أعاد النائب السابق مجدي الكرباعي، في مداخلة إذاعية يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، ملف النفايات الإيطالية إلى الواجهة، مؤكداً أن مصير نحو 1900 طن بقيت في تونس لا يزال مجهولاً، وأن هذه الكميات لم تعد موجودة في مخازن الشركة التي استوردتها. كما أثار تساؤلات بشأن غياب المتابعة الرسمية لمصيرها.
لكن خلف هذه الكميات التي لم يُحسم مصيرها، تكشف وثيقة برلمانية إيطالية تفاصيل مالية وتقنية أكثر عمقاً عن الصفقة التي فجّرت واحدة من أكبر القضايا البيئية في تونس خلال السنوات الأخيرة.
ففي تقريرها النهائي المصادق عليه يوم 15 سبتمبر 2022، تناولت اللجنة البرلمانية الإيطالية المكلفة بالتحقيق في الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بدورة النفايات والجرائم البيئية، ظروف تصدير النفايات الإيطالية إلى تونس، وقدمت معطيات عن الكلفة الاقتصادية للعملية، وقدرة الشركة التونسية المستوردة على معالجة تلك النفايات.
ومن أبرز الأرقام التي أوردها التقرير أن التخلص من طن واحد من هذه النفايات داخل إيطاليا كان يكلف الشركة الإيطالية نحو 205 يورو، في حين حُدد المقابل الذي تدفعه الشركة التونسية في حدود 48 يورو للطن، بينما كانت كلفة التخلص منها في مصب عمومي بتونس مقدرة بنحو 6 يورو للطن.
وتكشف هذه الأرقام عن فارق مالي كبير بين كلفة التخلص من النفايات في إيطاليا وتكلفة نقلها إلى تونس، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الدافع الاقتصادي وراء تصديرها، والجهة التي استفادت من هذا الفارق.
فوفق المعطيات الواردة في التقرير، كانت الشركة الإيطالية قادرة على التخلص من النفايات داخل أراضيها مقابل 205 يورو للطن، لكنها اختارت نقلها إلى تونس مقابل 48 يورو، حيث كان من المفترض أن تتولى الشركة التونسية التصرف فيها بكلفة لا تتجاوز 6 يورو للطن.
ولا يتعلق الأمر بمجرد فارق في أسعار النقل والمعالجة، بل بنموذج اقتصادي يستحق التدقيق، خصوصاً أن التقرير البرلماني الإيطالي تناول أيضاً طبيعة النفايات ومدى قدرة المنشأة التونسية على التعامل معها.
سوربلاست لم تكن تملك التجهيزات اللازمة
من بين أبرز ما خلص إليه التقرير أن شركة «سوربلاست» التونسية لم تكن تمتلك، وفق تقييم اللجنة، التجهيزات الضرورية لمعالجة هذه النفايات واسترجاع المواد القابلة للتدوير.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة عند ربطها بطبيعة النفايات موضوع الصفقة، التي حملت الرمز الأوروبي 19.12.12، وهو تصنيف يشير إلى مخلفات ناتجة عن المعالجة الميكانيكية للنفايات، لا تدخل ضمن الأصناف القابلة للاسترجاع بسهولة.
وذهبت اللجنة الإيطالية إلى أن هذه النفايات لم تكن تحتوي على مكونات قابلة للاسترجاع وفق المعطيات التي درستها، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول الأساس الذي بُني عليه تقديم العملية باعتبارها تصديراً لمواد يمكن تثمينها وإعادة تدويرها.
وكانت هذه النقطة قد ظهرت أيضاً في تحقيقات صحفية تونسية سابقة، كما تناولتها تقارير رقابية تونسية، ما يجعل التقرير الإيطالي إضافة مهمة إلى ملف سبق أن كشفت بعض تفاصيله وسائل إعلام محلية.
التراخيص والوثائق تحت مجهر اللجنة الإيطالية
لم تقتصر ملاحظات اللجنة البرلمانية الإيطالية على الجانب التقني والمالي، بل تناولت كذلك ظروف الحصول على التراخيص والوثائق المرتبطة بالعملية.
وتحدث التقرير عن معلومات غير صحيحة قُدمت بشأن الجهة التونسية المختصة بمنح التراخيص، وعن وثائق ترخيص اعتبرها غير صحيحة، فضلاً عن غياب التجهيزات الضرورية لدى المنشأة التي كان يفترض أن تتولى معالجة النفايات.
كما أورد التقرير شبهات تتعلق بأدوار محتملة لبعض الأطراف التونسية، من بينها موظفون في الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات والقنصلية التونسية في نابولي.
وتبقى هذه المعطيات استنتاجات وشبهات واردة في تقرير لجنة تحقيق برلمانية إيطالية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية تثبت مسؤولية الأشخاص الذين وردت أدوارهم في التقرير.
من الصفقة إلى سؤال مصير النفايات
تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها لا تكتفي بتناول ظروف تصدير النفايات، بل تضع أمام الرأي العام معطيات مالية وتقنية تساعد على فهم طبيعة العملية، والأسباب التي جعلت نقل هذه المخلفات إلى تونس خياراً اقتصادياً بالنسبة إلى الشركة الإيطالية.
لكن السؤال الذي عاد مجدداً مع تصريحات مجدي الكرباعي في أكتوبر 2026 يتعلق بما حدث بعد ذلك.
فبعد إعادة جزء كبير من الشحنات إلى إيطاليا، ظل مصير الكميات المتبقية موضع جدل. وإذا كانت التصريحات السابقة لمسؤولين تونسيين قد تحدثت عن حرق جزء منها، فإن تحديد الكميات التي تعرضت للحرق، ومواقع التخلص منها، ومدى تأثير ذلك على البيئة، يظل بحاجة إلى وثائق رسمية وتحاليل بيئية واضحة.
وتطرح المقارنة بين الأرقام الواردة في التقرير الإيطالي وتصريحات المسؤولين التونسيين سؤالاً آخر: كيف أمكن إبرام صفقة لتصدير نفايات لم تكن المنشأة المستقبلة تملك التجهيزات الضرورية لمعالجتها، وما الجهات التي راقبت تنفيذ الاتفاق؟
وبعد مرور نحو ست سنوات على تفجر القضية، لا يتعلق الأمر فقط بمعرفة مصير 1900 طن من النفايات، بل أيضاً بكشف كامل سلسلة القرارات والتراخيص والتحويلات المالية التي جعلت تونس وجهة لهذه الشحنات.
فالأرقام الواردة في التقرير البرلماني الإيطالي تفتح نافذة جديدة على الجانب الاقتصادي للفضيحة، بينما تظل مسؤولية المؤسسات التونسية في الرقابة والمتابعة، ومصير النفايات التي لم تعد إلى إيطاليا، من أبرز الأسئلة التي تنتظر إجابات موثقة.
