الرئيسية آخر الأخبار لمن ذهبت الزيادات الأخيرة؟ ولماذا بقي أصحاب الجرايات الهشة خارج الحسابات؟

لمن ذهبت الزيادات الأخيرة؟ ولماذا بقي أصحاب الجرايات الهشة خارج الحسابات؟

0
541
blank

تحت عنوان « الجرايات الدنيا خارج الزيادات… ثغرات قانونية تُعمّق الحيف الاجتماعي »، سلّط الخبير في الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، الضوء على الاختلالات الهيكلية والتأويلات القانونية المتضاربة التي صاحبت صرف الزيادات الأخيرة في جرايات التقاعد بتونس. المقال الصادر في جريدة الشعب (العدد 1907) ينتقد غياب الحوار الاجتماعي والتوجه نحو مقاربات محاسبية بحتة جاءت على حساب الإنصاف وحق الفئات الضعيفة في العيش الكريم.

إليكم النص الكامل للمقال كما ورد في المصدر:

يُعدّ الضمان الاجتماعي إحدى أهم آليات التحويلات الاجتماعية التي تعتمدها الدولة لإعادة توزيع الدخل الوطني وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، باعتباره منظومة تقوم على قيم التكافل بين الفئات الاجتماعية والمهنية، والتضامن بين الأجيال. وفي هذا الإطار، أقرّ نظام التقاعد في القطاعين العمومي والخاص مبدأ الجراية الدنيا باعتبارها الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه مهما كانت المستحقات الفعلية أو نتائج احتساب الجراية.

غير أن هذا المبدأ وجد نفسه اليوم أمام إشكاليات تطبيقية وقانونية، خاصة بعد أن أقرت الحكومة الزيادات في الأجور وعمّمتها على جرايات التقاعد بموجب قانون المالية الأخير، في إطار قرار أحادي جاء خارج مسار الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية التي يكفلها الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قِبل تونس. »

ورغم الأثر المالي لهذه الزيادات، فإن طريقة توزيعها لم تحقق الأهداف المرجوة من حيث الإنصاف والعدالة الاجتماعية، بل أثارت جدلاً واسعاً، خاصة لدى متقاعدي القطاع الخاص وأصحاب الجرايات الضعيفة والمحدودة. فقد برزت تفاوتات واضحة بين المنتفعين، في ظل غياب معايير موضوعية وشفافة لتحديد المستحقين، بما يضمن الحوكمة والمساواة بين مختلف الفئات. وقد انعكس ذلك سلباً على المردود الاجتماعي للزيادات التي رُصدت لها اعتمادات هامة على امتداد ثلاث سنوات متتالية، إذ لم تتمكن من تعزيز الدور التعديلي للدولة الاجتماعية في الحد من الفوارق الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما كان منتظراً في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ومع صرف الزيادات بمفعول رجعي بداية من شهر جانفي الماضي، برزت عدة إخلالات، لعل أبرزها ما تعلق بأصحاب الجرايات الدنيا وبعض الشرائح المهنية، نتيجة تعقّد منظومة الجرايات وتعدد أنظمتها وتداخل النصوص المنظمة لها، مما أفرز اختلافاً في التأويلات القانونية وغياب قراءة موحدة وواضحة تحدد حقوق جميع الأطراف. وأدى هذا الوضع إلى حرمان عدد من الفئات الاجتماعية والمهنية والعمرية من الانتفاع الفعلي بالزيادات، وخاصة في القطاع الخاص، وهو ما قد يدفع العديد منهم إلى سلوك مسار التظلمات والقضاء، في ظل غياب تدخل تشريعي عاجل لتدارك هذه الثغرات.

وتبقى الجراية الدنيا، التي لا تتجاوز في بعض الحالات 270 ديناراً شهرياً، مورداً وحيداً لآلاف المتقاعدين والمنتفعين. ورغم هشاشة هذه الفئة وارتفاع احتياجاتها المعيشية والصحية، فإنها لم تشملها الزيادات، في انتظار صدور نصوص ترتيبية خاصة كان من المفترض أن تتزامن مع مراجعة الجرايات.

وقد نبهت منظمات ونقابات وجمعيات عديدة إلى هذه الإخلالات، مطالبة بتسوية الوضع وإنصاف المتضررين، إلا أن السلطات المعنية لم تبادر، إلى حد الآن، باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة هذا الملف، الأمر الذي زاد من حالة الغموض والتذمر، في ظل غياب توضيحات رسمية تضمن الحق في الإعلام وتبين الأسس القانونية المعتمدة.

إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها مجرد إجراء اجتماعي أو استجابة ظرفية، وإنما باعتبارها التزاماً دستورياً وأحد الواجبات الأساسية المحمولة على الدولة تجاه مواطنيها، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة. فالمقاربة المحاسبية، على أهميتها في الحفاظ على توازنات منظومات الضمان الاجتماعي، لا يمكن أن تكون على حساب أحد أهم أسس الدولة الاجتماعية، والمتمثل في ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، والحد من الفقر والهشاشة، وترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف والتضامن الاجتماعي.