الرئيسيةآخر الأخبارتونس في قلب معادلة المياه الجوفية المشتركة.. هل يحمي الاتفاق مع الجزائر...

تونس في قلب معادلة المياه الجوفية المشتركة.. هل يحمي الاتفاق مع الجزائر وليبيا ثروتها المائية؟

دراسة علمية دولية تكشف أن مواقع الآبار، وليس فقط حجم الضخ، قد تحدد مدى تأثر الدول المتجاورة باستنزاف الخزانات الجوفية المشتركة. وتكتسب النتائج أهمية خاصة لتونس، التي تتقاسم موارد مائية جوفية مع الجزائر وليبيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المياه وتبرز الحاجة إلى إدارة مشتركة أكثر دقة.

تضع دراسة علمية جديدة تونس أمام أحد التحديات المتنامية في المنطقة المغاربية: كيفية حماية الموارد المائية الجوفية المشتركة مع الدول المجاورة، في ظل تزايد الطلب على المياه وتوسع الأنشطة الزراعية التي تعتمد على الضخ من باطن الأرض.

الدراسة، التي نُشرت يوم 19 أكتوبر 2026 في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأمريكية، شملت 426 خزاناً جوفياً عابراً للحدود على مستوى العالم، واستندت إلى بيانات نحو 116 ألف بئر مراقبة، إلى جانب خرائط الأراضي الزراعية المروية ومصادر مياه الري.

وتخلص إلى أن الخطر لا يرتبط بالضرورة بكون الخزان الجوفي مشتركاً بين دولتين، بل يتوقف أيضاً على مواقع الآبار ومدى قربها من الحدود، وطبيعة حركة المياه داخل الطبقات الجيولوجية.

وبالنسبة إلى تونس، تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، بالنظر إلى اشتراكها مع الجزائر وليبيا في أنظمة مائية جوفية، ولا سيما نظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية، الذي يمتد عبر أراضي الدول الثلاث.

blank

الآبار القريبة من الحدود.. موضع الخطر

من أبرز نتائج الدراسة أن الباحثين لم يجدوا دليلاً على أن الخزانات الجوفية العابرة للحدود تُستنزف، في المتوسط، بوتيرة أعلى من الخزانات الواقعة بالكامل داخل دولة واحدة.

لكن الصورة تختلف عند التدقيق في المواقع التي يحدث فيها الاستنزاف. فقد لاحظ الباحثون أن انخفاض المياه في الخزانات المشتركة يكون أكثر وضوحاً بالقرب من الحدود الدولية، فيما يتراجع متوسط الاستنزاف بوضوح على مسافات تتجاوز نحو مئة كيلومتر منها.

ويشير الباحثون إلى أن المناطق الواقعة ضمن عشرة كيلومترات من الحدود قد تكون أكثر عرضة لتأثيرات الضخ المتبادل، مع التأكيد أن هذه المسافات ليست قواعد ثابتة، إذ تختلف التأثيرات الفعلية باختلاف طبيعة الصخور وقدرة المياه على الانتقال داخل الخزان.

وتعني هذه النتيجة أن ضخ كميات كبيرة من المياه في منطقة بعيدة عن الحدود لا يؤدي بالضرورة إلى التأثير نفسه الذي قد ينجم عن ضخ مماثل في منطقة قريبة منها.

كما أن تركز الآبار في المناطق الحدودية لا يثبت، في حد ذاته، وجود سباق بين الدول لاستنزاف المياه قبل جيرانها. فقد ترتبط هذه الظاهرة بوجود سهول زراعية خصبة أو أنهار أو مناطق تتركز فيها الأنشطة الاقتصادية.

تونس والجزائر وليبيا.. خزان واحد وتحديات مشتركة

تتمثل إحدى أبرز نقاط التقاطع بين نتائج الدراسة والواقع التونسي في نظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية، الذي يمتد عبر تونس والجزائر وليبيا، ويُعد من أهم الموارد المائية في المنطقة الصحراوية.

وتعتمد مناطق واسعة من الجنوب التونسي على المياه الجوفية لتلبية احتياجات الشرب والأنشطة الزراعية، وهو ما يجعل مراقبة تطور المخزون المائي وإدارة عمليات الضخ مسألتين أساسيتين لاستدامة هذه الموارد.

وكان استغلال نظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية قد شهد توسعاً كبيراً على مدى العقود الماضية. ووفق بيانات تاريخية للمرصد الصحراوي والساحلي، ارتفع الاستغلال السنوي من نحو 600 مليون متر مكعب سنة 1950 إلى قرابة ثلاثة مليارات متر مكعب سنة 2018.

ولا تمثل هذه الأرقام تقديراً للاستهلاك الحالي، لكنها توضح حجم التحول الذي عرفه استغلال هذا المورد المشترك.

ولا يقتصر التعاون المائي بين تونس وجارتيها على هذا النظام الصحراوي، إذ توجد أيضاً موارد جوفية مشتركة في مناطق حدودية أخرى، من بينها منطقة الجفارة بين تونس وليبيا.

غير أن وجود خزان مشترك لا يعني تلقائياً أن الضخ في إحدى الدولتين يؤدي إلى انخفاض مباشر في المياه المتاحة للدولة الأخرى. ويتطلب إثبات ذلك بيانات هيدرولوجية وجيولوجية دقيقة، ورصداً متواصلاً لمستويات المياه ومواقع الآبار وكميات الضخ.

اتفاق ثلاثي قائم.. فهل تكفي آلية التشاور؟

تونس ليست أمام هذا الملف من دون إطار للتعاون الإقليمي. ففي أفريل 2024، وقّعت تونس والجزائر وليبيا اتفاقاً لإنشاء آلية للتشاور بشأن إدارة المياه الجوفية المشتركة في الصحراء الشمالية، وصادقت تونس عليه في جانفي 2025.

كما شهدت طرابلس في أفريل 2026 خطوات مؤسسية إضافية تتعلق بتنظيم عمل هيئة التشاور، والمساهمات المالية للدول الثلاث، ورئاسة الهيئة.

ويكتسب هذا الإطار أهمية في ضوء نتائج الدراسة الجديدة، لأنه يوفر أساساً للتنسيق بشأن مراقبة الموارد الجوفية وتبادل البيانات وتطوير أساليب مشتركة لإدارة الاستغلال.

لكن التحدي لا يتمثل فقط في وجود اتفاق بين الدول، بل في مدى ترجمة التعاون إلى إجراءات ميدانية قابلة للقياس، تشمل تحديد مواقع الضخ الأكثر حساسية، ومراقبة تطور مستويات المياه، وتبادل المعلومات بشأن الآبار الجديدة وكميات الاستخراج.

فإذا أظهرت البيانات أن الضخ في منطقة حدودية معينة يؤثر في مخزون المياه على الجانب الآخر، فإن الإدارة المشتركة يمكن أن تركز على تلك المنطقة تحديداً، بدلاً من فرض قيود موحدة على الخزان بأكمله من دون مراعاة الفوارق الجغرافية.

وهذا هو جوهر النهج الذي تدعو إليه الدراسة: تحديد المواقع التي يمكن أن ينتقل فيها أثر الضخ إلى الدولة المجاورة، وتوجيه إجراءات الحماية إليها وفق الأدلة العلمية.

ماذا تعني النتائج لتونس؟

بالنسبة إلى تونس، تفتح الدراسة المجال أمام مراجعة أكثر دقة لكيفية متابعة الموارد الجوفية المشتركة مع الجزائر وليبيا، خصوصاً في المناطق التي تتجمع فيها الآبار والأنشطة الزراعية بالقرب من الحدود.

ومن شأن اعتماد شبكة مراقبة مشتركة، وتبادل البيانات بصورة منتظمة، وتحديد المناطق التي يحتمل أن تتأثر بالضخ المتبادل، أن يساعد على اتخاذ قرارات تستند إلى طبيعة كل منطقة، بدلاً من التعامل مع الخزان الجوفي باعتباره وحدة متجانسة.

كما أن نشر بيانات دورية عن مستويات المياه وكميات الضخ من شأنه أن يعزز القدرة على التمييز بين التغيرات الناتجة عن الظروف المناخية، وتلك المرتبطة بالاستغلال البشري، ويحد من إطلاق استنتاجات غير مثبتة بشأن مسؤولية أي دولة عن تراجع الموارد لدى جارتها.

ولا تثبت الدراسة أن الجزائر أو ليبيا تستنزفان المياه الجوفية التونسية، كما لا تقدم تقديراً للخسائر التي قد تتكبدها تونس نتيجة الضخ عبر الحدود. لكنها تلفت الانتباه إلى عامل مكاني قد يكون حاسماً في إدارة الموارد المشتركة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن الرهان الحقيقي لا يقتصر على حماية حصتها من المياه الجوفية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان استدامة مورد مشترك تتوقف عليه حاجات السكان والزراعة والتنمية في منطقة تعاني أصلاً من محدودية المياه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى