الرئيسية آخر الأخبار أمنية للنائب فاطمة المسدي تكشف عن الوجه الاخر لمجموعة من التونسيين

أمنية للنائب فاطمة المسدي تكشف عن الوجه الاخر لمجموعة من التونسيين

0
1
blank
فاطمة المسدي

أثارت التدوينة التي نشرتها النائب التونسية فاطمة السمدي بمناسبة عيد المرأة، والتي تمنت فيها أن تشهد الانتخابات الرئاسية التونسية لعام 2029 صعود أول امرأة لسدة الرئاسة، موجة عارمة من الجدل وردود الفعل العنيفة على منصات التواصل الاجتماعي . ولم يكن هذا السجال الرقمي مجرد نقاش عابر، بل جاء ليعكس بعمق الانقسامات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية التي تعيشها تونس، واضعاً شعارات « الريادة التونسية في حقوق المرأة » تحت مجهر النقد والمكاشفة .

تتعدد الزوايا التي يمكن من خلالها تفكيك هذه الردود، وتوزيعها على أبعاد ثقافية، وسياسية، وبنيوية تبرز التناقض بين النص القانوني والواقع المعاش.

أولاً: المعضلة الثقافية والاجتماعية (جدار الذهنية الذكورية)

رغم أن تونس تُصنف تاريخياً كدولة رائدة في مجال حقوق المرأة بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة عام 1956، إلا أن الردود كشفت عن « مقاومة ثقافية » شرسة لفكرة القيادة النسوية العليا.

  • البنية الذهنية الإقليمية: عبّر بعض المعلقين بصراحة عن وجود كبح جماعي يمتد من تونس إلى الجزائر وليبيا ومصر، معتبرين أن الموروث النفسي والاجتماعي في المنطقة العربية يربط السلطة السياسية العليا بالرجل حصراً.
  • عقدة النقص تجاه الغرب: استشهد آخرون بفشل دول ديمقراطية كبرى كأمريكا أو بعض الدول الأوروبية في إيصال امرأة لرئاسة الدولة، واستُخدم هذا القياس الخاطئ لتبرير وضع « سقف زجاجي » لطموح المرأة التونسية لا يتعدى منصب الوزيرة أو مديرة الإدارة.
  • طبيعة العمل السياسي الفلسفية: برزت قراءات تحاول إعطاء صبغة فلسفية لإقصاء المرأة، بادعاء أن السياسة تقوم على « المكر والدهاء والخبث »، وهي صفات يراها أصحاب هذا الرأي منافية للطبيعة الإنسانية للمرأة، مما يعكس نظرة نمطية تختزل العمل السياسي في المناورة الميكافيلية.
blank

ثانياً: التقييم السياسي المبني على تجربة « نجلاء بودن »

لم يخلُ النقاش من إسقاطات سياسية مباشرة على تاريخ تونس الحديث، وتحديداً تجربة السيدة نجلاء بودن، أول رئيسة حكومة في تاريخ تونس والعالم العربي.

  • الرمزية مقابل الفاعلية: اعتبر جزء واسع من المعلقين أن التعيينات النسائية السابقة في مناصب عليا كانت مجرد « بروباغندا واستبلاه » أو تسويق خارجي للنظام السياسي ( دون منح تلك الشخصيات سلطة قرار حقيقية أو إرادة سياسية نافذة لتغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
  • الربط بين الفشل الإداري والجندر: تسببت خيبات الأمل السياسية والاقتصادية المتراكمة في خلق خلط غير موضوعي لدى الشارع؛ حيث تم تحميل « جندر » القيادة النسوية مسؤولية الإخفاقات السياسية العامة، مما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية في قدرة المرأة على إدارة الأزمات الكبرى.
blank

جاءت التدوينة في سياق سياسي تونسي يتميز بالاستقطاب الشديد، وظهر ذلك جلياً في ردود الأفعال التي تداخلت فيها المواقف الحزبية بالولاءات الشخصية.

  • شرعية المشهد البرلماني الحالي: هاجم بعض المعلقين النائب انطلاقاً من موقفهم الرافض للمسار السياسي الحالي (ما بعد 25 جويلية)، معتبرين خطابها نوعاً من المزايدة السياسية لكسب تعاطف حقوقي أو لتغطية أزمات أكثر عمقاً في البلاد.
  • ثقافة « الرئيس المنقذ »: تجسدت في بعض التعليقات عقلية الولاء المطلق لشخص الرئيس الحالي واحتكار السلطة « بالحديد والنار »، وهي عقلية تلغي أساساً مبدأ التداول السلمي على السلطة أو التفكير في بدائل مستقبلية لعام 2029، سواء كانت هذه البدائل رجالاً أم نساءً.
blank
  • صناعة القرار الحقيقي تتطلب قوة، وشجاعة، ورؤية استشرافية تتجاوز مجرد التغني بالمكاسب التاريخية.
  • الاكتفاء بالترسانة القانونية القديمة دون تحديثها لتواكب العصر يمثل عائقاً أمام التمكين الحقيقي، ويجعل حضور المرأة حضوراً صورياً مبنياً على « المنّ » والامتيازات لا على الكفاءة والفرض الذاتي في مربع التنافسية السياسية.
blank

تثبت الردود « العنيفة » على تدوينة النائب فاطمة السمدي أن معركة تمكين المرأة التونسية لم تعد معركة قوانين وتشريعات فوقية، بل هي معركة وعي مجتمعي وتغيير للعقليات. إن تطلع التونسيين لرؤية امرأة في قصر قرطاج عام 2029 يصطدم اليوم بجدار سميك من الإحباط السياسي، والموروث الثقافي المحافظ، والتقييم السلبي للتجارب السابقة. وهو ما يؤكد أن وصول المرأة التونسية لموقع صنع القرار الأول يتطلب أولاً بيئة سياسية ديمقراطية مستقرة، وتفكيكاً حقيقياً للصور النمطية التي ما زالت تحكم العقل الجمعي التونسي.