أعاد الوزير السابق للطاقة والمناجم والطاقات المتجددة منجي مرزوق فتح النقاش حول مستقبل تصدير الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة في شمال إفريقيا إلى أوروبا، متسائلاً عن إمكانية ظهور نسخة جديدة من مشروع «ديزرتك»، بعد أكثر من 15 عاماً على إطلاق المبادرة الأصلية التي استهدفت استغلال الطاقة الشمسية في الصحراء لتزويد الأسواق الأوروبية بالكهرباء.
وفي طرحه، يضع مرزوق مسألة التصدير في مواجهة سؤال أساسي يتعلق بالأولويات الطاقية لدول شمال إفريقيا، ومنها تونس: هل ينبغي توجيه الاستثمارات في الكهرباء المتجددة نحو الأسواق الأوروبية، أم إعطاء الأولوية للاستهلاك المحلي، بما يسمح بتعزيز الاستقلال الطاقي وتقليص الاعتماد على توريد الغاز الطبيعي، إلى جانب تحقيق مكاسب بيئية ومناخية؟
«ديزرتك» جديدة بأهداف مختلفة؟
قام مشروع «ديزرتك» الأصلي على فكرة إنتاج الكهرباء من الموارد الشمسية الوفيرة في صحاري شمال إفريقيا وتصدير جزء منها إلى أوروبا، مع تركيز كبير على الطاقة الشمسية الحرارية.
أما التصورات الجديدة لتصدير الكهرباء الخضراء، فتستند بدرجة أكبر إلى الطاقة الشمسية الكهروضوئية، التي شهدت توسعاً كبيراً خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع تراجع تكاليف إنتاجها وتحسن تقنيات تخزين الكهرباء.
ويرى هذا الطرح أن الظروف التي تحيط بمشاريع الربط الكهربائي بين ضفتي المتوسط تغيرت بصورة كبيرة، سواء من حيث أولويات الأمن الطاقي الأوروبي، أو كلفة الطاقات المتجددة والتخزين، أو تطور مزيج إنتاج الكهرباء في أوروبا وشمال إفريقيا.
كما أن التحولات التي عرفها قطاع الطاقة تفرض إعادة النظر في جدوى المشاريع التي تقوم على نقل الكهرباء لمسافات طويلة، ومدى قدرتها على منافسة الإنتاج المحلي في البلدان الأوروبية نفسها.
الأولوية للسوق المحلية قبل التصدير
في الحالة التونسية، تكتسب المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الحاجة إلى تطوير إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي المستورد.
فزيادة إنتاج الكهرباء الشمسية والرياح الموجهة إلى السوق المحلية يمكن أن تساهم في تخفيف الضغط على منظومة الطاقة، والحد من فاتورة توريد الغاز، وتعزيز أمن التزود بالكهرباء.
ومن هذا المنطلق، يطرح مرزوق أولوية توجيه الكهرباء المتجددة إلى الاستهلاك المحلي قبل التفكير في تصديرها إلى أوروبا أو تخصيصها لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ولا يتعلق الأمر برفض التصدير في حد ذاته، بقدر ما يتعلق بتحديد الترتيب الاقتصادي والطاقي للاستثمارات، وضمان أن تستفيد الاقتصادات المحلية أولاً من مواردها الشمسية والريحية.
هل تستطيع كهرباء شمال إفريقيا منافسة جنوب أوروبا؟
تتمثل إحدى النقاط الأساسية في هذا النقاش في أن وفرة الشمس في شمال إفريقيا لا تعني تلقائياً أن إنتاج الكهرباء الشمسية فيها أقل كلفة من إنتاجها في جنوب أوروبا.
فإسبانيا وإيطاليا واليونان تمتلك بدورها موارد شمسية مهمة، إلى جانب بنية تحتية كهربائية قائمة وأسواق أكثر اندماجاً في المنظومة الأوروبية. كما تستفيد هذه البلدان من ظروف تمويل قد تكون أفضل، في حين تتمتع دول شمال إفريقيا بميزة توافر مساحات واسعة ملائمة لإقامة مشاريع الطاقة الشمسية.
وبالتالي، فإن تقييم جدوى تصدير الكهرباء لا يمكن أن يقتصر على مقارنة ساعات سطوع الشمس أو كلفة إنتاج الكيلوواط ساعة داخل المحطات، بل يجب أن يشمل كلفة التمويل، والتخزين، ونقل الكهرباء، والربط بالشبكات، فضلاً عن كلفة ضمان استمرارية التزويد.
ويثير ذلك تساؤلاً بشأن مدى قدرة الكهرباء المنتجة في شمال إفريقيا على منافسة الكهرباء المنتجة محلياً في جنوب أوروبا، خصوصاً عندما تُحتسب جميع التكاليف المرتبطة بوصولها إلى المستهلك النهائي.
لماذا تستثمر أوروبا في الربط الكهربائي مع شمال إفريقيا؟
رغم هذه التحديات، يواصل الاتحاد الأوروبي ومشغلو شبكات الكهرباء دعم مشاريع الربط بين الضفتين، ومن أبرزها مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا المعروف باسم «إلميد»، إلى جانب مشاريع الربط بين إسبانيا والمغرب.
وتتجاوز أهداف هذه المشاريع مجرد نقل الكهرباء المتجددة من الجنوب إلى الشمال، إذ يتيح الربط الكهربائي تبادل الطاقة في الاتجاهين، بما يساعد على إدارة فائض الإنتاج وتلبية الطلب بحسب ظروف السوق.
فعندما يرتفع إنتاج الكهرباء الشمسية في جنوب أوروبا خلال بعض الفترات، قد يتجاوز العرض الطلب المحلي، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار ويضع ضغوطاً على الشبكات. ويمكن للربط الكهربائي أن يتيح تصدير جزء من هذا الفائض إلى أسواق أخرى، متى سمحت القدرات التقنية وظروف التشغيل والتبادل التجاري بذلك.
وفي المقابل، يمكن لهذه الروابط أن تسهّل نقل الكهرباء من شمال إفريقيا إلى الأسواق الأوروبية عندما تكون الظروف الاقتصادية والتقنية ملائمة.
كما يساهم التمويل الأوروبي، عبر المنح والقروض الميسرة وآليات دعم البنية التحتية، في تقليص المخاطر المالية لهذه المشاريع وتحسين شروط إنجازها.
ويبرز هنا بُعد آخر في المعادلة، يتمثل في أن الكهرباء العابرة من شمال إفريقيا قد لا تكون موجهة حصراً إلى أسواق جنوب أوروبا، بل يمكن أن تندمج في شبكة أوسع تسمح بوصولها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أسواق أوروبية أخرى.
هل استيراد الكهرباء أولوية أوروبية؟
يلفت مرزوق إلى أن برنامج الاتحاد الأوروبي «ري باور إي يو»، الذي أُطلق لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر التزود بها، لا ينص صراحة على استيراد الكهرباء من شمال إفريقيا باعتباره محوراً رئيسياً، خلافاً للاهتمام الأوروبي المعلن بتطوير الهيدروجين الأخضر ومصادر الطاقة النظيفة.
ومع ذلك، توجد برامج ومبادرات أوروبية لدعم الربط الكهربائي مع دول جنوب المتوسط، في إطار تعزيز الترابط بين الشبكات وتسهيل تبادل الكهرباء.
ويعني ذلك أن دعم مشاريع الربط لا يشكل بالضرورة التزاماً أوروبياً باستيراد كميات محددة من الكهرباء المنتجة في شمال إفريقيا، بل يوفر بنية تحتية يمكن استخدامها وفق حاجات الأسواق، وقدرات الشبكات، وشروط التبادل الاقتصادي.
تونس أمام خيارات استراتيجية
بالنسبة إلى تونس، يعيد هذا النقاش طرح سؤال جوهري بشأن كيفية استثمار مواردها الشمسية والريحية في السنوات المقبلة: هل تكون الأولوية لتقليص العجز الطاقي وتحسين التزود المحلي، أم لتطوير مشاريع تستهدف التصدير إلى أوروبا، أم للجمع بين المسارين ضمن استراتيجية واضحة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع مشروع «إلميد»، الذي يربط تونس بإيطاليا عبر كابل كهربائي بحري، والذي يمكن أن يفتح المجال أمام تبادل الطاقة بين البلدين، مع إمكانية الاستفادة منه في تصدير الكهرباء المتجددة إذا توفرت الشروط الاقتصادية والتقنية اللازمة.
لكن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بمدى تطور الإنتاج المحلي من الطاقات المتجددة، وقدرة الشبكة التونسية على استيعاب الإنتاج الجديد، وشروط التمويل، والأسعار التي يمكن تحقيقها في السوق الأوروبية.
وبين طموحات التصدير ومتطلبات الأمن الطاقي المحلي، يضع طرح منجي مرزوق تونس أمام نقاش يتجاوز فكرة بيع الكهرباء إلى الخارج، ليشمل تحديد الأولويات الاقتصادية والبيئية، ومدى قدرة مشاريع الربط الكهربائي على خدمة مصالح البلدين، التونسي والأوروبي، في آن واحد.
