تصنيف دولي جديد يسلّط الضوء على الثروة البحرية التونسية ويدفع نحو تنسيق إقليمي لحماية التنوع البيولوجي في المتوسط
حظي مضيق صقلية والهضبة التونسية باعتراف دولي جديد في مجال حماية البيئة البحرية، بعد أن صنّفتهما المبادرة الدولية للمحيطات «مهمة زرقاء» ضمن ما يُعرف بـ«مناطق الأمل»، وذلك بدعم من المبادرة البحرية المتوسطية للصندوق العالمي للطبيعة.
ويشمل هذا التصنيف نظاما بحريا مترابطا تتقاطع فيه ثروة التنوع البيولوجي مع الأنشطة الاقتصادية والثقافات والمصالح الجيوسياسية لعدد من دول المنطقة، في مقدمتها تونس وإيطاليا ومالطا.
وقالت سيلفيا إيرل، عالمة الأحياء البحرية والمحيطات ومؤسسة «مهمة زرقاء»، إن المحيطات لا تعترف بالحدود التي ترسمها الدول على الخرائط، مشيرة إلى أن الحيتان وأسماك القرش والسلاحف والتونة تتحرك في هذه المياه ضمن منظومة بيئية واحدة ومترابطة.
وأضافت أن حماية المحيطات تتطلب عملا جماعيا يتجاوز الحدود الوطنية، معتبرة أن تصنيف المنطقة «منطقة أمل» يمثل فرصة لتحويل المعارف العلمية إلى إجراءات عملية لحماية البحر الأبيض المتوسط.
أكثر من 114 ألف كيلومتر مربع من الثروة البحرية
تمتد المنطقة المصنفة على مساحة تتجاوز 114 ألف كيلومتر مربع، وتتميز بتنوع استثنائي في مواطن الكائنات البحرية، بفضل العمليات المحيطية، ومنها التيارات الصاعدة التي تجلب المياه الغنية بالمغذيات وتساعد على ازدهار النظم البيئية البحرية.
وتضم المنطقة مروج الأعشاب البحرية، وخاصة البوسيدونيا، والشعاب المرجانية، وتجمعات الطحالب الكلسية البحرية، إلى جانب نظم مرجانية عميقة.
وتوفر هذه المواطن البيئية مناطق أساسية لتغذية الكائنات البحرية وتكاثرها ونمو صغارها وهجرتها، كما تحتضن أنواعا متعددة من الثدييات البحرية، من بينها الحيتان الزعنفية وحيتان العنبر والدلافين، إضافة إلى السلاحف البحرية والتونة الحمراء والطيور البحرية.
ويكتسي مضيق صقلية أهمية خاصة بالنسبة إلى أسماك القرش والشفنين، إذ يضم 32 نوعا من هذه الكائنات، وهو ما أهّله للحصول على تصنيف «منطقة مهمة لأسماك القرش والشفنين» بالنظر إلى التنوع الاستثنائي للأنواع الموجودة فيه.
وقال جوزيبي دي كارلو، مدير المبادرة البحرية المتوسطية للصندوق العالمي للطبيعة، إن مضيق صقلية يمثل نقطة التقاء بين التنوع البيولوجي وسبل العيش والمصالح الجيوسياسية، مضيفا أنه يجمع بين الحياة البحرية وطرق التجارة وممرات الطاقة والثقافات والمصائر الإنسانية.
تنسيق بين تونس وإيطاليا ومالطا
لم يأت هذا التصنيف بمعزل عن جهود علمية وبيئية متواصلة في المنطقة. فمنذ سنة 2023، تعمل المبادرة البحرية المتوسطية للصندوق العالمي للطبيعة وشركاؤها على الجمع بين البحث العلمي والعمل السياسي وإشراك الأطراف المعنية، بهدف تحديد المناطق ذات الأولوية في مجال الحماية ووضع أسس مقاربة أكثر تنسيقا لإدارة مضيق صقلية.
وتشمل هذه الجهود حوارا متواصلا مع السلطات والأطراف المعنية في تونس وإيطاليا ومالطا، فضلا عن المؤسسات الإقليمية، في محاولة لتحويل النتائج العلمية إلى إجراءات مستدامة لحماية النظم البيئية البحرية.
وتشارك في هذه المبادرة شبكة من الجهات الداعمة والبحثية، من بينها مؤسسة «بيو برتاريلي للإرث البحري»، ومعهد تيثيس للأبحاث، ومنظمة «غلوبال فيشينغ ووتش» المعنية بمتابعة أنشطة الصيد، إلى جانب سلطات وطنية ومؤسسات إقليمية تعمل في إطار اتفاقية برشلونة والهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط.
هل يتحول الاعتراف الدولي إلى حماية قانونية؟
ورغم أهمية هذا التصنيف، فإنه لا يفرض في حد ذاته إجراءات تنظيمية جديدة ولا يمنح المنطقة حماية قانونية إضافية بصورة تلقائية. وتتمثل أهميته أساسا في تعزيز الاهتمام الدولي بالمنطقة وتوفير أرضية مشتركة لدعم الجهود القائمة وتطوير التعاون بين الدول المعنية.
ويتمثل أحد الخيارات المطروحة في العمل على إحداث منطقة متوسطية ذات أهمية خاصة في إطار اتفاقية برشلونة، بما قد يوفر إطارا للتعاون بين الدول على مستوى المنظومة البيئية بأكملها.
وبالنسبة إلى تونس، يضع هذا الاعتراف الثروة البحرية المرتبطة بالهضبة التونسية ومضيق صقلية في دائرة اهتمام دولي أوسع، لكنه يطرح في المقابل تحديا أساسيا يتمثل في كيفية الانتقال من الاعتراف بقيمة المنطقة إلى تدابير عملية ومنسقة تضمن حماية مواردها البحرية واستدامتها.
روما تحتضن لقاء حول مستقبل المتوسط
ومن المنتظر أن يكون مستقبل البحر الأبيض المتوسط محور لقاء «البحر الأبيض المتوسط، بحر محمي»، الذي ينظمه الصندوق العالمي للطبيعة في إيطاليا يوم 28 أكتوبر الجاري، بمناسبة الذكرى الستين لتأسيسه.
ويُعقد اللقاء في قاعة بونتيمبو بمتحف «ماكسي» في روما، بداية من الساعة السادسة مساء، بمشاركة مؤسسات وباحثين وفاعلين في مجال حماية البيئة، لمناقشة الدور الاستراتيجي لحماية النظم البيئية البحرية في تعزيز استقرار المنطقة وازدهارها.
ومن بين المشاركين سيلفيا إيرل، مؤسسة «مهمة زرقاء»، ورافايلي ماركيتي، مدير مركز الأبحاث في الدراسات الدولية والاستراتيجية بجامعة لويس، فيما يتولى إدارة اللقاء فيديريكو فيراتزا، مدير قسم البيئة والطبيعة في صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية.
