تتكرر في تونس مقولة إن البلاد «تعيش فوق بحيرة من البترول»، في إشارة إلى ما يُعتقد أنه ثروة نفطية كبيرة لم تنعكس على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للتونسيين. لكن الأرقام الواردة في التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الصادر عن الجمعية التونسية للبترول والغاز في سبتمبر 2026، تكشف عن واقع أكثر تعقيداً، عنوانه تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات، وتزايد الاعتماد على التوريد، واتساع العجز الطاقي.
فوفق التقرير، لم يتجاوز إنتاج المحروقات في تونس خلال سنة 2025 نحو 2.37 مليون طن مكافئ نفط، مسجلاً تراجعاً بنسبة 14% مقارنة بسنة 2024، وبنسبة 49% مقارنة بسنة 2015، و64% مقارنة بسنة 2010.
وتطرح هذه الأرقام سؤالاً جوهرياً حول حقيقة الإمكانات النفطية التونسية، ومدى قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الحاجيات المتزايدة للاقتصاد. فالتراجع المسجل لا يعني بالضرورة غياب الاحتياطيات النفطية تحت الأرض، لكنه يؤكد أن الثروة التي يجري استخراجها فعلياً لم تعد كافية لتقليص التبعية الطاقية للخارج.
استكشاف محدود في بلد يحتاج إلى اكتشافات جديدة
لا تقتصر المؤشرات على تراجع الإنتاج، بل تمتد إلى نشاط الاستكشاف نفسه. ففي سنة 2025، لم تُمنح أي رخصة جديدة للبحث عن المحروقات، ولم تُنجز أي عملية حفر استكشافية جديدة، مقابل إنجاز أربع آبار تطويرية.
كما شهد العام إعادة ثلاث رخص بحث، في حين مُنح امتيازان لاستغلال المحروقات وأُعيد امتياز واحد. وظلت رخصتان وامتيازان في انتظار التجديد.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل التراجع المتواصل للإنتاج، إذ إن استعادة نسق الإنتاج والمحافظة عليه يرتبطان، ضمن عوامل أخرى، بتجديد عمليات الاستكشاف، وتطوير الحقول القائمة، واستقطاب الاستثمارات القادرة على تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى إنتاج فعلي.
وبالتالي، فإن الحديث عن الثروة النفطية لا يمكن أن يقتصر على ما قد تحتويه الأرض من احتياطيات، بل يجب أن يشمل أيضاً حجم الإنتاج الفعلي، وتطور الاستثمارات، ونتائج عمليات البحث والحفر.
تونس تستورد ملايين الأطنان من المنتجات البترولية
في قطاع التكرير والتوزيع، تكشف الأرقام عن فجوة واضحة بين حاجيات السوق المحلية والإنتاج المتاح.
فقد بلغ الاستهلاك الوطني من المنتجات البترولية 4.68 ملايين طن سنة 2025، بزيادة قدرها 3.3% مقارنة بالسنة السابقة.
وفي المقابل، ارتفع إنتاج الشركة التونسية لصناعات التكرير إلى 924 ألف طن، مسجلاً زيادة بنسبة 19%. غير أن هذا الإنتاج لم يكن كافياً لتلبية الطلب، ما دفع الشركة إلى توريد 4.16 ملايين طن من المنتجات البترولية، بزيادة سنوية بلغت 6.4%.
وتعكس هذه الأرقام حجم اعتماد السوق التونسية على الخارج لتأمين حاجياتها من المنتجات البترولية، رغم امتلاك البلاد تاريخاً طويلاً من أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتكرير.
كما لم تشهد أسعار المنتجات البترولية أي تعديل خلال سنة 2025، وفق التقرير، فيما يعود آخر تحيين لمنظومة التسعير إلى نوفمبر 2022.
الغاز الجزائري يسد فجوة الإنتاج المحلي
تتضح التبعية للخارج بصورة أكبر عند النظر إلى وضعية الغاز الطبيعي، الذي يمثل عنصراً أساسياً في منظومة إنتاج الكهرباء التونسية.
فقد تراجع الإنتاج الوطني من الغاز خلال سنة 2025 بنسبة 6.25%، ليستقر عند 1.26 مليون طن مكافئ نفط وفق وحدة القياس الواردة في التقرير.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت واردات الغاز الجزائري من 2.54 مليون طن مكافئ نفط سنة 2024 إلى 3.14 ملايين طن سنة 2025، بينما بلغت الكميات المسحوبة في إطار الإتاوة العينية للغاز المنقول عبر أنبوب «ترانسميد» 1.07 مليون طن مكافئ نفط، بتراجع نسبته 5%.
أما استهلاك الغاز الطبيعي في تونس، فقد ارتفع إلى 5.44 ملايين طن مكافئ نفط، أي بزيادة قدرها 9% مقارنة بالسنة السابقة، ويرتبط هذا الارتفاع أساساً بزيادة استخدام الغاز في إنتاج الكهرباء.
وتكشف هذه المعطيات عن معادلة صعبة: إنتاج محلي يتراجع، واستهلاك يرتفع، وواردات من الغاز الجزائري تتزايد لتغطية جانب مهم من الحاجيات.
العجز الطاقي يرتفع والاستقلالية تتراجع
لعل أبرز ما يكشف حجم الأزمة هو تطور العجز الطاقي نفسه.
فقد بلغ العجز الطاقي في تونس 7.1 ملايين طن مكافئ نفط سنة 2025، مقابل 6.2 ملايين طن سنة 2024. وبالتوازي مع ذلك، تراجع معدل الاستقلالية الطاقية إلى 35%، بعد أن كان في حدود 41% خلال السنة السابقة.
وتعني هذه الأرقام أن الإنتاج الوطني أصبح يغطي حصة أقل من الحاجيات الطاقية للبلاد، بما يزيد من تعرض الاقتصاد لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف التوريد.
وعلى مستوى التجارة الخارجية، بلغ عجز قطاع الطاقة 11 مليار دينار سنة 2025، أي ما يعادل 50.9% من إجمالي العجز التجاري التونسي، مقابل 57% سنة 2024.
أما دعم الطاقة المرصود في قانون المالية، فقد بلغ 7.1 مليارات دينار، بما يعادل 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4.4% سنة 2024.
وهكذا، لا تتوقف كلفة التبعية الطاقية عند قيمة الواردات، بل تمتد إلى الضغط على الميزان التجاري والمالية العمومية، بما يجعل ملف الطاقة أحد أبرز التحديات الاقتصادية في تونس.
الكهرباء تكشف جانباً آخر من الأزمة
في قطاع الكهرباء، بلغت المبيعات المفوترة للشركة التونسية للكهرباء والغاز 18 تيراواط ساعة سنة 2025، بزيادة قدرها 2.6%، فيما سجلت ذروة الطلب رقماً قياسياً جديداً عند 4.84 غيغاواط.
وبلغ الإنتاج الوطني من الكهرباء، باستثناء الإنتاج الذاتي المستهلك، 19.8 تيراواط ساعة، بزيادة نسبتها 4.5%.
لكن الشركة تواجه بدورها صعوبات مالية وفنية، إذ وصلت الديون المستحقة وغير المستخلصة إلى 4.43 مليارات دينار في 31 ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 5.5%.
كما بلغت خسائر النقل والتوزيع 4.24 تيراواط ساعة، أي ما يعادل 19% من إجمالي الطاقة المتاحة، فيما أشار التقرير إلى أن نحو نصف هذه الخسائر يعود إلى الربط غير القانوني بالشبكة.
وفي ظل محدودية الكميات المتاحة من الغاز الجزائري بموجب العقود، بلغت مشتريات الكهرباء من الجزائر 2.32 تيراواط ساعة، أي ما يعادل 11.2% من إجمالي الطاقة الكهربائية المتاحة في تونس.
وتكشف هذه المؤشرات أن التحدي الطاقي لا يرتبط فقط بكمية النفط والغاز الموجودة في باطن الأرض، بل أيضاً بقدرة المنظومة الوطنية على الإنتاج والتكرير والتوزيع، وبكفاءة استهلاك الطاقة وإدارة الشبكات.
الطاقات المتجددة: تقدم في القدرة المركبة ومساهمة محدودة
رغم التوسع المسجل في مشاريع الطاقات المتجددة، لم تتجاوز مساهمة الطاقة الشمسية والريحية والمائية، باستثناء الكتلة الحيوية، نسبة 5.4% من مزيج إنتاج الكهرباء سنة 2025.
وقد بلغت القدرة المركبة الإجمالية لهذه المصادر 988 ميغاواط في نهاية السنة، بزيادة قدرها 36% مقارنة بسنة 2024.
ويمثل هذا التطور تقدماً في تنويع مصادر الطاقة، لكنه لم يكن كافياً حتى الآن لتغيير معادلة الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء.
وتبرز هنا أهمية تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، ليس باعتباره بديلاً عن معالجة تراجع الإنتاج المحلي من المحروقات، بل باعتباره أحد المسارات الممكنة لتقليص الواردات والحد من العجز الطاقي على المدى المتوسط والبعيد.
قطاع الطاقة يفقد وزنه في الاقتصاد
وفق الأرقام التي أوردها التقرير نقلاً عن المعهد الوطني للإحصاء، بلغت القيمة المضافة لقطاع الطاقة 4.2 مليارات دينار سنة 2025، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4.4% سنة 2015 و7.1% سنة 2010.
كما بلغت استثمارات القطاع 2.5 مليار دينار، أي 9.2% من إجمالي الاستثمارات، مقارنة بـ12% سنة 2015 و17% سنة 2010.
وتشير هذه الأرقام إلى تراجع الوزن الاقتصادي لقطاع الطاقة خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع انخفاض إنتاج المحروقات وتفاقم العجز الطاقي.
وفي السياق الدولي، بلغ متوسط سعر برميل خام برنت 69.1 دولاراً سنة 2025، مقابل 81 دولاراً سنة 2024، فيما بلغ متوسط سعر صرف الدينار 2.99 دينار مقابل الدولار، وفق التقرير.
ورغم انخفاض متوسط سعر النفط عالمياً، ارتفع العجز الطاقي التونسي، ما يؤكد أن تطور الفاتورة الطاقية لا يرتبط بالأسعار الدولية وحدها، بل يتأثر أيضاً بحجم الإنتاج المحلي والاستهلاك وكميات الواردات.
هل تعيش تونس فعلاً فوق «بحيرة من البترول»؟
لا تسمح الأرقام الواردة في التقرير بالجزم بحجم الاحتياطيات النفطية والغازية المتبقية في باطن الأرض، كما لا تنفي وجود موارد غير مستغلة أو إمكانات قد تكشف عنها عمليات استكشاف مستقبلية.
لكنها تقدم صورة واضحة عن الواقع الحالي: إنتاج المحروقات تراجع بنسبة 64% مقارنة بسنة 2010، ولم تُنجز أي عمليات حفر استكشافية جديدة خلال سنة 2025، فيما ارتفع العجز الطاقي إلى 7.1 ملايين طن مكافئ نفط، وتراجعت نسبة الاستقلالية الطاقية إلى 35%.
لذلك، فإن مقولة «تونس تعيش فوق بحيرة من البترول» تحتاج إلى التمييز بين الثروة المحتملة الموجودة تحت الأرض والثروة التي يمكن استخراجها اقتصادياً، وبين الاحتياطيات المؤكدة والإنتاج الفعلي.
فوجود النفط في باطن الأرض، إن ثبتت كمياته وجدواه الاقتصادية، لا يعني بالضرورة أن البلاد قادرة على تغطية حاجياتها منه. العبرة بحجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، ونسق الاستثمار والاستكشاف، وكلفة الإنتاج، والقدرة على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية فعلية.
وفي انتظار معطيات محدثة ودقيقة عن الاحتياطيات المؤكدة والإمكانات غير المستغلة، تبقى أرقام سنة 2025 كافية لإظهار حجم التحدي الذي تواجهه تونس: إنتاج محلي يتراجع، وعجز طاقي يتفاقم، واعتماد متزايد على الخارج لتأمين حاجيات البلاد.
المصدر: التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الصادر عن الجمعية التونسية للبترول والغاز في سبتمبر 2026.
