مع كل صيف جديد، تزداد درجات الحرارة في تونس، وتتحول أجهزة التكييف إلى ضرورة في آلاف المنازل، بينما تقف الشبكة الكهربائية تحت ضغط غير مسبوق. لكن قبل عقود، وقبل أن يعرف التونسيون المكيفات والمراوح الكهربائية، كيف كانوا يعيشون أشهر الصيف الحارة؟
يرى الخبير البيئي حمدي حشاد أن الإجابة تكمن في العمارة التقليدية التونسية، التي لم تكن مجرد أسلوب بناء، بل منظومة متكاملة صممت للتكيف مع المناخ المحلي، مستفيدة من خبرة تراكمت عبر قرون طويلة.
ويقول حشاد إن المنازل القديمة في الأرياف التونسية، كما في المدن العتيقة مثل تونس والقيروان وصفاقس وسوسة وتوزر ونفطة، كانت تُشيَّد وفق قواعد تراعي اتجاه الشمس وحركة الرياح وخصائص المواد المحلية، وهو ما جعلها تحافظ على درجات حرارة معتدلة حتى في ذروة الصيف.
الجدران السميكة… بطارية طبيعية للبرودة
اعتمد البناؤون قديمًا على الحجر والطين والجير العربي، وهي مواد تمتلك قدرة عالية على تخزين البرودة أثناء الليل وإطلاقها تدريجيًا خلال النهار، وهي خاصية تعرف في الهندسة الحرارية باسم الكتلة الحرارية.
أما الجدران البيضاء المطلية بالجير، فكانت تعكس نسبة كبيرة من أشعة الشمس، كما تسمح بخروج الرطوبة من الجدران، وهو ما يمنع ارتفاع الحرارة داخل المنزل ويحسن الإحساس بالراحة.
الفناء الداخلي… مكيف قبل اختراع الكهرباء
من أبرز عناصر العمارة التونسية التقليدية وجود الفناء الداخلي، أو « وسط الدار »، الذي لم يكن مجرد مساحة مفتوحة، بل عنصرًا أساسيًا في التهوية الطبيعية.
فالهواء الساخن يرتفع إلى أعلى، بينما يدخل الهواء الأكثر برودة عبر المداخل والنوافذ، ما يخلق حركة هوائية مستمرة تساعد على تبريد المنزل بشكل طبيعي، خصوصًا عند وجود نباتات أو نافورة ماء داخل الفناء.
أسقف عالية ونوافذ متقابلة
كما اعتمدت المنازل التقليدية على أسقف مرتفعة تسمح بتجمع الهواء الساخن بعيدًا عن مستوى الجلوس، إضافة إلى نوافذ متقابلة تضمن مرور الرياح وتجديد الهواء باستمرار، وهي مبادئ لا تزال تعتمدها العمارة البيئية الحديثة في مختلف أنحاء العالم.
ماذا تغير اليوم؟
في المقابل، يوضح حشاد أن جزءًا كبيرًا من المباني الحديثة في تونس يعتمد على الخرسانة المسلحة والواجهات الزجاجية والأسقف الرقيقة، مع تراجع استخدام التظليل الطبيعي وغياب التهوية المدروسة.
ويضيف أن هذه المباني تمتص الحرارة بسرعة وتحتفظ بها لساعات طويلة، ما يجعلها تتحول إلى « فخاخ حرارية »، تدفع السكان إلى تشغيل أجهزة التكييف لساعات طويلة.
ويتابع: « في كثير من الأحيان نصرف الكهرباء لمعالجة مشكلة تسبب فيها التصميم نفسه. فالمبنى الذي لا يحترم المناخ المحلي يفرض على ساكنيه استهلاكًا أكبر للطاقة. »
دروس من الماضي لمواجهة المستقبل
ويؤكد الخبير البيئي أن العودة إلى مبادئ العمارة التقليدية لا تعني التخلي عن التقنيات الحديثة، بل تعني دمج الخبرة المحلية مع الابتكار.
فاستعمال الجير العربي، وزراعة الأشجار حول المباني، واعتماد المظلات، وتصميم الأفنية الداخلية، ورفع الأسقف، وتحسين التهوية الطبيعية، كلها حلول يمكن أن تخفض درجات الحرارة داخل المنازل بعدة درجات، وتقلل الحاجة إلى تشغيل المكيفات.
تحدٍ مناخي يفرض مراجعة أساليب البناء
وتأتي هذه الدعوة في وقت تشهد فيه تونس موجات حر أكثر تكرارًا وأطول مدة نتيجة التغيرات المناخية، وهو ما يرفع استهلاك الكهرباء، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية.
ويختم حشاد بالقول إن المستقبل لن يكون في زيادة عدد أجهزة التكييف فقط، بل في بناء مساكن ذكية تتكيف مع المناخ، كما فعل الأجداد، مضيفًا: « التكييف الحقيقي لا يبدأ من زر تشغيل المكيف، بل يبدأ منذ رسم أول خط في تصميم المنزل. »
فالعمارة التقليدية التونسية لم تكن مجرد تراث معماري، بل كانت علمًا في إدارة الحرارة قبل أن تعرف البشرية أجهزة التبريد الحديثة، وربما تحمل اليوم جزءًا من الحل لمواجهة صيف يزداد قسوة عامًا بعد آخر.



