كشفت بيانات صادرة اليوم عن المنظمة الدولية للهجرة عن مفارقة لافتة في مسارات الهجرة نحو أوروبا خلال عام 2026: انخفاض كبير في أعداد المهاجرين الذين يصلون بحراً، مقابل ارتفاع عدد الذين يموتون أو يفقدون أثناء محاولات العبور.
وبحسب بيانات المنظمة، وصل إلى أوروبا بحراً نحو 60 ألف مهاجر ولاجئ منذ بداية العام وحتى 15 سبتمبر 2026، بانخفاض قدره 39 بالمائة مقارنة بـ98 ألفاً و40 شخصاً خلال الفترة نفسها من عام 2025.
لكن هذا التراجع لم ينعكس على الخسائر البشرية، إذ سجلت المنظمة ما لا يقل عن 2292 حالة وفاة أو فقدان أثناء محاولات العبور، مقابل 1999 حالة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط والطريق الأطلسي يظلان من أخطر طرق الهجرة البحرية في العالم، محذرة في الوقت نفسه من أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تكون أعلى، نظراً إلى أن العديد من حوادث الغرق والاختفاء لا يتم الإبلاغ عنها أو توثيقها.
إيطاليا: وصول أقل بـ55 بالمائة وضحايا أكثر
وتكتسي الأرقام الخاصة بإيطاليا أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، باعتبارها إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية على طريق وسط البحر المتوسط.
فقد تراجع عدد المهاجرين واللاجئين الذين وصلوا إلى إيطاليا عبر هذا الطريق بنسبة 55 بالمائة، من 48 ألفاً و231 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي إلى 21 ألفاً و393 شخصاً منذ بداية عام 2026.
غير أن انخفاض عدد الواصلين لم يصاحبه انخفاض في الخسائر البشرية، إذ ارتفع عدد الذين توفوا أو فقدوا على طريق وسط البحر المتوسط من 844 إلى 996 حالة.
وتعني هذه الأرقام أن تراجع حركة الوصول عبر الطريق المؤدي إلى إيطاليا لا يساوي بالضرورة تراجعاً في المخاطر التي يواجهها المهاجرون في البحر، بل إن عدد الوفيات والمفقودين المسجلين على هذا الطريق ارتفع خلال الفترة نفسها.
وهنا تبرز أهمية الطريق التونسي، إذ يمثل الساحل التونسي أحد المسارات المستخدمة للعبور نحو إيطاليا، خصوصاً باتجاه جزيرة لامبيدوزا، إلا أن أرقام المنظمة الدولية للهجرة لا تفصل في هذه البيانات الحالية عدد الوفيات والمفقودين الذين ارتبطت رحلاتهم تحديداً بنقاط الانطلاق من تونس عن بقية حالات طريق وسط البحر المتوسط.
اليونان وإسبانيا تسجلان أيضاً خسائر مرتفعة
وفي اليونان، بلغ عدد الوافدين بحراً 20 ألفاً و428 شخصاً، مقابل 25 ألفاً و427 خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وفي المقابل، ارتفع عدد الوفيات على طريق شرق البحر المتوسط من 284 إلى 417 حالة.
أما إسبانيا، فسجلت 16 ألفاً و794 وافداً عبر طرق المحيط الأطلسي وغرب البحر المتوسط، مقابل 22 ألفاً و855 في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما بقي عدد الوفيات والمفقودين مرتفعاً، عند 879 حالة.
أكثر من 17 ألف مهاجر أعيدوا إلى ليبيا
وفي موازاة تراجع أعداد الواصلين، تواصلت عمليات اعتراض المهاجرين في البحر على نطاق واسع.
ووفق أرقام خفر السواحل الليبي التي تتبعها المنظمة الدولية للهجرة، تم اعتراض 17 ألفاً و67 مهاجراً في البحر وإعادتهم إلى ليبيا بين يناير ومنتصف سبتمبر 2026.
وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، إن وراء كل رقم إنساناً وعائلة ومجتمعاً، مشيرة إلى أن ارتفاع الوفيات في الوقت الذي تنخفض فيه أعداد الوافدين يظهر، وفق المنظمة، أن المهاجرين يسلكون طرقاً أكثر خطورة للوصول إلى وجهاتهم.
ودعت المنظمة إلى استمرار التعاون الدولي لإنقاذ الأرواح وحماية المهاجرين، ومكافحة الاتجار بالبشر والاستغلال، إلى جانب توسيع مسارات الهجرة الآمنة والنظامية.
كما شددت على ضرورة مواصلة الجهود لتحديد مصير المفقودين ومعرفة أماكن وجودهم، ومساعدة العائلات التي تبحث عن أقاربها.
وتستند هذه الأرقام إلى بيانات مصفوفة تتبع النزوح ومشروع المهاجرين المفقودين التابعين للمنظمة الدولية للهجرة، وتشمل الحوادث والواصلين الذين تم التحقق منهم حتى 15 سبتمبر 2026.
وتحذر المنظمة من أن العدد الفعلي للوفيات قد يكون أعلى من الأرقام المسجلة، لأن العديد من حوادث الغرق والاختفاء في البحر تمر من دون إبلاغ أو توثيق.
وبالنسبة إلى تونس، تضع هذه الأرقام ملف الهجرة البحرية أمام معادلة جديدة: عدد أقل من الواصلين إلى إيطاليا، لكن طريقاً لا يبدو أكثر أمناً، مع ارتفاع الوفيات والمفقودين على المسار المركزي للمتوسط. ويبقى تحديد الحصة المرتبطة تحديداً بالرحلات المنطلقة من السواحل التونسية بحاجة إلى بيانات تفصيلية إضافية من المنظمة الدولية للهجرة أو السلطات التونسية والإيطالية.
