لم يغادر التونسيان أيمن الذوادي ومنتصر السحباني بلادهما بحثاً عن القتال. سافر الأول إلى روسيا للدراسة والعمل، والثاني لاستكمال مساره الدراسي، لكن كليهما وجد نفسه في مسار انتهى بالتجنيد العسكري بعد الاحتجاز في قضايا مخدرات، . انقطعت أخبار أيمن في سبتمبر 2025، فيما أُدرج منتصر ضمن المفقودين، لتصبح قصتاهما جزءاً من ملف أوسع عن استقطاب أجانب للقتال في الحرب الروسية الأوكرانية.
ولا تقتصر هذه الحالات على تونس. فمن أفريقيا إلى آسيا الوسطى، تتزايد التقارير عن شبان استُدرجوا بوعود العمل والدراسة والرواتب، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم في ساحات القتال، وسط اتهامات باستخدام الضغوط والاحتجاز لدفع أجانب إلى توقيع عقود عسكرية.

آلاف الأجانب في صفوف القوات الروسية
وفق بيانات أوردتها منظمة «إنباكت» في تقرير صدر في فيفري 2026، جرى توثيق ما لا يقل عن 1417 مقاتلاً أفريقياً من أكثر من 30 دولة قالت المنظمة إنهم وقّعوا عقوداً للانضمام إلى القوات الروسية. وتضم القائمة، بحسب التحقيق الذي نشرته «إنكفاضة»، سبعة تونسيين، فيما تشير المنظمة إلى أن بياناتها غير مكتملة وأن العدد الحقيقي قد يكون أكبر.
وتتفاوت التقديرات بشأن حجم الظاهرة. فقد أشار مشروع «أريد أن أعيش» الأوكراني إلى تجنيد آلاف الأجانب، بينما قدّر تقرير لمنظمة «تروث هاوندز» صدر في أفريل 2026 عدد الأفارقة الذين جرى استقطابهم بما يتراوح بين 1700 و4000 شخص. كما تحدثت تقديرات أخرى عن مقتل آلاف المقاتلين الأجانب، لكن الأرقام تختلف باختلاف مصادر الرصد ومعايير احتساب المجندين والقتلى.
مصر والكاميرون وكينيا.. عائلات تبحث عن أبنائها
في مصر، تتحدث بيانات نقلتها تقارير مستقلة عن مئات المواطنين الذين التحقوا بالقوات الروسية، بينهم قتلى. ومن بين الحالات التي أثارت الانتباه الشاب محمد السنوسي، الذي قال إنه وجد نفسه أمام خيار بين مواصلة الاحتجاز في قضية مخدرات ينفيها أو الالتحاق بالقتال.
وفي الكاميرون، أحصت مصادر مستقلة مئات المجندين وعشرات القتلى، في حين أعلنت السلطات الروسية، في تصريح نقلته التقارير، حصيلة أقل بكثير للكاميرونيين الذين تأكد مقتلهم. ويكشف التباين بين الأرقام صعوبة التحقق من المصير النهائي للمجندين الأجانب.
أما في كينيا، فقد تصاعدت مخاوف العائلات بعد ورود معلومات عن مئات المفقودين، ونظمت أسر محتجين تحركات في نيروبي للمطالبة بكشف مصير أبنائها. كما تحدثت تقارير عن تعهد روسي بوقف تجنيد الكينيين، وسط استمرار المطالبات بتوضيح مصير من سبق إرسالهم إلى الجبهة.
من آسيا الوسطى إلى المناطق الصناعية الروسية
لا تقتصر الظاهرة على أفريقيا. فقد أورد مشروع «أريد أن أعيش» أرقاماً كبيرة لمواطنين من دول آسيا الوسطى، من بينهم آلاف الأوزبك. وتقول تقارير إن بعض الأجانب استُقطبوا عبر عروض عمل أو وعود بالحصول على الجنسية الروسية، بينما واجه آخرون ضغوطاً خلال الاحتجاز أو وجدوا أنفسهم أمام عقود مكتوبة باللغة الروسية لم يفهموا جميع بنودها.
كما أثار برنامج «ألابوغا ستارت»، الذي استهدف شابات أجنبيات بعروض عمل في مناطق صناعية روسية، تساؤلات بعد تقارير تحدثت عن تشغيل بعض المشاركات في تجميع الطائرات المسيّرة. وتبقى طبيعة العمل والظروف المحيطة به موضع تدقيق في التقارير التي تناولت البرنامج.
وتشير شهادات ومعلومات جمعتها منظمات مستقلة إلى شكاوى بشأن تأخر الرواتب والتعويضات، وقصر فترات التدريب قبل إرسال بعض المجندين إلى مناطق القتال. وقد أثارت هذه المعطيات مخاوف من ممارسات قد ترقى، في حالات محددة، إلى العمل القسري أو الاتجار بالبشر، وهي اتهامات تستوجب التثبت من ظروف كل حالة على حدة.

التجنيد بين الرواية الروسية وشهادات العائلات
تؤكد موسكو أن القانون الروسي يسمح للأجانب المقيمين بصورة قانونية بالانضمام طوعاً إلى القوات المسلحة، وتنفي اللجوء إلى التجنيد غير القانوني. لكن شهادات بعض العائلات والبيانات التي جمعتها منظمات مستقلة تطرح أسئلة بشأن مدى حرية الاختيار في حالات أشخاص كانوا محتجزين أو يواجهون ملاحقات قضائية.
وتبرز حالة التونسيين أيمن الذوادي ومنتصر السحباني في هذا السياق، إذ تقول عائلتاهما إن توقيع العقد العسكري جاء بعد فترات من الاحتجاز والضغوط، وإنهما فقدتا الاتصال بهما بعد إرسالهما إلى مناطق مرتبطة بالعمليات العسكرية. كما ورد اسم التونسي هيكل الصيد ضمن قاعدة بيانات «إنباكت»، مع الإشارة إلى مقتله في القتال، رغم أن تحقيق «إنكفاضة» أوضح أنه لم يتمكن من التثبت من مقتله بصورة مستقلة.
وهكذا، لا تتعلق القضية بمجرد عدد الأجانب الذين التحقوا بالجيش الروسي، بل أيضاً بالظروف التي دفعتهم إلى ذلك، وما إذا كانت الوعود بالدراسة والعمل قد تحولت لدى بعضهم إلى طريق ينتهي بالاحتجاز ثم الجبهة. وبالنسبة إلى العائلات التونسية والأفريقية الأخرى، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو مصير الأبناء الذين انقطعت أخبارهم، ومدى قدرة السلطات على الحصول على معلومات موثوقة عنهم.