لّت تونس في المركز الخامس إفريقيًا ضمن تصنيف جديد لمنصة «ذا أفريكان إكسبوننت» المتخصصة في التصنيفات والتحليلات الاقتصادية على المستوى القاري، لقائمة أكثر 10 دول إفريقية قدرة على استثمار رأس مالها البشري وتحويل المعرفة والذكاء إلى إنتاج ملموس.
التصنيف، الذي وضع جنوب إفريقيا في المرتبة الأولى والمغرب ثانيًا ومصر ثالثًا، منح تونس المركز الخامس، خلف موريشيوس وقبل كينيا والجزائر والسنغال وغانا ونيجيريا.
وبحسب المنصة، لم يعتمد التصنيف على حجم السكان أو الناتج المحلي الإجمالي فقط، وإنما استند إلى مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالابتكار والإنتاج العلمي والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، من بينها مؤشر الابتكار العالمي ومؤشر «نيتشر»، إضافة إلى مؤشرات تتعلق بالتصنيع والتكنولوجيا.
تونس أمام المغرب ومصر وجنوب إفريقيا
اللافت بالنسبة إلى تونس أن التصنيف يضعها في مجموعة الدول الإفريقية التي تمتلك قدرة معتبرة على تحويل رأس المال البشري إلى إنتاج وابتكار.
فجنوب إفريقيا جاءت أولى بفضل بنيتها الأكاديمية والبحثية المتقدمة وإنتاجها العلمي، بينما احتلت المملكة المغربية المركز الثاني، مع إشادة بأدائها في التصميم الصناعي وبراءات الاختراع والتصنيع عالي التقنية ونمو المنشورات العلمية.
أما مصر، التي جاءت ثالثة، فتستفيد من قاعدة سكانية ضخمة ومنظومة جامعية وبحثية واسعة، لكن التقرير يشير في المقابل إلى أن التحدي الأكبر أمامها يتمثل في تحويل الإنتاج الأكاديمي الكبير إلى إنتاجية اقتصادية واسعة النطاق.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية المرتبة التي حصلت عليها تونس.
تونس الخامسة.. ولكن ماذا وراء الرقم؟
المركز الخامس قد يبدو للوهلة الأولى إنجازًا مهمًا لتونس، خصوصًا أنها جاءت خلف اقتصادات وبلدان ذات إمكانات بشرية ومادية أكبر، مثل جنوب إفريقيا ومصر، وقبل دول ذات وزن ديمغرافي واقتصادي مهم مثل كينيا والجزائر ونيجيريا.
لكن الرقم يفتح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر أهمية من مجرد ترتيب تونس:
إذا كانت تونس تملك رأس مال بشريًا قادرًا على الابتكار وإنتاج المعرفة، فلماذا لا يظهر ذلك بالقدر نفسه في النمو والإنتاجية والثروة؟
فالمشكلة بالنسبة إلى تونس ليست بالضرورة في غياب الكفاءات. البلاد راكمت على مدى عقود قاعدة واسعة من المهندسين والأطباء والباحثين والمختصين في التكنولوجيا والعلوم، كما أن الجامعات التونسية تواصل إنتاج آلاف الخريجين سنويًا.
لكن الفجوة تظهر عندما ننتقل من الجامعة إلى المؤسسة، ومن البحث العلمي إلى براءة الاختراع، ومن الابتكار إلى منتج، ومن الكفاءة البشرية إلى قيمة اقتصادية.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد الجامعة
وهذه ربما أهم رسالة يمكن استخلاصها من التصنيف الجديد.
فامتلاك شعب متعلم لا يعني تلقائيًا امتلاك اقتصاد مبتكر. والجامعات القوية لا تتحول بالضرورة إلى مصانع ومنتجات وشركات عالمية.
المعيار الأصعب هو قدرة الاقتصاد على امتصاص الكفاءات واستثمارها.
وهنا تواجه تونس تحديات معروفة: ضعف تمويل البحث والتطوير، محدودية العلاقة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، صعوبة نمو الشركات الناشئة، هجرة جزء من الكفاءات، إضافة إلى محدودية تحويل الأبحاث العلمية إلى منتجات قابلة للتسويق.
وبالتالي، فإن المركز الخامس يمكن قراءته بطريقتين متناقضتين: إشادة بقدرات تونس البشرية، وفي الوقت نفسه تذكير بحجم ما لا تزال البلاد عاجزة عن تحويله إلى قيمة اقتصادية.
المغرب أمام تونس.. سباق يتغير
ويكتسب التصنيف أهمية أكبر عند مقارنته بالمغرب الذي جاء ثانيًا.
فالمملكة لم تعد تكتفي بتكوين الكفاءات، بل تعمل على ربط التعليم التقني بالتصنيع والاستثمار الصناعي والتكنولوجيا، وهو ما جعلها، وفق التقرير، تحقق تقدمًا في مجالات التصميم الصناعي وبراءات الاختراع والتصنيع عالي التقنية.
وهنا تكمن المنافسة الحقيقية بالنسبة إلى تونس: ليس من يمتلك أكبر عدد من أصحاب الشهادات، وإنما من ينجح في تحويل هذه الشهادات إلى مصانع وشركات وبراءات اختراع ومنتجات وأسواق جديدة.
المركز الخامس ليس نهاية القصة
بالنسبة إلى تونس، يمكن النظر إلى هذا التصنيف باعتباره شهادة على قوة رأس المال البشري، لكنه في الوقت نفسه اختبار لجدوى السياسات الاقتصادية والتعليمية.
فإذا كانت تونس تحتل المرتبة الخامسة في إفريقيا في القدرة على استثمار ذكاء شعبها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا تحتل المرتبة نفسها في تحويل هذا الذكاء إلى نمو اقتصادي وابتكار وصناعة وفرص عمل؟
الجواب قد يكون هو التحدي الأكبر أمام الاقتصاد التونسي خلال السنوات المقبلة: لم يعد المطلوب فقط أن نعلّم ونكوّن ونخرّج الكفاءات، بل أن نبني اقتصادًا قادرًا على الاحتفاظ بها وتشغيلها وتحويل أفكارها إلى إنتاج وثروة.
وبينما تتقدم دول إفريقية مثل المغرب وجنوب إفريقيا ومصر في محاولة ربط المعرفة بالإنتاج، فإن المركز الخامس لتونس قد يكون خبرًا جيدًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله سؤالًا اقتصاديًا محرجًا: ماذا فعلنا بكل هذا الذكاء؟



