الرئيسية آخر الأخبار جدل حول مجلة الأحوال الشخصية محوره وزير العدل السابق

جدل حول مجلة الأحوال الشخصية محوره وزير العدل السابق

0
7
blank

أثار تصريح وزير العدل السابق البشير التكاري بشأن مجلة الأحوال الشخصية جدلاً واسعاً، بعد دعوته إلى منح المبادئ التي تكرسها المجلة مكانة تتجاوز حتى المكانة الدستورية، في موقف فتح نقاشاً قانونياً وفكرياً حول حدود تعديل الدستور، وسيادة الإرادة الشعبية، وإمكانية تحصين بعض المبادئ الاجتماعية والقانونية من أي تراجع مستقبلي.

وكان القاضي أحمد الرحموني قد انتقد هذا الطرح بشدة، معتبراً أن السعي إلى وضع مبادئ مجلة الأحوال الشخصية في مرتبة أعلى من الدستور يمثل، في جوهره، تقييداً لإرادة الأجيال المقبلة ومصادرة لحقها في صياغة عقدها الاجتماعي.

وفي مقال حمل عنوان «صنم فوق الدستور»، رأى الرحموني أن النصوص الوضعية لا يمكن تحويلها إلى قواعد مقدسة محجوبة عن حركة التاريخ، معتبراً أن القانون بطبيعته كائن متطور يتفاعل مع التحولات التي يعرفها المجتمع.

كما اعتبر أن مفهوم السمو فوق الدستوري، الذي ظهر في الفكر الدستوري لحماية المبادئ الأساسية والحقوق من تعسف السلطة، لا ينبغي توظيفه لتحويل مجلة قانونية بعينها إلى نص غير قابل للمراجعة. وبالنسبة إليه، فإن حماية مكتسبات مجلة الأحوال الشخصية لا تكون بالضرورة عبر تحصينها من أي تعديل، وإنما عبر ترسيخها في المجتمع والوعي العام.

هذا الطرح قوبل برد من الكاتب خميس الصكلي، الذي اعتبر أن انتقاد موقف التكاري ينبغي أن يتم من خلال مناقشة الفكرة القانونية نفسها، لا من خلال ربطها بالخلفية السياسية لصاحبها.

وأكد الصكلي أن هناك فرقاً بين تحصين المبادئ وتحنيط النصوص، مشيراً إلى أن السؤال الأساسي يتمثل في ما إذا كان من المقبول أن تصبح المبادئ التي شكلت، بحسب رأيه، أحد أبرز وجوه الحداثة القانونية والاجتماعية في تونس رهينة لتغير الأغلبية السياسية.

ويرى الصكلي أن الديمقراطية الدستورية لا تعني أن الأغلبية تملك سلطة مطلقة، إذ توجد حقوق ومبادئ أساسية يفترض أن تحظى بحماية تحول دون إلغائها أو الانتقاص منها لمجرد تغير موازين القوى السياسية.

كما رفض الصكلي وصف حماية مبادئ مجلة الأحوال الشخصية بأنها محاولة لصناعة «صنم فوق الدستور»، معتبراً أن الخلاف الحقيقي يجب أن ينصب على مفهوم القيمة فوق الدستورية وحدودها، وليس على شعارات سياسية أو توصيفات أيديولوجية.

ويذهب الصكلي أيضاً إلى أن التاريخ ليس بالضرورة مساراً متواصلاً نحو التقدم، إذ يمكن للمجتمعات أن تعرف حالات تراجع، وهو ما يجعل حماية بعض المكتسبات الأساسية، في نظره، ضرورية حتى لا تصبح عرضة لتقلبات الأغلبية.

وهكذا تحول تصريح وزير العدل السابق إلى سجال يتجاوز شخص البشير التكاري أو مجلة الأحوال الشخصية نفسها، ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الدولة التونسية وحدود السلطة التأسيسية، ومدى قدرة الأغلبية السياسية على تغيير المبادئ التي تعتبر جزءاً من مكتسبات المجتمع.

ويبقى السؤال المركزي الذي فرض نفسه في هذا الجدل: هل يجوز تحصين بعض مبادئ مجلة الأحوال الشخصية من أي مراجعة مستقبلية، حتى لو تغير الدستور والإرادة السياسية، أم أن منحها هذه المكانة يمثل تقييداً لحق الأجيال المقبلة في إعادة صياغة عقدها الاجتماعي؟

ذلك أن الخلاف في جوهره لا يدور فقط حول مجلة الأحوال الشخصية، وإنما حول الحد الفاصل بين حماية المكتسبات الاجتماعية وضمان عدم التراجع عنها، وبين الحفاظ على حق المجتمع في مراجعة قوانينه وتطويرها وفق التحولات التي يعيشها.