الرئيسية آخر الأخبار التجارة الخارجية التونسية: الاتحاد الأوروبي أفضل سوق.. وتركيا والصين أسوأ الشركاء

التجارة الخارجية التونسية: الاتحاد الأوروبي أفضل سوق.. وتركيا والصين أسوأ الشركاء

0
5
blank

تكشف أحدث أرقام التجارة الخارجية التونسية عن مفارقة لافتة: فكلما اتجهت تونس غرباً نحو الاتحاد الأوروبي، بدا ميزان تجارتها أكثر توازناً، وكلما اتجهت نحو بعض الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين وتركيا، برز اختلال أكبر بين ما تبيعه تونس وما تشتريه.

وتأتي هذه الصورة في وقت بلغ فيه العجز التجاري التونسي 14.9576 مليار دينار إلى موفى جويلية 2026، مقابل 11.9042 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025. والأخطر أن العجز الطاقي وحده بلغ 7.9461 مليار دينار، ما يعني أن الطاقة تستحوذ على أكثر من نصف العجز الجملي.

لكن خلف الرقم الإجمالي تختبئ خريطة تجارية أكثر دلالة: الاتحاد الأوروبي يظل إلى حد بعيد السوق الأهم والأكثر فائدة لتونس من حيث قدرتها على التصدير، في حين تمثل الصين وتركيا نموذجاً مختلفاً، إذ تعتمد العلاقة معهما بدرجة أكبر على الواردات.

أوروبا.. السوق الذي تبيع فيه تونس أكثر مما تشتريه

لا يحتاج الأمر إلى كثير من الحسابات لفهم مركزية أوروبا في الاقتصاد التونسي. فقد بلغت صادرات تونس نحو الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 حوالي 28.63 مليار دينار، أي ما يعادل 70.4% من إجمالي الصادرات التونسية.

وهذه النسبة ليست ظرفية. ففي الأشهر الخمسة الأولى من السنة، بلغت حصة الاتحاد الأوروبي من الصادرات 71.5%، بقيمة 20.13 مليار دينار. وفي المقابل بلغت واردات تونس من الاتحاد الأوروبي 17.05 مليار دينار، أي 44.2% من إجمالي الواردات.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: أوروبا ليست فقط السوق التي تشتري منها تونس، بل هي قبل كل شيء السوق التي تبيع فيها تونس.

وتفسر هذه العلاقة شبكة صناعية وتجارية عمرها عقود، خصوصاً في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومكونات السيارات والنسيج والصناعات الغذائية. وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية أن الاتحاد الأوروبي ظل في 2025 الشريك التجاري الرئيسي لتونس، بحصة تقارب 70% من الصادرات و44% من الواردات.

والأرقام الجديدة تؤكد استمرار هذا الاتجاه في 2026.

فالصادرات التونسية إلى فرنسا ارتفعت خلال الأشهر السبعة الأولى بـ6.1%، وإلى إيطاليا بـ8.7%، وإلى ألمانيا بـ1.9%.

ولا يتعلق الأمر بمجرد أرقام تصدير، بل بمنظومة اقتصادية كاملة تربط المصانع التونسية بسلاسل الإنتاج الأوروبية. ولذلك فإن أوروبا بالنسبة إلى تونس ليست مجرد سوق خارجية، وإنما امتداد صناعي وتجاري مباشر للاقتصاد التونسي.

الصين.. سوق ضخمة ولكن تونس تشتري منها أكثر بكثير مما تبيع لها

في الجهة الأخرى تظهر الصين بصورة مختلفة تماماً.

فالصين أصبحت في 2025 أول مورد لتونس بحصة بلغت 12.9% من إجمالي الواردات، متقدمة على إيطاليا التي بلغت حصتها 11.6%، وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية.

وهذا يعني أن العلاقة التجارية مع بكين تميل بقوة نحو الاستيراد.

صحيح أن الصادرات التونسية نحو الصين سجلت تحسناً خلال 2026، بل إن بعض البيانات تشير إلى ارتفاعها بقوة مقارنة بالسنة الماضية، لكن حجم هذه الصادرات يبقى بعيداً عن حجم السلع الصينية التي تدخل السوق التونسية.

وتشير بيانات منشورة خلال 2026 إلى أن العجز التجاري التونسي مع الصين ظل من أكبر الاختلالات الثنائية، رغم تراجع الواردات الصينية خلال الأشهر الأولى من السنة.

المشكلة هنا ليست في الصين باعتبارها سوقاً أو شريكاً تجارياً، بل في تركيبة العلاقة: تونس تحتاج إلى السوق الصينية كمصدر للسلع والتجهيزات والمواد المختلفة، لكنها لم تنجح بعد في بناء صادرات مقابلة بالحجم نفسه.

تركيا.. نموذج آخر لعلاقة تجارية غير متوازنة

أما تركيا فتقدم نموذجاً قريباً من الحالة الصينية، وإن اختلفت الأحجام.

فخلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، ارتفعت الواردات التونسية من تركيا بـ6.2%، فيما شهدت واردات تونس من الاتحاد الأوروبي أيضاً ارتفاعاً، لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة العلاقة: الاتحاد الأوروبي يستقبل الجزء الأكبر من الصادرات التونسية، بينما تميل العلاقة مع تركيا إلى أن تكون سوقاً مهمة للسلع التركية في تونس.

وتظهر أهمية السوق التونسية بالنسبة إلى أنقرة بوضوح في بيانات 2026؛ فقد بلغت الصادرات التركية إلى تونس 619.4 مليون دولار خلال النصف الأول من السنة، لتحتل تونس المرتبة الخامسة بين الوجهات الإفريقية للصادرات التركية.

وهذا الرقم يقول الكثير عن اتجاه العلاقة: تركيا تنظر إلى تونس كسوق تصدير مهمة، بينما تحتاج تونس إلى رفع قدرتها على النفاذ إلى السوق التركية بنفس القوة.

ليست المشكلة في « الشرق » وحده

لكن اختزال القصة في أن أوروبا جيدة والصين وتركيا سيئتان سيكون تبسيطاً غير دقيق.

فالعجز التجاري التونسي له سبب أكبر بكثير من الجغرافيا، وهو هيكل الاقتصاد نفسه.

خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، سجلت تونس عجزاً بـ7.946 مليار دينار في الطاقة، و3.771 مليار دينار في المواد الأولية ونصف المصنعة، و2.630 مليار دينار في مواد التجهيز، و1.618 مليار دينار في المواد الاستهلاكية.

وفي المقابل، حققت المواد الغذائية فائضاً قدره 1.007 مليار دينار.

أي أن تونس تستطيع تحقيق فوائض عندما تكون لديها منتجات تنافسية قابلة للتصدير، كما يحدث مع زيت الزيتون والصناعات الغذائية وبعض الصناعات الميكانيكية والكهربائية.

وقد ارتفعت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بـ10.5% خلال الأشهر السبعة الأولى، فيما قفزت صادرات المنتجات الفلاحية والغذائية بـ22.9%، مدفوعة خصوصاً بارتفاع قيمة صادرات زيت الزيتون إلى 3.5946 مليار دينار مقابل 2.5061 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025.

المفارقة: أوروبا تشتري من تونس.. والصين وتركيا تبيعان لها

هذه هي الصورة التي تكشفها أرقام 2026 بوضوح.

أوروبا هي الشريك الذي استطاعت تونس أن تبني معه اندماجاً إنتاجياً حقيقياً. المصانع التونسية تنتج مكونات وقطعاً ومنتجات توجه إلى السوق الأوروبية، بينما تستورد تونس من أوروبا جزءاً مهماً من التجهيزات والمواد الوسيطة التي تدخل في الإنتاج.

أما الصين وتركيا، فالعلاقة تميل بدرجة أكبر إلى نموذج السوق المستهلكة: تونس تستورد، بينما تظل قدرتها على التصدير إلى هذين السوقين محدودة مقارنة بحجم الواردات.

ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: هل ينبغي لتونس أن تختار أوروبا أم الصين وتركيا؟

السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا تستطيع تونس تصدير عشرات المليارات إلى أوروبا، ولا تستطيع تحقيق التوازن نفسه مع الصين وتركيا؟

فالتنويع التجاري مطلوب، ولا يمكن لتونس أن تظل رهينة سوق واحدة. لكن التنويع الحقيقي لا يكون بمجرد تغيير وجهة الاستيراد، بل بفتح أسواق جديدة أمام المنتج التونسي.

الخلاصة

أرقام جويلية 2026 ترسم خريطة واضحة: الاتحاد الأوروبي يبقى أفضل فضاء تجاري لتونس من حيث قدرة الاقتصاد التونسي على التصدير والاندماج في سلاسل الإنتاج، بينما تكشف العلاقات مع الصين وتركيا عن اختلال يحتاج إلى المعالجة.

لكن معالجة هذا الاختلال لن تكون بإغلاق الأسواق أو تقليص الواردات بشكل اعتباطي، وإنما بزيادة القدرة التونسية على الإنتاج والتصدير.

فالمشكلة ليست أن تونس تستورد من الصين وتركيا، وإنما أن الصين وتركيا تبيعان لتونس أكثر بكثير مما تشتريان منها.

وفي اقتصاد يعاني عجزاً تجارياً يقترب من 15 مليار دينار في سبعة أشهر فقط، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف نجعل العالم يشتري من تونس بالقدر الذي تشتري به تونس من العالم؟