إذا فتحت فيسبوك اليوم في تونس، فلن تجد نقاشاً حول الطقس أو الاقتصاد، بل ستجد بحراً من الجمبري. نعم، الكروفات الوردية والبيضاء التي كانت حتى وقت قريب تُعامل معاملة القطع الأثرية النادرة وتُعرض في واجهات المغازات كالمجوهرات، قررت فجأة أن تنزل من برجها العاجي. وبسبب تحولات مناخية مفاجئة غيّرت مزاج البحر، تهاوت أسعارها بشكل تاريخي لتتأرجح بين 6 و8 دنانير فقط، لتصنع مفارقة اقتصادية جعلتها أرخص من كيلو الاسكالوب ودجاج المزارع.
التونسي، بمعادلته الجينية الساخرة، لم يفوّت هذه الفرصة التاريخية، وبدلاً من الاكتفاء بطهيها بالطرق التقليدية، انطلقت ثورة من التندر الرقمي والأكلات المستحيلة التي اجتاحت الشاشات من اللبلابي إلى الغريبة. حيث قرر أهالي بنزرت المزج بين شعبية اللبلابي الحارق وفخامة الجمبري، في ساندويتش يجعلك تشعر بالدلال والفقر في آن واحد، وهو ما وثقته الصور المتداولة لإعلان إطلاق كسكروت لبلابي بالكروفات الخيالي.
ولم يقف الأمر عند الأكل والوجبات الساخنة، بل تداول رواد مواقع التواصل صوراً طريفة لجمبري يسبح في كوب إكسبريسو أو كابوتشينو مثلج، كدليل على أن الكروفات أصبحت ترافق التونسي حتى في تعديل مزاجه الصباحي.

أما القنبلة الحقيقية فكانت دخول الجمبري عالم الحلويات التقليدية، فبفضل الذكاء الاصطناعي ومخيلة الفايسبوكية، انتشرت صور لـ غريبة الحمص الشهيرة وهي محشوة بالجمبري والمعدنوس، في توليفة تثير صدمة ذواقة الحلويات قبل عامة الشعب.

ولم تقتصر السخرية على الصور المفبركة والميمز، بل تحولت إلى مواقف يومية مضحكة تعيشها العائلات التونسية في بيوتها وأسواقها. فقد انتشرت نكتة بين الشباب التونسي تقول إن شروط الزواج تغيرت كلياً، وصار الشاب يذهب لخطبة حبيبته ومعه سطل كروفات بدلاً من علبة الشوكولاتة الفاخرة، كدليل على الاهتمام برغد العيش والفخامة البديلة. وفي الأحياء الشعبية، شوهدت لافتات لبعض محلات الملاوي تعلن عن ملاوي دبل كروفات بنفس سعر ملاوي البيض والجبن، مما جعل الجمبري الوجبة السريعة الرسمية لطلاب المدارس والجامعات.

المفارقة الأكبر تجلت في كواليس البيوت، فبعد أن كان الأولاد يقيمون الأفراح إذا اشتموا رائحة السمك، تحول الوضع إلى تمرد عائلي حقيقي. وتعج التدوينات بتعليقات لأمهات يشتكين من احتجاج الأطفال وتبكيهم قائلين إنهم كرهوا الجمبري ويسألون بضجر إن كانوا سيأكلون الكروفات كل يوم، مطالبين بالعودة إلى وجبة العجّة بالمرقاز البسيطة.
ويبدو أن الشارع التونسي قد شبع تماماً لدرجة أن البعض بدأ يمارس الدلال الغذائي العكسي ويرفع شعار كفانا كروفات يا أخي وهاتو شوية قرنيط أو أخطبوط مثلاً. الدنيا دوارة فعلاً، والجمبري الذي كان يبتسم لنا من وراء زجاج الثلاجات بأسعار خيالية، أصبح اليوم الوجبة الروتينية المفروضة التي يهرب منها الأطفال، فسبحان مغير الأسعار، ومسخر الكروفات لكل كسكروت وملاوي وقهوة صباحية.