بعد أكثر من عقد على إنشاء شركة مترو صفاقس، وبعد مواعيد سابقة لانطلاق الأشغال ودخول الخط الأول حيز الاستغلال، يعود المشروع في أوت 2026 إلى محطة الدراسات من جديد. فاليوم 17 أوت تنتهي آجال تقديم الترشحات لمكاتب الدراسات التي ستتولى إنجاز الدراسات الفنية والمالية للمرحلة الأولى من الخط تي1، في إطار مهمة ممولة من البنك الإفريقي للتنمية.
المفارقة أن ما كان يفترض أن يكون مشروعاً للنقل الحضري دخل منذ سنوات في حلقة متكررة من الدراسات والمراجعات والبحث عن التمويل. والجديد هذه المرة أن البنك الإفريقي للتنمية لا يبحث عن شركة لبناء المترو، بل عن مكتب هندسي واستشاري يعيد تقييم المشروع فنياً واقتصادياً ومالياً، ويهيئه للمرور إلى مرحلة الشراكة مع مستثمر خاص.
17 … موعد جديد في قصة قديمة
وفق الإعلان الرسمي للبنك الإفريقي للتنمية، الذي نشر في 22 جويلية 2026، فإن آخر أجل لتقديم الترشحات هو 17 أوت 2026.
المهمة ليست بسيطة، ومدتها المتوقعة بين 10 و12 شهراً. وهي تشمل تحديث دراسات النقل والطلب الحالي والمستقبلي، وإعادة تقييم المردودية الاقتصادية للمشروع، ودراسة قدرته على التحمل المالي بالنسبة إلى الدولة، ثم اقتراح أفضل صيغة للشراكة بين القطاعين العام والخاص وآلية التمويل المناسبة.
بعبارة أخرى، المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة بناء الخط.
بل إن السؤال المطروح الآن هو: ما الشكل الذي يجب أن يكون عليه المشروع حتى يصبح قابلاً للتمويل والتنفيذ والاستثمار؟
لماذا نعود إلى الدراسات بعد كل هذه السنوات؟
هنا تكمن أهم نقطة في الحكاية.
مشروع مترو صفاقس ليس مشروعاً جديداً. فقد أنشئت شركة مترو صفاقس سنة 2015، وكان الهدف أن تكون الآلية العمومية المكلفة بتطوير شبكة النقل الجماعي في المدينة وضواحيها وإنجاز مشروع المترو.
وفي 2019، كانت التوقعات الرسمية تتحدث عن خط تي1 بطول حوالي 13.5 كيلومتراً بين المطار وشيحية، على أن تبدأ الأشغال سنة 2020 وأن يصبح الخط قابلاً للاستغلال سنة 2022، بكلفة قدرت آنذاك بحوالي 700 مليون دينار.
لكن 2020 جاء ومرّ، ثم 2021 و2022 و2023 و2024 و2025، ولم يظهر المترو.
وفي جوان 2022، كان قد تم الإعلان عن اعتماد صيغة الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل المشروع، وهو ما اعتبرته شركة مترو صفاقس آنذاك خطوة مهمة نحو التجسيد.
لكن اعتماد صيغة التمويل لم يكن كافياً لتحويل المشروع إلى ورشة.
الآن تدخل «المردودية» إلى قلب الملف
الإعلان الجديد للبنك الإفريقي للتنمية يكشف شيئاً بالغ الأهمية: الأرقام والفرضيات القديمة لم تعد كافية للانتقال إلى التنفيذ.
فالمكتب الذي سيتم اختياره مطالب بإعادة تقييم الطلب على النقل، وإعادة حساب المردودية الاقتصادية، وإعادة دراسة قدرة الدولة على تحمل المشروع مالياً.
وليس ذلك فقط.
المطلوب أيضاً دراسة تحسين إدماج الخط في المدينة، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى معدات أكثر صغراً وأكثر ملاءمة للقيود الموجودة، وخاصة ما يتعلق بعرض العربات.
وهذا يعني أن المشروع نفسه قد لا ينفذ بالتصور الفني القديم.
فبعد سنوات من الانتظار وتغير الظروف الاقتصادية والعمرانية وتكاليف المشاريع، أصبح من الضروري إعادة السؤال من أساسه:
ما المترو الذي تحتاجه صفاقس فعلاً؟ وما المترو الذي تستطيع تونس تمويله وتشغيله؟
ليس مترو فقط… بل شبكة نقل كاملة
المشروع الأصلي لا يقتصر على خط تي1.
البنك الإفريقي للتنمية يوضح أن مشروع «مترو صفاقس» جزء من شبكة نقل جماعي في الموقع الخاص لمنطقة صفاقس الكبرى، تتكون أساساً من خطين للترامواي وثلاثة خطوط للحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة، بإجمالي حوالي 70 كيلومتراً.
وتضم منطقة صفاقس الكبرى سبع بلديات وأكثر من 500 ألف نسمة، فيما تشير معطيات البنك إلى أن النقل الجماعي لا يستجيب بالشكل الكافي لحاجيات السكان، وأن نحو ثلثي التنقلات الآلية تتم بواسطة السيارات الخاصة أو سيارات الأجرة.
وهنا تظهر أهمية المشروع.
فالمسألة ليست مجرد إنشاء مترو جديد، وإنما محاولة إعادة تنظيم النقل في ثاني أكبر قطب حضري واقتصادي في تونس.
لماذا الشراكة مع القطاع الخاص؟
هذه ربما أكثر النقاط حساسية في الملف.
المشروع يتجه إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقد حصلت صيغة على موافقة الهيئة العامة للشراكة بين القطاع العام والخاص في نوفمبر 2021، ثم وزارة المالية في جوان 2022، وفق وثيقة البنك الإفريقي للتنمية.
لكن الشراكة مع القطاع الخاص لا تعني أن المستثمر سيأتي تلقائياً.
المستثمر يريد أن يعرف قبل ضخ أمواله:
- كم سيكلف المشروع فعلياً؟
- كم عدد المسافرين المتوقعين؟
- ما الإيرادات المنتظرة؟
- من يتحمل مخاطر انخفاض عدد الركاب؟
- ما حجم مساهمة الدولة؟
- هل الدولة ستضمن جزءاً من التمويل؟
- ما مدة العقد؟
- وما العائد المتوقع على الاستثمار؟
ولهذا تحديداً يحتاج المشروع الآن إلى دراسة مالية واقتصادية جديدة.
البنك الإفريقي للتنمية يمول الدراسات… وليس الأشغال
وهذه نقطة يجب عدم الخلط فيها.
الحكومة التونسية حصلت على منحة من صندوق التنمية الحضرية والبلدية التابع للبنك الإفريقي للتنمية لتغطية كلفة الدراسات الفنية والمالية الخاصة بالمرحلة الأولى من الخط تي1.
لكن هذا لا يعني أن البنك الإفريقي للتنمية أعلن تمويل بناء المترو.
التمويل الحالي مخصص للدراسات وإعداد المشروع للمرحلة المقبلة.
وهذه المرحلة المقبلة يفترض أن تشمل إعداد وثائق طلب العروض، ومعايير التأهيل المسبق، والتهيئة للحوار التنافسي، ثم اختيار الشريك الخاص وإبرام العقود.
ومن المفترض أن تكون هذه المرة مختلفة
هناك عنصر جديد في الإعلان يستحق التوقف عنده.
المهمة لا تقتصر على إعداد الدراسات، بل تشمل أيضاً مرافقة شركة مترو صفاقس في عملية التعاقد، من إعداد جدول طلب العروض إلى إعداد العقود وتقييم العروض والمشاركة في مرحلة الحوار التنافسي.
كما تتضمن تكوين إطارات الشركة ونقل المعرفة إليها حتى تكون قادرة على إدارة مشروع بصيغةالشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.
أي أن الهدف هذه المرة ليس إنتاج دراسة جديدة ووضعها في الأدراج، وإنما محاولة بناء المسار الذي يقود من الدراسة إلى المستثمر ثم إلى العقد.
لكن السؤال الأصعب يبقى: هل يخرج المشروع هذه المرة من الورق؟
هنا لا ينبغي أن يتحول الإعلان الجديد إلى احتفال مبكر.
لأن تجربة مترو صفاقس تجعل الحذر مشروعاً.
منذ 2015، مر المشروع بمراحل مختلفة، ومنذ 2019 كانت هناك آجال معلنة لانطلاق الأشغال والاستغلال، ثم جاء اعتماد صيغة الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص في 2021 و2022، ومع ذلك بقي المشروع خارج الخدمة وخارج الورشة.
واليوم، في أوت 2026، تعود الدولة إلى دراسة الطلب، والمردودية الاقتصادية، والاستدامة المالية، وهيكلة التمويل.
وهذا ليس بالضرورة فشلاً.
فإعادة الدراسة قد تكون أفضل بكثير من الانطلاق في مشروع بأرقام قديمة وتكاليف غير واقعية.
لكنها في الوقت نفسه تكشف أن الطريق إلى الأشغال لم يكن قد اكتمل أصلاً.
صفاقس تنتظر… والمترو يعيد حساباته
المفارقة الكبرى أن صفاقس التي تعاني منذ سنوات من ضغط المرور والحاجة إلى نقل جماعي أكثر كفاءة، ما زالت تنتظر مشروعاً كان يفترض أن يكون موجوداً منذ سنوات.
وفي الوقت الذي كانت فيه الوعود القديمة تتحدث عن مترو جاهز سنة 2022، فإن سنة 2026 تشهد إطلاق مرحلة جديدة من الدراسات التي ستحدد إن كان المشروع قابلاً للتمويل، وبأي حجم، وبأي صيغة، وبأي معدات.
لذلك فإن موعد 17 أوت 2026 ليس موعداً لانطلاق مترو صفاقس.
إنه موعد انتهاء مرحلة البحث عن مكتب الدراسات الذي سيعيد صياغة الطريق نحو المترو.
وبعد اختيار المكتب، ستكون أمامه مهمة تمتد قرابة عام. ثم تأتي مرحلة هيكلة الشراكة، وإعداد طلب العروض، واستقطاب الشريك الخاص، والتفاوض، والتعاقد، ثم التمويل والتنفيذ.
أي أن السؤال الحقيقي لم يعد:
«متى يبدأ مترو صفاقس؟»
بل أصبح أكثر واقعية:
«هل تنجح هذه المرة الدراسات الجديدة في تحويل مشروع عمره أكثر من عقد من مشروع معلّق إلى مشروع قابل فعلاً للتمويل والتنفيذ؟»
وهنا بالضبط ستكون قيمة ما سيحدث بعد 17 أوت 2026: هل تكون هذه بداية العدّ التنازلي الحقيقي للأشغال، أم مجرد محطة جديدة في تاريخ طويل من الدراسات والوعود؟



