ذروة الصيف، ومع بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية، تحولت قارورة المياه المعدنية في تونس من مادة استهلاكية أساسية إلى سلعة يبحث عنها المواطن من محل إلى آخر. وبينما تفسر الجهات المهنية جانباً من النقص بالارتفاع الاستثنائي في الطلب، تكشف عمليات الرقابة عن عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تخزين كميات من المياه خارج المسالك القانونية والمضاربة بها ورفع أسعارها.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن أزمة المياه المعلبة هذا الصيف لا يمكن اختزالها في عامل واحد، إذ تتداخل فيها موجة الحر، والارتفاع القياسي للاستهلاك، وتحديات الإنتاج والتوزيع، إلى جانب ممارسات احتكارية ومضاربية رصدتها أجهزة الرقابة في عدد من الجهات.
10 ملايين لتر يومياً.. تونس تستهلك المياه بأقصى سرعة
وتعطي أرقام الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه فكرة عن حجم الضغط الذي يعيشه سوق المياه المعلبة خلال ذروة الصيف.
فقد أكدت مسؤولة الاتصال بالديوان، مفيدة بن نصر، أن الاستهلاك اليومي للمياه المعلبة يرتفع خلال ذروة الصيف إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 10 ملايين لتر يومياً.
ويمثل هذا الرقم قفزة كبيرة في الطلب مقارنة بالفترات العادية، وهو ما يفسر جزءاً من الصعوبات التي تظهر في مسالك التوزيع عندما تتزامن موجات الحرارة الشديدة مع ارتفاع مفاجئ في الاستهلاك.
كما تشير معطيات القطاع إلى وجود 31 وحدة لتعليب المياه في تونس، تعمل بطاقة إنتاج إجمالية تناهز 520 ألف قارورة في الساعة، بما يعكس حجم القدرات الإنتاجية التي وضعت لتلبية الطلب المتزايد.
لكن ارتفاع القدرة الإنتاجية لا يعني بالضرورة أن المياه تصل بالسرعة نفسها إلى جميع المناطق، إذ تبقى حلقات النقل والتوزيع والتخزين عاملاً حاسماً في تحديد مدى توفرها لدى المستهلك.
أكثر من 346 ألف لتر خارج السوق
في المقابل، تكشف حصيلة عمليات المراقبة منذ بداية شهر أوت إلى غاية 26 أوت عن حجز نحو 346 ألف لتر من المياه المعلبة في عدد من الولايات، خلال حملات استهدفت مسالك التوزيع بالجملة والتفصيل والمخازن العشوائية ونقاط البيع.
وكانت ولاية نابل من أبرز بؤر التدخل الرقابي، حيث تمكنت مصالح المراقبة الاقتصادية بالتنسيق مع الوحدات الأمنية من حجز 25 ألف لتر من المياه المعدنية خلال مداهمات شملت نابل والحمامات وبني خلاد.
وأوضحت المديرة الجهوية للتجارة بنابل، سهام المبروك، أن الكميات المحجوزة ضُبطت في مسالك توزيع بالجملة والتفصيل، إضافة إلى مقاه وأكشاك، في إطار مخالفات شملت عدم احترام هوامش الربح القانونية والامتناع عن البيع بين المهنيين بما يساهم في خلق ندرة مصطنعة.
ولم تكن نابل الحالة الوحيدة.
ففي منوبة، تم حجز 14 ألفاً و112 قارورة داخل مستودع عشوائي أقيم في منزل سكني، بينما كشفت عمليات المراقبة في الوسلاتية وسد نبهانة من ولاية القيروان عن احتكار أكثر من 80 ألف قارورة كانت مخزنة بغرض المضاربة.
وفي العمران الأعلى بالعاصمة، تم إيقاف صاحب مخزن عشوائي بعد ضبط 4300 قارورة، حيث أظهرت المعاينات أن الكمية كانت مخزنة بهدف التحكم في السوق ورفع الأسعار.
346 ألف لتر.. 3.46% من استهلاك يوم واحد
لكن ماذا تعني هذه الكمية مقارنة بحجم الاستهلاك الوطني؟
إذا كان استهلاك تونس في ذروة الصيف يبلغ نحو 10 ملايين لتر يومياً، فإن مجموع المحجوزات المقدرة بـ346 ألف لتر يعادل حوالي 3.46% من الاستهلاك الوطني ليوم واحد.
وهذه النسبة مهمة لأنها تضع الأزمة في حجمها الحقيقي.
فالكميات المحجوزة، رغم أنها كبيرة من الناحية التجارية، لا تكفي وحدها لتفسير نقص وطني شامل في المياه المعلبة. لكنها تصبح أكثر تأثيراً عندما تكون مركزة في مناطق محددة، وفي توقيت يشهد ارتفاعاً استثنائياً في الطلب.
فحجز عشرات الآلاف من القوارير في منطقة واحدة يمكن أن يؤدي إلى نقص محلي، يدفع المواطنين إلى البحث عن المياه في مناطق أخرى أو شراء كميات أكبر تحسباً لانقطاعها، وهو ما يرفع الطلب ويخلق بدوره ضغطاً إضافياً على مسالك التوزيع.
وهكذا يمكن للمضاربة أن لا تكون السبب الوحيد للأزمة، لكنها قادرة على تضخيم نقص ظرفي وتحويله إلى أزمة محسوسة لدى المستهلك.
من الاحتكار إلى البيع المشروط
ولا تقتصر الممارسات المخالفة على التخزين.
فقد تحدث أصحاب محلات تفصيل عن لجوء بعض تجار الجملة والموزعين إلى ما يعرف بـالبيع المشروط، حيث يجد صاحب المحل نفسه مضطراً إلى شراء سلع أخرى مقابل الحصول على كميات محدودة من المياه المعدنية.
وتزيد هذه الممارسات من صعوبة حصول المحلات الصغيرة على حاجياتها، خصوصاً خلال فترات الذروة، كما يمكن أن تنعكس على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
وتكثف وزارة التجارة وتنمية الصادرات، بالتنسيق مع المصالح الجهوية للتجارة والوحدات الأمنية، عمليات المراقبة لمواجهة هذه التجاوزات، خاصة ما يتعلق بالمضاربة والاحتكار وعدم احترام هوامش الربح القانونية.
الغرفة المهنية: الحرارة رفعت الطلب إلى مستويات استثنائية
في المقابل، ترى الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية أن النقص المسجل ظرفي ولا يعكس أزمة هيكلية في قطاع إنتاج المياه.
وتربط الغرفة جانباً أساسياً من الصعوبات بالارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، الذي دفع الاستهلاك إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع انقطاعات في التيار الكهربائي أثرت مؤقتاً على نشاط بعض وحدات الإنتاج، خصوصاً في المناطق الداخلية.
وتؤكد الغرفة أن وحدات الإنتاج تعمل على رفع نسق التعبئة وضخ كميات إضافية في السوق بالتنسيق مع وزارة التجارة، بهدف الاستجابة للطلب المتزايد.
وتنسجم هذه المعطيات مع أرقام الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه التي تؤكد أن الطلب بلغ خلال ذروة الصيف نحو 10 ملايين لتر يومياً، في وقت تعمل فيه وحدات التعليب بطاقة مرتفعة لتأمين حاجيات السوق.
أزمة إنتاج أم أزمة توزيع؟
تظهر الصورة الكاملة أن أزمة المياه المعدنية في تونس هذا الصيف نتجت عن تزامن عدة عوامل في الوقت نفسه.
فمن جهة، أدت درجات الحرارة القياسية إلى دفع الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة، ومن جهة ثانية، واجهت بعض وحدات الإنتاج اضطرابات مرتبطة بالكهرباء، بينما كشفت حملات الرقابة عن كميات كبيرة من المياه جرى تخزينها خارج المسالك القانونية وممارسات مضاربة وبيع مشروط.
وبذلك، لا تبدو المشكلة مجرد نقص في الإنتاج، كما أنها لا يمكن تحميلها بالكامل للمضاربين.
المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين حجم الطلب القياسي وقدرة مسالك الإنتاج والتوزيع على إيصال المياه بالسرعة نفسها إلى مختلف المناطق، وهي فجوة يمكن أن تتسع أكثر عندما تدخل المضاربة والاحتكار على الخط.
وفي بلد يبلغ فيه استهلاك المياه المعلبة في ذروة الصيف نحو 10 ملايين لتر يومياً، تصبح حتى الاضطرابات المحلية في التزويد كفيلة بإثارة حالة من القلق لدى المستهلكين، خصوصاً عندما تتزامن مع موجات حرارة شديدة.
أما عودة السوق إلى الاستقرار، فتظل مرتبطة بعاملين متوازيين: استمرار الإنتاج المرتفع وضمان توزيع الكميات على مختلف المناطق، وفي الوقت نفسه تشديد الرقابة لمنع تحويل الندرة الظرفية إلى فرصة للمضاربة ورفع الأسعار.
