الرئيسية آخر الأخبار صيف 2026 يكشف الفاتورة الخفية للاقتصاد التونسي

صيف 2026 يكشف الفاتورة الخفية للاقتصاد التونسي

0
3
blank

لم يعد من الممكن أن تُبنى توقعات النمو والميزانية في تونس على أسعار النفط وسعر الصرف ونسبة الفائدة والنمو العالمي فقط. صيف 2026 كشف متغيراً اقتصادياً جديداً لا يقل خطورة عن هذه المؤشرات: المناخ. فموجة حر واحدة لم تعد تعني ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل يمكن أن تضرب في الوقت نفسه الكهرباء والماء والفلاحة والصحة والسياحة والإنتاج، وتحوّل ظاهرة مناخية إلى فاتورة مالية واقتصادية تدفعها الدولة والمؤسسات والمواطن.

هذا ما يطرحه الخبير البيئي حمدي حشاد، الذي يرى أن المناخ يجب أن يتحول إلى متغير أساسي في نماذج التوقعات الاقتصادية والمالية. فبدلاً من اعتماد سيناريو اقتصادي واحد، ينبغي لتونس أن تختبر على الأقل ثلاثة سيناريوهات: سنة مناخية عادية، سنة جافة، وسنة شديدة الحرارة، مع تقدير تأثير كل سيناريو في النمو والتضخم والتشغيل وعجز الميزانية والميزان التجاري.

الفلاحة… أول القطاعات التي تدفع الثمن

في القطاع الفلاحي، لا يكفي تقدير الإنتاج المنتظر بناء على المساحات المزروعة والأسعار العالمية. يجب احتساب احتمال تراجع إنتاج الحبوب والأعلاف والخضر والغلال والزيتون، وما يعنيه ذلك من ارتفاع الواردات وكلفة دعم بعض المواد الأساسية.

والأمر لا يتعلق بالمحاصيل فقط. نقص المياه والأعلاف يضع مربي الماشية أمام خسائر إضافية، من خلال ارتفاع كلفة التربية وتراجع إنتاج الحليب واللحوم ونفوق جزء من القطيع في الحالات الأكثر صعوبة.

وبالتالي، فإن الجفاف وموجات الحرارة لا يظهران في الحسابات الاقتصادية كـ«ظرف مناخي» فقط، بل ينتقل أثرهما مباشرة إلى الأسعار والتوريد والميزانية والقدرة الشرائية.

عندما تتحول الكهرباء إلى خسارة اقتصادية

أظهر صيف 2026 أن ارتفاع الحرارة يخلق ضغطاً مزدوجاً على منظومة الطاقة: كلما ارتفعت درجات الحرارة، ارتفع الطلب على التكييف والتبريد، في الوقت الذي تصبح فيه الشبكة أكثر تعرضاً للضغط.

ومع بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية قاربت 49 درجة في عدد من المناطق، شهدت تونس انقطاعات متكررة للكهرباء والماء، واضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى إدارة الأحمال لتفادي اضطرابات أوسع في الشبكة.

لكن حساب الكلفة لا يجب أن يتوقف عند تكلفة إنتاج أو استيراد الكهرباء الإضافية أو الوقود المستخدم لتشغيل المولدات الخاصة.

الخسارة الأكبر قد تكون في ما يتوقف عن الإنتاج بسبب انقطاع الكهرباء.

مصانع تتوقف، محلات تغلق أبوابها، محطات ضخ تتعطل، سلاسل تبريد تتعرض للخطر، مواد غذائية وأدوية يمكن أن تتلف، ومعدات وآلات تتوقف عن العمل. وفي بعض المناطق الساحلية من ولاية بنزرت، انعكست الانقطاعات على المطاعم ومحلات بيع الأسماك ومصانع الثلج، كما وجد صيادون أنفسهم أمام صعوبة في حفظ الكميات المصطادة.

وهنا يصبح انقطاع الكهرباء رقماً اقتصادياً يجب احتسابه، وليس مجرد مصدر للإزعاج داخل المنازل.

السياحة والصيد… خسائر لا تظهر في فاتورة الكهرباء

يمكن أن تمتد الأزمة إلى السياحة أيضاً. فالسائح الذي يجد نفسه أمام انقطاع متكرر للكهرباء والماء قد يختصر مدة إقامته أو يلغي حجزه، بينما تواجه المؤسسات السياحية نفسها ارتفاعاً في كلفة التبريد والتزويد بالمياه والحفاظ على الخدمات الأساسية.

والشيء نفسه ينطبق على قطاع الصيد البحري، حيث يمثل التبريد وحفظ الأسماك جزءاً أساسياً من سلسلة القيمة. وأي اضطراب في الكهرباء أو الثلج أو النقل يمكن أن يحول الإنتاج اليومي إلى خسارة مباشرة.

وهذه الأضرار غالباً ما لا تظهر في المؤشرات الاقتصادية بسرعة، لكنها تتراكم في شكل انخفاض في رقم معاملات المؤسسات وفقدان مواطن الشغل وتراجع المداخيل الجبائية.

كم تكلف الحرارة ساعة عمل واحدة؟

هناك فاتورة أخرى نادراً ما تدخل في الحسابات: الإنتاجية المفقودة بسبب الحرارة.

العمال في الفلاحة والبناء والنقل والأشغال العامة والصناعة يدفعون الثمن مباشرة عندما تصبح درجات الحرارة مرتفعة إلى مستويات تجعل العمل في الهواء الطلق أكثر صعوبة وخطورة.

لكن المشكلة لا تتوقف عند العمال في الخارج. حتى الموظفون داخل المباني غير المعزولة حرارياً يمكن أن يسجلوا تراجعاً في الإنتاجية، خصوصاً عندما تتزامن الحرارة مع انقطاع الكهرباء والتكييف.

وبالتالي، يجب أن تتضمن الحسابات الاقتصادية عدد ساعات العمل المهدورة، وانخفاض الإنتاجية، وأيام الغياب عن العمل أو الدراسة.

الصحة أيضاً لها فاتورة اقتصادية

موجات الحر ترفع بدورها الضغط على المنظومة الصحية، من حالات الإجهاد وضربات الشمس إلى تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي واللجوء إلى أقسام الاستعجالي.

وهناك جانب أكثر حساسية يتعلق بالمرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية تعمل بالكهرباء داخل منازلهم. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يمثل انقطاع التيار مجرد مشكلة يومية، بل يمكن أن يتحول إلى خطر حقيقي.

لذلك، فإن الكلفة الصحية للمناخ يجب أن تدخل في الحساب الاقتصادي، بما في ذلك نفقات العلاج والاستعجالي وأيام العمل والدراسة التي تضيع نتيجة الأمراض المرتبطة بالحرارة.

الماء والكهرباء… أزمة واحدة بشبكتين

تكشف أزمات الصيف أيضاً أن الحديث عن الكهرباء والماء والصحة والفلاحة كل قطاع على حدة لم يعد كافياً.

ارتفاع الحرارة يزيد استهلاك المياه، ويرفع التبخر ويضغط على المخزونات، بينما ترتفع كلفة الضخ العميق والتحلية ونقل المياه بالصهاريج.

وفي المقابل، يمكن لانقطاع الكهرباء أن يوقف محطات ضخ المياه والتبريد والاتصالات، بينما يؤدي نقص المياه إلى تعطيل مؤسسات اقتصادية ومستشفيات ومنشآت سياحية وصناعية.

إنها سلسلة مترابطة من المخاطر: مشكلة في قطاع يمكن أن تنتقل خلال ساعات إلى قطاعات أخرى.

900 حريق في 72 ساعة… لكن ما هي الفاتورة الحقيقية؟

ملف الحرائق يقدم مثالاً آخر على ضرورة إعادة النظر في الحسابات المالية. فقد سجلت تونس خلال ذروة موجة الحر نحو 900 حريق في 72 ساعة، شملت مناطق غابية ومحاصيل وممتلكات.

لكن تكلفة الحرائق لا تختصر في سيارات الإطفاء والوقود وساعات الطيران.

هناك محاصيل تضيع، ومواشٍ تنفق، ومساكن ومنشآت تتضرر، وأراض تحتاج إلى إعادة تأهيل وتشجير. كما أن تدهور الغطاء الغابي يعني خسارة في قدرة التربة والغابات على الاحتفاظ بالمياه وتخزين الكربون، وهي خسائر تمتد آثارها إلى المستقبل.

من هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد احتياطي مناخي داخل الموازنة، يخصص للتعامل مع الحرائق والفيضانات والجفاف وموجات الحر، بدلاً من انتظار الكارثة ثم البحث بصورة استعجالية عن أموال وتحويل الاعتمادات من قطاعات أخرى.

هل تتحمل مشاريعنا حرارة 50 درجة؟

السؤال الذي يجب أن تطرحه الدولة قبل تمويل المشاريع الكبرى ليس فقط: كم ستكلف عملية الإنشاء؟

بل أيضاً: هل سيصمد المشروع أمام المناخ الذي ينتظرنا؟

هل تستطيع شبكة الكهرباء تحمل ذروة استهلاك جديدة؟

هل ستظل السدود والمنشآت المائية مجدية مع ارتفاع درجات الحرارة والتبخر؟

هل تملك المستشفيات مصادر مستقلة وموثوقة للكهرباء والمياه؟

هل تستطيع شبكات تصريف مياه الأمطار استيعاب كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة؟

وهل صُممت الطرق والمنشآت والمباني وفق درجات حرارة يمكن أن تقترب من 50 درجة؟

المشروع الذي يبدو الأقل كلفة عند إنجازه قد يتحول إلى المشروع الأغلى إذا احتاج إلى الإصلاح بعد كل موجة حر أو فيضان.

لا توجد «فاتورة مناخية» واحدة لكل تونس

والأهم أن الحساب يجب ألا يكون وطنياً فقط، بل جهوياً ومحلياً، لأن المخاطر ليست متشابهة في جميع المناطق.

في الشمال الغربي تبرز كلفة حرائق الغابات والمراعي والمحاصيل وفقدان الماشية. وفي الوسط والداخل تتقدم مخاطر الجفاف والحرارة وتأثيرها على الفلاحة والمياه وسوق العمل.

أما المدن الكبرى، فتواجه ارتفاعاً حاداً في الطلب على الكهرباء وضغطاً صحياً وتراجعاً في الإنتاجية، بينما تتراكم في المناطق الساحلية مخاطر مرتبطة بالسياحة والصيد والتبريد والمطاعم.

وفي الجنوب، تبرز بصورة أكبر كلفة الحرارة القصوى والتبخر وضخ المياه وحماية الواحات وظروف العمل في الهواء الطلق.

السؤال لم يعد: كم ستكلف الكارثة؟

الكلفة المناخية الحقيقية ليست فقط قيمة الأضرار التي يمكن رؤيتها بعد وقوع الكارثة.

إنها مجموع الخسائر المباشرة، وتوقف الإنتاج، وساعات العمل الضائعة، والنفقات الصحية والاجتماعية، وارتفاع واردات الغذاء والطاقة، وإصلاح البنية التحتية، وخسارة الموارد الطبيعية والدخل المستقبلي.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس عند إعداد ميزانياتها لم يعد فقط: كم ستنفق الدولة بعد الكارثة؟

بل: كم سيكلف الاقتصاد عدم الاستثمار مسبقاً في المياه، وشبكة كهرباء أكثر مرونة، وتخزين الطاقة، والعزل الحراري، والإنذار المبكر، والوقاية من الحرائق؟

ما عاشته تونس خلال صيف 2026 لم يكن مجرد موجة حر استثنائية. لقد كان اختبار ضغط حقيقياً للاقتصاد التونسي وللمالية العمومية ولقدرة البنية التحتية على الصمود.

والرسالة التي يطرحها الخبير البيئي حمدي حشاد واضحة: إذا كان المناخ قادراً على التأثير في الإنتاج والأسعار والتشغيل والطاقة والمياه والصحة والميزان التجاري والميزانية في الوقت نفسه، فلم يعد منطقياً أن يبقى خارج توقعات النمو.