في وقت يبحث فيه المواطن الأوروبي المعاصر عن طوق نجاة يخلّصه من وتيرة الحياة الرقمية المتسارعة وضغوط العمل التي لا تنتهي، برزت الصحراء التونسية كأحد أهم الوجهات العالمية التي تقدم « العلاج بالانفصال التام ». قصة الخبير النمساوي رولاند شمول، وتحوله من فني مختبر مدمن على العمل في قلب أوروبا إلى مرشد سياحي يقود المجموعات نحو الجنوب التونسي، تلخص هذا الشغف المتزايد بسحر أرض الخيام والرمال الذهبية.
الشراكة التونسية النمساوية: جسر بين ثقافتين
لم تكن تجربة « شمول » لتنجح لولا تلك الشراكة الاستراتيجية الإنسانية التي جمعته مع مواطن تونسي يدعى « بن »، وهو مستثمر مقيم في سويسرا ويمتلك وكالة أسفار متخصصة وإسطبلاً لتربية الإبل. هذا التعاون يمثل النموذج المثالي للاستثمار السياحي البديل؛ حيث يتولى الشريك النمساوي التسويق والإجراءات الإدارية في أوروبا، في حين تؤمّن الكفاءات التونسية الدعم اللوجستي، والخبرة الميدانية بالأرض، وحسن الضيافة الأسطوري الذي يميز أهل الجنوب.
سحر « الرزق » وكسر الصورة النمطية
الرحلات التي يتم تنظيمها في الصحراء التونسية (خاصة في قوافل تعتمد على الجمال لنقل الأمتعة والخيام) نجحت في تفكيك الكثير من المخاوف المسبقة لدى السياح الغربيين:
- أمان مطلق وتنظيم محكم: تخضع هذه الرحلات الاستكشافية لبروتوكول أمني دقيق بالتنسيق مع الحرس الوطني والسلطات المحلية قبل الدخول إلى عمق الصحراء وعند مغادرتها، مع توفير هواتف ثريا مرتبطة بالأقمار الصناعية للحالات الطارئة.
- سينما حية وضيافة فاخرة: يصف المشاركون الأجواء بأنها « شبه سينمائية »؛ حيث المفاجأة تكمن في جودة الطعام التونسي التقليدي الذي يُطهى طازجاً على حطب الغضا، والشاي الصحراوي الفواح، والنوم في خيام مفروشة بالسجاد التقليدي تحت سماء هي الأصفى في العالم.
- سياحة بيئية مستدامة: بفضل المناخ الجاف، تلاشت مخاوف السياح بشأن النظافة، وتحول المشي لمسافة 10 كيلومترات يومياً فوق الكثبان الثابتة إلى طقس للتأمل وتطهير الروح.
النساء في الصدارة.. والجنوب التونسي المستفيد الأكبر
من المثير للاهتمام أن الإحصاءات التي سجلها المنظمون أظهرت أن 90% من المقبلين على هذه الرحلات الصحراوية هن من النساء الأوروبيات، اللواتي يجدن في بيئة الصحراء التونسية الأمان، والسكينة، وفرصة للهروب من الروتين اليومي داخل مجتمع مصغر ومنسجم.
هذا الإقبال المتزايد ينعش السياحة الصحراوية والبيئية في تونس، ويخلق حركية اقتصادية مباشرة للمربين، والأدلاء المحليين، وأصحاب الحرف التقليدية في قرى الجنوب وبوابات الصحراء مثل دوز وتوزر. إنها دعوة متجددة لإعادة اكتشاف تونس، ليس فقط كشواطئ صيفية، بل كمشفى طبيعي مفتوح لترميم الأرواح المتعبة في قلب الرمال.
