الرئيسيةآخر الأخبارغوتيريش وتونس.. «صوت الحكمة» الذي لم يتغير

غوتيريش وتونس.. «صوت الحكمة» الذي لم يتغير

للعام الثاني على التوالي، يعود أنطونيو غوتيريش إلى العبارة نفسها تقريباً: تونس «صوت الحكمة في منطقة المتوسط». ويبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة لم يجد، هذه المرة أيضاً، ما يدفعه إلى تغيير قاموسه الدبلوماسي عندما يتحدث عن تونس.

خلال لقائه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي في نيويورك، على هامش مشاركة تونس في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، جدد الأمين العام للأمم المتحدة إشادته بما وصفه بمواقف تونس الرصينة إزاء القضايا الدولية الراهنة، معتبراً إياها «صوت الحكمة في منطقة المتوسط»، وفق ما أورده بلاغ وزارة الخارجية.

blank
blank

لكن هذه المرة توجد وثيقة أخرى تستحق التوقف.

فالمتحدث باسم الأمم المتحدة نشر على حسابه الرسمي في منصة «إكس» تأكيداً للقاء، وقال إن أنطونيو غوتيريش التقى محمد علي النفطي، وإن الجانبين بحثا التعاون والتطورات الإقليمية، بما في ذلك ليبيا والشرق الأوسط.

واللافت هنا أن الصياغة الأممية المنشورة عبر المتحدث الرسمي جاءت أكثر اختصاراً وهدوءاً من الصياغة الواردة في البلاغ التونسي. فهي تؤكد اللقاء والملفات التي نوقشت، لكنها لا تكرر في المنشور نفسه عبارة «صوت الحكمة في المتوسط» ولا التفاصيل الإضافية التي أوردتها وزارة الخارجية بشأن الديمقراطية والدبلوماسية التونسية.

blank

وهذه ليست بالضرورة مفارقة، بقدر ما هي صورة مألوفة في البيانات الدبلوماسية: كل جهة تقول ما تريد قوله، وبالقدر الذي تراه مناسباً.

ففي العام الماضي كانت تونس، في خطاب غوتيريش، «صوت الحكمة» بسبب مواقفها الرصينة. أما هذا العام فقد اتسعت قائمة المبررات في البلاغ التونسي: قيادة رشيدة في التعاطي مع الأزمات والتحديات التي تواجه المنطقة، ودبلوماسية رصينة، فضلاً عن ديمقراطية حكيمة، وفق ما نقلته وزارة الخارجية.

بمعنى آخر، العبارة القديمة بقيت في مكانها، لكن يبدو أن ملفها هذه السنة جاء أكثر سمكاً.

ولا يتعلق الأمر بمجرد مجاملة دبلوماسية عابرة. فغوتيريش جدد، خلال اللقاء، تقديره للتعاون القائم بين تونس والأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة، كما أشاد بالدعم التونسي المتواصل للجهود الأممية، وخاصة تلك المرتبطة بالاستقرار في ليبيا.

ويأتي ذلك متطابقاً في جانب منه مع ما نشره المتحدث باسم الأمم المتحدة، الذي حدد ليبيا والشرق الأوسط ضمن التطورات الإقليمية التي كانت محور النقاش بين غوتيريش والوزير التونسي.

واللافت أيضاً أن الأمين العام أكد استعداد المنظمة الدولية لمواصلة العمل والتنسيق الوثيق مع تونس والتفاعل بصورة إيجابية مع الصعوبات التي تواجهها.

في الدبلوماسية، ليست الكلمات زينة توضع على هامش اللقاءات الرسمية. أحياناً تكون الكلمات نفسها هي الرسالة.

ومن هذه الزاوية، فإن تكرار عبارة «صوت الحكمة في المتوسط» للعام الثاني على التوالي يستحق الانتباه، خصوصاً أن المنطقة لم تصبح خلال هذه الفترة أكثر هدوءاً حتى يصبح وصف الحكمة أمراً سهلاً.

على العكس تماماً، المتوسط وما حوله يمران بمرحلة شديدة التعقيد، من الحرب في غزة إلى الأزمة الليبية، مروراً بملفات الهجرة والأمن والطاقة والتحولات المتسارعة في العلاقات الدولية.

وفي خضم كل ذلك، يصر خطاب غوتيريش، بحسب ما تنقله الخارجية التونسية، على وضع تونس في خانة مختلفة: دولة تحاول إدارة علاقاتها وأزماتها الإقليمية من دون أن تتحول إلى طرف في أزمات جيرانها.

وقد يكون هذا تحديداً ما يجعل العبارة قابلة للتكرار.

فالعام الماضي كانت «الحكمة» عنواناً للموقف التونسي. وهذا العام أصبحت، وفق البلاغ نفسه، مرتبطة أيضاً بطريقة إدارة الأزمات والعلاقات مع المحيط.

أما تونس، فلم تفوّت المناسبة بالطبع لتعيد التأكيد على ثوابتها المعروفة: التمسك بتعددية الأطراف، والدور المحوري للأمم المتحدة، ودعم القضية الفلسطينية، والتذكير بالمشاركة التونسية المتواصلة في عمليات حفظ السلام منذ الاستقلال.

ولعل الطريف في الأمر أن الدبلوماسية التونسية والأمم المتحدة تبدوان، في هذه النقطة على الأقل، متفقتين على شيء واحد: لا داعي لتغيير العبارة ما دامت لا تزال صالحة للاستعمال.

لكن بعيداً عن التهكم الخفيف، فإن تكرار التوصيف الأممي يحمل دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها. فغوتيريش لا يتحدث فقط عن تونس بوصفها عضواً في الأمم المتحدة، وإنما يشير إلى دورها في محيط إقليمي شديد الحساسية، وفي مقدمته الملف الليبي، إلى جانب التطورات في الشرق الأوسط.

والأهم أن الإشادة هذه السنة لم تتوقف عند «المواقف الرصينة»، بل شملت، وفق البلاغ التونسي، طريقة تعامل تونس مع أزمات المنطقة وعدم دخولها في أزمات مع جوارها المباشر أو الإقليمي.

وفي المقابل، فإن الرواية الرسمية المنشورة من جانب الأمم المتحدة تضع أمامنا ثلاثة عناوين واضحة للقاء: التعاون، ليبيا، والشرق الأوسط.

وهكذا، وبعد عام كامل، يبدو أن تونس لا تزال تحتفظ في قاموس غوتيريش باللقب نفسه: «صوت الحكمة في المتوسط».

أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً فهو: هل أصبح هذا الوصف عنواناً ثابتاً للدبلوماسية التونسية في نظر الأمم المتحدة، أم أن غوتيريش ببساطة وجد عبارة ناجحة فلم ير سبباً لتغييرها؟

في السياسة، أحياناً يكون الاستمرار في العبارة أهم من البحث عن عبارة جديدة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى