الرئيسية آخر الأخبار حين يموّل الاتحاد الأوروبي وتبني الصين: معادلة غريبة في تونس

حين يموّل الاتحاد الأوروبي وتبني الصين: معادلة غريبة في تونس

0
2761
blank

لطالما قُدّمت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين باعتبارها مزيجًا من الشراكة والمنافسة، لكن المشهد في تونس يكشف مفارقة جيوسياسية لافتة: المؤسسات المالية الأوروبية تساهم في تمويل مشاريع استراتيجية، بينما تتولى شركات صينية عملاقة تنفيذها.

في الوقت الذي ترفع فيه بروكسل مستوى التحذير من تمدد النفوذ الصيني في البنى التحتية الحيوية الأوروبية، خصوصًا الموانئ وشبكات النقل، تجد شركات صينية طريقها إلى مشاريع كبرى في تونس عبر قنوات تمويل أوروبية.

جسر بنزرت… مشروع صيني بأموال أوروبية

أبرز مثال على هذه المعادلة هو مشروع جسر بنزرت الجديد، الذي يمثل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في تونس.

فقد وقعت الحكومة التونسية اتفاقًا بقيمة تناهز 250 مليون يورو مع شركة المجمع الصيني للطرقات والجسور في سيتشوان لتنفيذ المشروع.

الجسر، الذي سيمتد على أكثر من كيلومترين فوق منطقة استراتيجية بين بحيرة بنزرت والبحر الأبيض المتوسط، يهدف إلى تحسين الربط بين المدينة وبقية مناطق البلاد، لكنه يحمل أيضًا أهمية لوجستية بحكم قربه من ميناء بنزرت.

المفارقة أن تمويل المشروع لا يأتي من الصين، بل من مؤسسات مالية دولية من بينها البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الإفريقي للتنمية.

أي أن المعادلة تبدو كالتالي:
المال الأوروبي… والتنفيذ الصيني… والبنية التحتية تونسية.

قطارات صينية بتمويل أوروبي

المشهد نفسه يتكرر في قطاع السكك الحديدية.

فقد أبرمت الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية عقدًا مع شركة CRRC الصينية لاقتناء خمس قطارات كهربائية متعددة العربات بقيمة 38.2 مليون يورو.

لكن المشروع يندرج ضمن برنامج ممول من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في إطار دعم النقل المستدام وتطوير البنية التحتية الخضراء.

مرة أخرى، تظهر المعادلة نفسها:
تمويل أوروبي لتعزيز قطاع تنفذه شركة صينية.

لماذا يقلق الأوروبيون من الصين؟

هذه المشاريع تأتي في وقت تتغير فيه نظرة أوروبا إلى الاستثمارات الصينية.

فلم تعد بروكسل تنظر إلى الاستثمارات الأجنبية باعتبارها ملفات اقتصادية فقط، بل باعتبارها قضايا مرتبطة بالأمن الاقتصادي والسيادة الاستراتيجية.

وقد حذّر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي من أن السيطرة الأجنبية على قطاعات مثل الموانئ والطاقة والاتصالات والنقل يمكن أن تتحول من استثمار تجاري إلى مصدر نفوذ سياسي واستراتيجي.

وفي هذا السياق، تعمل المفوضية الأوروبية على تعزيز آليات مراقبة الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبنى التحتية التي تعتبرها أوروبا حساسة.

ويتمثل القلق الأوروبي الأساسي في احتمال أن تؤدي الاستثمارات الصينية إلى خلق تبعية طويلة المدى في قطاعات استراتيجية.

الناتو: الصين لم تعد مجرد منافس اقتصادي

داخل حلف شمال الأطلسيالناتو ارتفع مستوى التحذير من الدور الصيني خلال السنوات الأخيرة.

فالحلف يعتبر أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل أصبحت لاعبًا قادرًا على التأثير في التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية الحيوية.

ويحذر مسؤولون في الناتو من أن الموانئ وشبكات النقل المدنية يمكن أن تصبح ذات أهمية عسكرية في أوقات الأزمات، بسبب ما يعرف بـ »الاستخدام المزدوج »، أي إمكانية استخدام منشآت اقتصادية لأغراض مدنية وعسكرية.

وقد برز هذا النقاش بشكل خاص في أوروبا بعد توسع شركات صينية في عدد من الموانئ الأوروبية، وهو ما دفع بعض الدول إلى مراجعة شروط الاستثمارات الأجنبية.

من أوروبا إلى تونس: هل تغيرت قواعد اللعبة؟

المفارقة الكبرى أن المخاوف الأوروبية من الصين لا تمنع استمرار التعاون معها في مشاريع خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في دول الجوار الجنوبي مثل تونس.

فبالنسبة لتونس، الأولوية تتمثل في تطوير البنية التحتية وجلب التمويلات والخبرات، بينما تسعى الصين إلى توسيع حضورها الاقتصادي ضمن مبادرة « الحزام والطريق ».

أما أوروبا، فتنظر إلى شمال إفريقيا باعتبارها منطقة نفوذ تقليدية مرتبطة بالأمن والطاقة والهجرة والتجارة.

وهكذا تجد تونس نفسها في قلب معادلة دقيقة:

  • أوروبا تريد الحفاظ على حضورها الاستراتيجي.
  • الصين تريد تثبيت موطئ قدم اقتصادي في المتوسط.
  • تونس تبحث عن أفضل الشراكات الممكنة لتحقيق التنمية.
تونس بين طريق الحرير والبوابة الأوروبية

قد لا تكون تونس أمام « تحالف » رسمي بين أوروبا والصين، لكن الواقع يكشف نوعًا جديدًا من التداخل:
مشاريع تموّلها مؤسسات أوروبية وتنفذها شركات صينية في بلد يقع على خط التماس بين النفوذين.

السؤال الذي يطرح نفسه:
هل تتحول تونس إلى نموذج للتعاون الاقتصادي بين خصمين عالميين، أم تصبح جزءًا من معركة نفوذ صامتة في البحر الأبيض المتوسط؟

blank