في الوقت الذي تبحث فيه عائلات تونسية عن سبل تأمين الأقساط الجامعية لأبنائها المغتربين في أوروبا الشرقية، وضعت الحرب الروسية الأوكرانية الشبان التونسيين في مواجهة تراجيدية غير متوقعة. خلف السواتر الترابية وحقول الألغام، لم يعد التونسيون مجرد مراقبين؛ بل تحولوا إلى وقود حي في حرب لا ناقة لبلدهم فيها ولا جمل، لتفرقهم الخنادق وتجمعهم الهوية واللغة.
مصيدة موسكو: من مقاعد الدراسة إلى جبهات الإكراه
تُجمع تقارير الصحافة الروسية المستقلة (المهاجرة) على أن الكرملين لا يجند الأجانب عبر إعلانات تقليدية، بل عبر منظومة « الابتزاز القانوني » التي تستهدف الفئات الهشة، وكان الطلاب التونسيون أحد ضحاياها.
تجسد قصة الشاب منتصر السحباني (ابن مدينة تينجة بولاية بنزرت) الوجه الأكثر مأساوية لهذا الفخ. سافر منتصر إلى روسيا طامحاً في الحصول على شهادة جامعية، لكنه وجد نفسه موقوفاً خلف القضبان إثر قضايا إقامة ومخالفات قانونية تُلفق بسهولة للأجانب هناك. داخل السجون الروسية القاسية، وُضع منتصر أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما قضاء عقوبة طويلة، أو توقيع عقد قتال مع وزارة الدفاع الروسية مقابل حريته وإسقاط التهم ونيل الجنسية.
تلقى منتصر تدريباً عسكرياً خاطفاً لم يتجاوز عشرة أيام، ليجد نفسه في الخطوط الأمامية الساخنة. ورغم اتصالاته المرعوبة بعائلته لتأكيد قتاله تحت الإكراه والتهديد، انقطعت أخباره تماماً، ليأتي التقرير القانوني من موسكو مؤكداً مقتله في ساحة المعركة. قصص مشابهة لشبان مثل « أيمن » وغيره تؤكد أن الماكينة الروسية تستخدم هؤلاء كـ « دروع بشرية » في هجمات استنزافية مكشوفة ضد الدفاعات الأوكرانية.
جبهة كييف: قتال العقيدة والدفاع عن المأوى
على الجانب الآخر من خط النار، تبدو الدوافع مختلفة تماماً، حيث يبرز التونسيون في الصفوف الأوكرانية كـ « مقاتلين بالاختيار ».
تتداول التقارير العسكرية الأوكرانية قصة مقاتل تونس يحمل اسماً حركياً هو « حنبعل ». انضم هذا الشاب بكامل إرادته إلى « الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا ». بالنسبة لحنبعل، القتال ليس صفقة للافلات من السجن، بل موقف عقائدي ضد ما يصفه بـ « التمدد الروسي » الذي يهدد استقرار القارة الإفريقية أيضاً، وهو اليوم يقاتل بضراوة مستخدماً تقنيات الطائرات المسيرة (الدرونات) ضد الزحف الروسي.
إلى جانب المتطوعين العقائديين، تضم الجبهة الأوكرانية عشرات التونسيين من المقيمين القدامى (سائقي تاكسي، أصحاب مشاريع صغرى، ومتزوجين من مواطنات أوكرانيات). هؤلاء رفضوا مغادرة البلاد عند بداية الغزو، وحملوا السلاح دفاعاً عن بيوتهم، وعائلاتهم، وأطفالهم الذين يحملون الجنسية الأوكرانية، معتبرين أنفسهم في حالة دفاع شرعي عن الوطن البديل.
المأزق التشريعي: القانون التونسي ومقصلة « المرتزقة »
أمام هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل قانوني حاسم في تونس: كيف ينظر المشرّع التونسي إلى هؤلاء المقاتلين؟
وفقاً للقوانين التونسية النافذة، يواجه الشبان على الجبهتين (سواء المكرهون في روسيا أو المتطوعون في أوكرانيا) مأزقاً جنائياً خطيراً يمنعهم أخلاقياً وقانونياً من العودة إلى أرض الوطن:
- قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال (تعديل 2015): يُجرم القانون التونسي بصرامة « السفر خارج تراب الجمهورية بغرض الانضمام إلى تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية أو التجنيد لفائدة أطراف أجنبية ». وتصل العقوبات السجنية في هذا الصدد إلى سنوات طويلة بتهمة « تهديد الأمن القومي والتدخل في نزاعات مسلحة دولية ».
- توصيف « الارتزاق »: على الرغم من أن الشاب التونسي في روسيا مجبر لتفادي السجن، فإن توقيعه على عقد يحمل تعويضات مالية بالروبل والعملة الصعبة يضعه قانونياً تحت طائلة التوصيف الدولي والمحلي كـ « مرتزق »، مما يرفع عنه أي حماية دبلوماسية تونسية بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس.
هذه المقصلة القانونية تجعل الشبان التونسيين العالقين في جبهات القتال بلا خط رجعة؛ فالعودة إلى تونس تعني المحاكمة والسجن، والبقاء في الجبهة يعني الموت المحقق.
تراجيديا « الوطن الواحد » في حرب الوكالة
المفارقة الصادمة في هذه الحرب هي عولمتها؛ حيث يلتقي التونسي المُستدرج قسراً في صفوف الجيش الروسي، بالتونسي المدافع عن بيته أو مبادئه في صفوف الجيش الأوكراني. رصاصة أحدهما قد تنهي حياة الآخر، في عبثية مطلقة تلخص مأساة الهجرة غير المحمية.
تضع هذه الوقائع الحقيقية الدبلوماسية التونسية وسفاراتها في الخارج أمام مسؤولية تاريخية وقانونية قصوى: أين هي آليات حماية وتتبع الطلاب والمهاجرين التونسيين في روسيا؟ وكيف يمكن التدخل دبلوماسياً لإبطال « العقود العسكرية الإجبارية » الموقعة تحت الضغط داخل السجون الروسية قبل أن يتم شحن بقية الشبان إلى خنادق الموت؟
الحرب في أوكرانيا لم تعد بعيدة عن تونس؛ إنها تُكتب اليوم بدماء شبانها الذين تاهوا بين حلم الهجرة والدراسة، وكوابيس القوانين الصارمة، والبنادق المغتربة.



