الرئيسية آخر الأخبار رئاسة الحكومة …بلاغ من أكثر من 800 كلمة عن التحول الرقمي… فمن...

رئاسة الحكومة …بلاغ من أكثر من 800 كلمة عن التحول الرقمي… فمن سيقرأه إلى النهاية؟

0
1
blank

في زمن تختصر فيه الأخبار إلى عناوين، وتتنافس المؤسسات الإعلامية على جذب انتباه القارئ خلال ثوانٍ، تبدو بعض البلاغات الرسمية التونسية وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس تماماً.

آخر مثال جاء اليوم السبت 15 أوت 2026، مع بلاغ رئاسة الحكومة حول اجتماع مجلس وزاري مضيق خصص لمتابعة تقدم مشاريع التحول الرقمي.

الموضوع في حد ذاته مهم، وربما كان يفترض أن يكون التحول الرقمي أول المجالات التي تفرض على الإدارة تغيير طريقة تواصلها مع المواطنين. لكن المفارقة أن البلاغ الذي يتحدث عن الرقمنة جاء طويلاً ومتشعباً إلى درجة قد تجعل الوصول إلى المعلومة الأساسية مهمة شاقة بالنسبة للقارئ.

أكثر من 800 كلمة… لبلاغ يفترض أن يخبرنا ماذا حدث

البلاغ المنشور يتجاوز 800 كلمة وفق عدّ النص المقدم، ويتضمن مقدمة سياسية، وتصريحات رئيسة الحكومة، وقائمة طويلة من المشاريع المنجزة، وأخرى قيد الإنجاز، وبرامج البنية التحتية، والإدماج المالي، والسلامة السيبرنية، والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، ثم خاتمة سياسية جديدة.

أي أن القارئ لا يواجه خبراً واحداً، وإنما يجد أمامه ما يشبه تقريراً شاملاً عن سياسة الدولة الرقمية.

السؤال هنا ليس: هل المعلومات مهمة؟

بالتأكيد هي مهمة.

السؤال هو: هل البلاغ الصحفي هو المكان المناسب لوضع كل هذه المعلومات دفعة واحدة؟

فالمواطن الذي يريد معرفة ما الذي خرج به المجلس الوزاري اليوم يحتاج في الغالب إلى إجابات بسيطة: ماذا تقرر؟ ما المشاريع الجديدة؟ متى ستدخل الخدمة؟ وما الذي سيتغير بالنسبة إليه؟

أما التفاصيل المتعلقة بعشرات المشاريع، فيمكن وضعها في وثيقة خاصة، أو ملف رقمي، أو صفحة تفاعلية، أو بيان تفصيلي منفصل.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: بلاغ يتحدث عن التحول الرقمي لكنه يستخدم منطق الاتصال الإداري التقليدي، القائم على حشد أكبر قدر ممكن من المعلومات في نص واحد.

عندما يصبح البلاغ نسخة من محضر الاجتماع

من يقرأ البلاغ يجد نفسه أمام عشرات المشاريع والأسماء والمنصات والبرامج.

34 دار خدمات رقمية في 21 ولاية.

114 مشروعاً قيد الإنجاز.

أكثر من 40 خدمة ستتاح عبر تطبيقة «خدمات».

شهادة إقامة عن بعد.

تجديد رخصة السياقة.

السجل الوطني للمعرف الصحي.

السجل الوطني للشهائد الجامعية.

تأهيل منظومة الديوانة.

تعميم الألياف البصرية.

المحافظ الإلكترونية.

الدفع الإلكتروني.

السلامة السيبرنية.

الذكاء الاصطناعي…

كل هذه المعلومات يمكن أن تكون مفيدة جداً في تقرير صحفي أو وثيقة حكومية تفصيلية، لكنها تصبح عبئاً على القارئ عندما تجمع في بلاغ واحد.

والنتيجة أن المعلومة الأهم قد تضيع وسط التفاصيل.

المشكلة ليست في طول النص فقط

المسألة أعمق من عدد الكلمات.

هناك سؤال يتعلق بفلسفة الاتصال الحكومي نفسها.

هل البلاغ الرسمي موجه إلى الصحفيين حتى يعيدوا تحريره؟

أم هو موجه إلى المواطن؟

أم أنه وثيقة أرشيفية توثق كل ما قيل في الاجتماع؟

أم أنه محاولة لإثبات حجم العمل الحكومي من خلال تعداد أكبر عدد ممكن من المشاريع؟

عندما تجتمع كل هذه الوظائف في نص واحد، يصبح البلاغ طويلاً بالضرورة، لكنه يفقد في المقابل أهم خصائص الاتصال الحديث: الوضوح، السرعة، الأولوية، وسهولة القراءة.

المفارقة: التحول الرقمي… والاتصال غير الرقمي

المفارقة الأكثر إثارة أن البلاغ نفسه يعلن أن تونس تتجه نحو «إدارة ذكية» وأن التحول الرقمي يتجاوز مجرد رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة المسارات الإدارية.

لكن ماذا عن إعادة هندسة طريقة مخاطبة المواطن؟

الرقمنة لا تعني فقط تحويل الورقة إلى شاشة.

والاتصال الرقمي لا يعني فقط نشر البلاغ على فيسبوك.

فالمحتوى الرقمي له قواعده الخاصة: عنوان واضح، معلومة أساسية في البداية، فقرات قصيرة، نقاط محددة، وأهم شيء أن يعرف القارئ بسرعة ما الذي يهمه.

أما نشر نص طويل على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتظار المواطن لكي يقرأه من أوله إلى آخره، فهو أقرب إلى نقل البلاغ الإداري التقليدي من الورق إلى الهاتف.

ليست رئاسة الحكومة وحدها

المسألة لا تتوقف عند رئاسة الحكومة.

فهذا الأسلوب أصبح ملاحظاً في عدد من البلاغات الوزارية، حيث تتحول بيانات الوزارات إلى نصوص طويلة تتضمن خلفيات وتفاصيل وقوائم ومواقف وتصريحات، وأحياناً معلومات يمكن فصلها بسهولة في مواد مستقلة.

ووزارة الخارجية أيضاً… أين دور المعهد الدبلوماسي؟

وتبرز هنا حالة وزارة الشؤون الخارجية بشكل خاص، لا فقط بسبب طول عدد من بلاغاتها، وإنما أيضاً بسبب سؤال أوسع: ما هو دور المعهد الدبلوماسي في تطوير مهارات الاتصال والبلاغة الدبلوماسية لدى إطارات الوزارة؟

فإذا كانت الدبلوماسية الحديثة تقوم على حسن إدارة الرسائل، واختيار الكلمات، وتحديد الأولويات، والتواصل السريع والدقيق مع وسائل الإعلام والرأي العام، فإن من المشروع التساؤل عما إذا كان المعهد الدبلوماسي يضطلع بدور في تكوين الدبلوماسيين والإطارات المكلفة بالاتصال في هذا المجال.

هل يتضمن التكوين الدبلوماسي التونسي دروساً أو برامج في الاتصال الاستراتيجي، وإدارة الأزمات الإعلامية، وصياغة البيانات والبلاغات، والاتصال الرقمي، والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

وهل توجد داخل الوزارة قواعد واضحة تحدد الفرق بين بلاغ إعلامي سريع، وبيان دبلوماسي، وورقة معلومات تفصيلية، ووثيقة مرجعية؟

ثم من يقرر أن اجتماعاً أو لقاءً دبلوماسياً يحتاج إلى نص طويل يضم كل التفاصيل، بدلاً من رسالة مركزة تضع المعلومة الأساسية في الواجهة وتترك التفاصيل لمن يريد التوسع؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية العمل الدبلوماسي أو من حجم المعلومات التي تنتجها الوزارة، وإنما تتعلق تحديداً بكيفية تحويل هذه المعلومات إلى رسائل فعالة.

فالدبلوماسي لا يحتاج فقط إلى معرفة ماذا يقول، وإنما أيضاً متى يقول، وكيف يقول، وكم يقول.

وهنا تحديداً يمكن أن يكون للمعهد الدبلوماسي دور يتجاوز التكوين التقليدي في العلاقات الدولية والقانون والمفاوضات، ليشمل مهارات الاتصال الحديثة، بما في ذلك كتابة البيانات المختصرة، وصياغة الرسائل الرقمية، والتعامل مع الإعلام، وإدارة الأزمات الاتصالية.

وفي عصر تتنافس فيه الحكومات والدول على جذب انتباه الرأي العام العالمي، لم يعد طول البيان دليلاً على قوة الرسالة.

أحياناً، تكون جملتان دقيقتان أكثر تأثيراً من صفحتين كاملتين.

ومن هنا يطرح طول بعض بلاغات وزارة الخارجية سؤالاً يستحق الإجابة: هل تمتلك الدبلوماسية التونسية استراتيجية اتصال توازي استراتيجيتها الدبلوماسية؟ وإذا كانت موجودة، فأين يظهر دور المعهد الدبلوماسي في صياغتها وتطويرها؟

ماذا تفعل دول أخرى؟

المقارنة الدولية لا تعني أن المؤسسات الأجنبية تكتب دائماً جملتين فقط. فالبيت الأبيض الأمريكي، مثلاً، ينشر بيانات مطولة و«Fact Sheets» ووثائق تفصيلية إلى جانب البيانات المختصرة. لكن موقعه الرسمي يفصل بين هذه الأنواع من المحتوى، ولا يجعل كل معلومة بالضرورة جزءاً من البيان الأساسي.

بل إن الموقع الرسمي للبيت الأبيض يضع ضمن أقسامه المنفصلة البيانات، والبيانات التفسيرية، و«بطاقة معلومات تفصيلية »، والتصريحات والإجراءات الرئاسية، وهو ما يسمح بأن تكون الرسالة الأساسية مختصرة، بينما تبقى التفاصيل متاحة لمن يريد التعمق.

وهذه نقطة يمكن أن تتعلم منها الإدارة التونسية شيئاً بسيطاً: ليس مطلوباً حذف المعلومات، وإنما تنظيمها.

لماذا لا يكون البلاغ في 150 كلمة والتفاصيل في رابط؟

كان بالإمكان مثلاً أن يصدر البلاغ في بضعة فقرات:

انعقد مجلس وزاري حول التحول الرقمي.

تم استكمال عدد من المشاريع.

114 مشروعاً مازالت قيد الإنجاز.

سيتم إطلاق تطبيق «خدمات» بأكثر من 40 خدمة.

تمت متابعة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.

ثم رابط بعنوان:

«التفاصيل الكاملة لمشاريع التحول الرقمي»

وهكذا يحصل القارئ العادي على ما يحتاجه خلال أقل من دقيقة، بينما يستطيع الصحفي والباحث والمختص الاطلاع على كل التفاصيل.

هذه هي فلسفة الاتصال الرقمي الحديثة: المعلومة الكاملة متاحة، لكن لا تفرض نفسها كاملة على الجميع.

هل طول البلاغ دليل على كثرة العمل؟

هناك جانب آخر يستحق النقاش.

في بعض الأحيان، يمكن أن يعطي طول البلاغ انطباعاً بأن كثرة الكلمات تعني كثرة الإنجازات.

لكن المواطن لا يقيس نجاح مشروع رقمنة الإدارة بعدد المنصات المذكورة في البلاغ، وإنما يسأل سؤالاً أبسط:

هل أنجزت معاملتي بسرعة أكبر؟

هل أستطيع تجديد وثيقة دون التنقل؟

هل يمكنني الدفع إلكترونياً؟

هل توقفت الطوابير؟

هل أصبحت الخدمة متاحة من هاتفي؟

هل تعمل المنصة فعلاً؟

وهنا يصبح قياس الأثر أهم من تعداد المشاريع.

البلاغ الذي يحتاج إلى «رقمنة»

المفارقة أن البلاغ نفسه يكرر مفاهيم مثل «النجاعة»، و«قياس الأداء»، و«الأثر الفعلي»، و«ترشيد الموارد»، و«إعادة هندسة المسارات».

لكن هذه المبادئ يجب أن تنطبق أيضاً على الاتصال الحكومي.

فإذا كان الهدف الوصول إلى المواطن، فإن كل كلمة زائدة قد تكون خطوة إضافية تفصل المواطن عن المعلومة التي يبحث عنها.

وفي زمن الهاتف الذكي وفيديوهات لا تتجاوز ثواني معدودة ومنصات تختصر الأخبار في عناوين، يصبح السؤال مشروعاً:

هل مازالت البلاغات الحكومية التونسية مكتوبة بعقلية القارئ الذي كان يقرأ الصحيفة الورقية كاملة، أم أنها بدأت فعلاً تخاطب مواطن العصر الرقمي؟

لأن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بالمنصة والتطبيق فقط.

قد يبدأ أيضاً من البلاغ.

blank