 مليار يورو.. من أين تأتي الأرباح؟
تكمن خطورة «المافيا الزراعية» في أنها لا تعتمد على مصدر واحد للدخل.
فوفق التقرير، تتوزع الأنشطة غير القانونية على مراحل متعددة من القطاع الزراعي وسلسلة الغذاء، من الأراضي والإنتاج إلى العمالة والنقل والتوزيع.
وهذا يفسر الرقم الضخم الذي يورده التقرير: نحو 25 مليار يورو سنوياً.
أي أن استغلال العامل ليس سوى جزء من اقتصاد إجرامي أكبر.
والعامل المهاجر يصبح الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، لأنه يحتاج إلى العمل، وغالباً ما يكون مستعداً لقبول شروط لا يقبلها العامل المحلي.
لماذا يستمر «الكابورالاتو»؟
يشير التقرير إلى خلل أساسي: الطلب على العمالة الزراعية يتجاوز في أحيان كثيرة الحصص الرسمية للهجرة.
ومع وجود أعداد محددة سنوياً للعمال القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، تظهر مساحة واسعة أمام الوسطاء والشبكات غير القانونية.
فكلما كان الوصول القانوني إلى العمل أكثر تعقيداً، ازدادت قيمة الوسيط الذي يقول للمهاجر: «أستطيع أن أدخل لك إلى إيطاليا وأوفر لك عقداً».
وهنا تتحول الحاجة إلى العمل إلى سلعة تباع بمبالغ كبيرة.
وقد أشار التقرير إلى قضية فككت فيها السلطات الإيطالية سنة 2024 شبكة أجبرت مهاجرين على دفع مبالغ تصل إلى 2000 يورو للحصول على فرص عمل، قبل أن يكتشف بعضهم أن الشركات الكافلة اختفت أو لم تكن لديها نية حقيقية في تشغيلهم.
مأساة أعادت الملف إلى الواجهة
عاد ملف «المافيا الزراعية» إلى الواجهة بقوة بعد مقتل أربعة عمال زراعيين مهاجرين حرقاً داخل سيارة في محطة وقود في كالابريا، جنوبي إيطاليا، في أوائل يونيو/حزيران الماضي، إثر خلاف قيل إنه مرتبط بأجور غير مدفوعة.
الحادثة أعادت التذكير بأن الحديث لا يتعلق فقط بمخالفات قانونية أو أجور متدنية، وإنما ببيئة يمكن أن تصبح فيها حياة العمال المهاجرين نفسها معرضة للخطر.
«صُنع في إيطاليا».. ماذا وراء العبارة؟
المفارقة التي يطرحها التقرير هي أن المستهلك يرى في النهاية منتجاً يحمل علامة صنع في ايطاليا، لكنه لا يرى بالضرورة الأشخاص الذين أنتجوه والظروف التي عملوا فيها.
قد يكون المنتج الزراعي مر عبر سلسلة طويلة تبدأ بعامل مهاجر في أحد الحقول، ثم وسيط، ثم شركة نقل، ثم مصنع أو موزع، وصولاً إلى رف متجر في إيطاليا أو في بلد أوروبي آخر.
وهنا تصبح قضية «المافيا الزراعية» قضية تتعلق أيضاً بشفافية سلسلة الغذاء بأكملها.
فإذا كان الاستغلال يحدث في بداية السلسلة، فإن المنتج النهائي قد يصل إلى المستهلك دون أن يعرف شيئاً عن الظروف التي أنتج فيها.
أوروبا أمام مشكلة أكبر من «الاتجار بالبشر»
يرى التقرير أن إحدى نقاط الضعف في السياسات الأوروبية تتمثل في التعامل مع الملفات بصورة منفصلة.
الاتجار بالبشر ملف، والاستغلال العمالي ملف آخر، والاحتيال ملف ثالث، والجريمة المنظمة ملف رابع.
لكن الواقع، وفق التقرير، أكثر ترابطاً.
فالشبكة نفسها قد تبدأ بوسيط يستقطب عاملاً من الخارج، ثم توفر له عقداً أو وثائق، وتنقله إلى المزرعة، وتتحكم في سكنه وأجره، قبل أن تدخل المنتجات الزراعية في سلسلة توريد واسعة.
لذلك يدعو التقرير الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع «المافيا الزراعية» كتهديد مستقل من تهديدات الجريمة المنظمة، مع تعزيز الرقابة على سلسلة إنتاج الغذاء بأكملها.
ماذا يعني ذلك لتونس؟
بالنسبة إلى تونس، المسألة تتجاوز متابعة ما يحدث في إيطاليا.
فإذا كان آلاف التونسيين يتطلعون إلى فرص العمل في أوروبا، فإن أي سوق يفتح أبوابه أمام العمال التونسيين يمكن أن يصبح أيضاً سوقاً للسماسرة والمحتالين.
ولهذا فإن الرسالة الأهم ليست منع التونسيين من العمل في إيطاليا، وإنما حماية الراغبين في الهجرة القانونية من الوقوع في سوق سوداء لبيع العقود.
فالخطر يبدأ أحياناً قبل مغادرة تونس: وسيط، إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي، وعد بعقد فلاحي، ثم طلب مبلغ مالي كبير.
وبمجرد دفع المال، يصبح العامل أسيراً للصفقة.



