حطام ضخم يواجه الأمواج منذ عقود.. سفن احترقت وأخرى جنحت في العواصف، و«هامادا إس» التي جاءت إلى بنزرت للإصلاح وانتهت هي الأخرى أسيرة الشاطئ
بالنسبة إلى كثير من زوار شاطئ الرمال ببنزرت، لا يعدو الأمر أن يكون مشهداً غريباً يضيف شيئاً من الإثارة إلى رحلة الاصطياف: هيكل سفينة عملاقة صدئة، نصفها غارق في البحر ونصفها الآخر يقاوم الأمواج، يقترب منها بعض المغامرين للسباحة أو التقاط الصور.
لكن خلف هذا المشهد حكاية تمتد إلى أكثر من أربعة عقود.
شاطئ الرمال، القريب من منزل جميل بولاية بنزرت، اكتسب شهرة خاصة بسبب بقايا سفن جنحت في المنطقة، حتى أصبح يُشار إليه في بعض المصادر باسم «مقبرة السفن» أو «شاطئ السفن». وتظهر صور ومصادر متخصصة وجود أكثر من حطام في المنطقة، وليس سفينة واحدة فقط.
البداية تعود إلى سنة 1983
أقدم فصل بارز في هذه الحكاية يرتبط بالسفينة اليونانية «تاربون سنتينل»، وهي ناقلة بضائع ضخمة بنيت سنة 1968 في اليابان، وكان طولها نحو 185 متراً ووزنها الإجمالي أكثر من 23 ألف طن.
في أكتوبر 1983، كانت السفينة راسية قبالة بنزرت عندما اشتدت الأحوال الجوية، فانجرف مرساها، وجنحت السفينة ثم انقسمت إلى جزأين. وتؤكد سجلات الملاحة أن الحطام بقي في منطقة الرمال منذ ذلك الوقت.
واللافت أن صوراً التقطت في بنزرت سنة 1989 توثق وجود الحطام بالفعل في المكان، أي أن هذا المشهد الذي يراه أبناء الأجيال الجديدة ليس وليد السنوات الأخيرة، بل هو جزء من ذاكرة الساحل البنزرتي منذ أكثر من أربعين عاماً.

سفينة أخرى.. «يدرا» دخلت الحكاية
وفي جانفي 1983، أي قبل حادثة «تاربون سنتينل» بأشهر، تعرضت سفينة شحن يونانية أخرى تحمل اسم «يدرا» لحريق كبير في غرفة المحركات، قبل أن تجنح قرب بنزرت في اليوم التالي.
السفينة كانت قد بنيت سنة 1966 في بريطانيا، وحملت قبل اسم «يدرا» اسمي «مانشستر فورت» ثم «بيوكوفو». وتشير سجلات السفن إلى أن الحريق كان السبب المباشر في نهايتها قبالة بنزرت.
وبقيت بقايا «يدرا» لعقود جزءاً من المشهد البحري للمنطقة، قبل أن تشير مصادر متخصصة في حطام السفن إلى أنه تم تفكيكها في مكانها خلال الفترة الممتدة تقريباً بين 2009 و2012.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي قد لا يعرفها كثيرون: بعض الصور والمعلومات السياحية الحديثة ما زالت تطلق اسم «يدرا» على أحد الحطام الموجود في الرمال، رغم أن مصادر متخصصة في تاريخ السفن تؤكد أن الحطام الظاهر حالياً في ذلك الموقع يعود إلى «تاربون سنتينل»، بينما اختفت معظم بقايا «يدرا».

ثم جاءت «هامادا إس».. الحادثة التي أعادت مقبرة السفن إلى الواجهة
لكن قصة الرمال لم تنتهِ عند حطامي الثمانينيات.
في ديسمبر 2019، ظهرت سفينة جديدة في المكان، وهذه المرة كانت الحكاية أكثر إثارة.
اسمها «هامادا إس»، وهي سفينة شحن متعددة الأغراض بنيت في تركيا سنة 1977، وكانت ترفع علم توغو وتعود إلى شركة ملاحة تركية. وكانت متجهة من الجزائر إلى بنزرت بهدف الخضوع لأعمال إصلاح في تونس.
السفينة تعرضت لعطب وهي قبالة بنزرت، وتعذر عليها مواصلة طريقها. ومع تدهور الأحوال الجوية وانجرافها، فقدت مرساتها، وانتهت في 10 ديسمبر 2019 إلى الجنوح قرب شاطئ الرمال.
وتؤكد قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية الخاصة بالسفن المهجورة أن السفينة أصبحت جانحة في بنزرت، وأن وضعها كان ينطوي على خطر حدوث أضرار وتلوث.
كانت على متنها مجموعة من البحارة من جنسيات مختلفة، واضطروا إلى البقاء على متن السفينة في ظروف صعبة قبل أن تتدخل السلطات التونسية لإجلائهم.
وفي 7 جانفي 2020، قامت وحدات الحماية المدنية والحرس البحري والحرس الديواني بإجلاء أفراد الطاقم من السفينة الجانحة، بعد فشل محاولات إخراجها. وكان عدد أفراد الطاقم الذين تم إجلاؤهم عشرة بحسب مصادر تونسية رسمية وإعلامية، بينما تظهر بعض قواعد بيانات السفن رقماً مختلفاً في مرحلة سابقة من الحادثة.
هل خلفت الحادثة قتلى؟
بحسب المصادر التي أمكن العثور عليها، لا توجد مؤشرات موثوقة على سقوط قتلى من أفراد طاقم «هامادا إس» في حادثة جنوحها بشاطئ الرمال.
بل على العكس، تؤكد المعطيات المتوفرة أن أفراد الطاقم تم إجلاؤهم لاحقاً وإعادتهم إلى بلدانهم. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن أفراد الطاقم كانوا قد غادروا السفينة وتمت إعادتهم إلى أوطانهم في يناير 2020.
أما بالنسبة إلى حطامي «تاربون سنتينل» و«يدرا» في الثمانينيات، فلم أعثر في المصادر المتاحة على ما يثبت وقوع وفيات بشرية مرتبطة مباشرة بجنوحهما قبالة الرمال.
لذلك، فإن الحديث أحياناً عن «ضحايا» أو «موتى» في قصة حطام الرمال يحتاج إلى الحذر، لأن المصادر التاريخية المتوفرة توثق حوادث جنوح وحرائق وأضراراً مادية، لكنها لا تقدم دليلاً واضحاً على سقوط قتلى في هذه الحوادث تحديداً.
هل كان جنوح «هامادا إس» حادثاً عرضياً فعلاً؟
هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في القصة.
في ديسمبر 2019، أثارت الكنفدرالية الدولية لعمال النقل شكوكاً حول ظروف الحادث، وطرح مسؤولون فيها احتمال أن يكون ترك السفينة على الساحل التونسي متعمداً بهدف التخلص منها والاستفادة من التأمين.
لكن المهم هنا هو أن هذه كانت شكوكاً واتهامات طرحتها جهات نقابية ولم يثبت من المصادر المتاحة أنها تحولت إلى حقيقة قضائية نهائية.
كما أن التحقيقات الميدانية كشفت وجود ثقوب في هيكل السفينة وتسرب مياه إليها، وهو ما دفع السلطات إلى محاولة تأمين محيطها والبحث عن حلول تقنية لإخراجها.
وهكذا تحولت الرمال، مرة أخرى، إلى مكان تتقاطع فيه أخطاء الملاحة وسوء الأحوال الجوية ومشكلات السفن القديمة مع سؤال أكبر: من يتحمل مسؤولية السفينة عندما تتحول من وسيلة نقل إلى حطام على الشاطئ؟
وماذا عن البيئة البحرية؟
هنا تبدأ القصة الأكثر حساسية.
وجود سفينة تجارية ضخمة لسنوات طويلة في البحر ليس مسألة جمالية فقط.
فالهياكل الحديدية القديمة تتعرض للتآكل، وقد تحتوي السفن المهجورة على بقايا وقود وزيوت ومواد كيميائية ودهانات ومواد أخرى يمكن أن تصبح مصدراً للتلوث إذا تحطم الهيكل أو تسربت محتوياته.
وفي حالة «هامادا إس» تحديداً، لم يكن الخطر البيئي مجرد افتراض نظري؛ إذ حذرت منظمة العمل الدولية، عند توثيق حادثة الجنوح، من خطر وقوع أضرار وتلوث.
لكن في المقابل، لا توجد في المصادر التي راجعناها أدلة موثوقة على حدوث كارثة تلوث نفطي واسعة النطاق بسبب حطام «هامادا إس» أو «تاربون سنتينل».
وهذا تمييز مهم جداً.
فالحطام قد يمثل خطراً بيئياً محتملاً، وقد يؤثر في قاع البحر والتيارات والرمال والكائنات البحرية، لكنه لا يعني بالضرورة أن المنطقة تعرضت لتلوث نفطي كبير.
بل إن الحطام البحري، مع مرور الزمن، يمكن أن يتحول أيضاً إلى موئل للكائنات البحرية، إذ تستقر عليه الطحالب وبعض الكائنات وتجد الأسماك مأوى بين أجزائه. لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى مراقبته والتأكد من عدم وجود مواد ملوثة داخله.
مفارقة أخرى: الحطام أصبح جزءاً من هوية المكان
المثير في شاطئ الرمال أن ما بدأ كحوادث بحرية مؤلمة تحول بمرور الوقت إلى عنصر من عناصر هوية المكان.
فالسائح يرى الحديد الصدئ والمياه الزرقاء فيلتقط صورة.
أما ابن بنزرت القديم، فيرى شيئاً آخر: ذاكرة عقود من الحوادث البحرية، وسفناً جاءت إلى المنطقة ولم تعد منها.
وتصف مصادر سياحية المكان بأنه من أبرز المواقع غير المألوفة في بنزرت، حيث تظهر الهياكل الضخمة للسفن بالقرب من الشاطئ، بينما تنتشر في المنطقة أجزاء معدنية من حطام أخرى.
بل إن المشهد أصبح إلى درجة أنه ألهم عملاً فنياً في مدينة منزل جميل، عندما أنجز فنان محلي تمثالاً مستوحى من حطام السفينة «تاربون سنتينل» والأمواج المحيطة بها.
لكن هناك تحذيراً لا يجب تجاهله
رغم أن الحطام أصبح معلماً يجذب المصورين والمغامرين، فإن الاقتراب منه أو تسلقه ليس نشاطاً سياحياً عادياً.
الحديد المتآكل يمكن أن يكون حاداً وقابلاً للانهيار، وبعض أجزاء السفن قد تكون غير مستقرة، كما أن دخول التجاويف الداخلية أو القفز منها إلى البحر يحمل مخاطر إضافية.
وتشير مصادر محلية وسياحية إلى أن المنطقة قريبة من نطاق عسكري، كما توجد في محيطها منطقة للرماية، وهو عامل آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند زيارة الموقع.
شاطئ الرمال.. متحف مفتوح أم مشكلة مؤجلة؟
ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: كيف وصلت هذه السفن إلى هنا؟
بل أيضاً: ماذا نفعل بها بعد أن أصبحت جزءاً من المشهد منذ عقود؟
فـ«تاربون سنتينل» موجودة منذ 1983، و«هامادا إس» منذ 2019، وقد أصبحت المنطقة واحدة من أكثر المواقع البحرية غرابة في بنزرت.
لكن تحويل هذا المكان إلى نقطة جذب سياحي حقيقية يحتاج إلى دراسة بيئية وسلامة ميدانية وتاريخ موثق، بدلاً من ترك الحطام بين البحر والرمال ليأكله الصدأ عاماً بعد عام.
وربما يكون أجمل ما يمكن فعله هو أن تُروى قصة المكان للأجيال الجديدة كما هي: هنا لم تكن هناك سفينة واحدة فقط، بل سلسلة من الحوادث البحرية التي تركت وراءها مقبرة من الحديد، تحولت مع الزمن إلى ذاكرة صامتة على شاطئ الرمال.
وكلما ضربت الأمواج تلك الهياكل الصدئة، بدا الأمر وكأن البحر نفسه يعيد سرد القصة من جديد
ملاحظة هامة أثناء البحث ظهر أن كثيراً من المواقع السياحية تسمي الحطام القديم في الرمال «يدرا»، لكن المصادر المتخصصة في تاريخ السفن تميز بين «يدرا» و**«تاربون سنتينل»**، وتشير إلى أن «يدرا» فُككت في موقعها تقريباً بين 2009 و2012، بينما الحطام الكبير الذي بقي هو «تاربون سنتينل»، إلى جانب «هامادا إس» التي جنحت سنة 2019.