الرئيسية آخر الأخبار من « زينيث إنرجي » إلى « شل »…هل تحولت الطاقة التونسية إلى ساحة نزاعات بمئات...

من « زينيث إنرجي » إلى « شل »…هل تحولت الطاقة التونسية إلى ساحة نزاعات بمئات الملايين؟

0
692
blank

لم تعد معركة الطاقة في تونس تدور فقط حول الإنتاج، والعجز الطاقي، وتراجع المخزون الوطني من المحروقات، بل انتقلت إلى ساحات التحكيم الدولي، حيث تواجه الدولة التونسية نزاعات مع شركات أجنبية تطالب بتعويضات مالية ضخمة.

ففي الوقت الذي تبحث فيه تونس عن استثمارات جديدة لإنقاذ قطاع الطاقة وتقليص فاتورة التوريد، تجد نفسها أمام ملفات تحكيمية قد تتحول إلى أعباء مالية إضافية إذا صدرت أحكام لفائدة الشركات المدعية.

أبرز هذه الملفات هو النزاع القائم بين تونس ومجموعة زينيت إنرجي أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي، والذي تبلغ قيمة المطالبات فيه نحو 572.65 مليون دولار.

لكن هذا الملف ليس الوحيد في المشهد…

« زينيت »… نصف مليار دولار على طاولة التحكيم

بدأت القضية سنة 2023 عندما تقدمت شركات تابعة لمجموعة « زينيث إنرجي » بدعوى ضد تونس استناداً إلى اتفاقية الاستثمار الثنائية الموقعة بين تونس والمملكة المتحدة سنة 1989.

ويتمحور النزاع حول امتيازي روبانة والبيبان النفطيين، حيث تقول الشركة إنها تعرضت لخسائر مالية كبيرة بسبب إجراءات وقرارات اتخذتها السلطات التونسية، مطالبة بتعويضات تناهز 572.65 مليون دولار.

من جهتها، لم يصدر إلى حد الآن أي حكم نهائي ضد تونس، إذ ما تزال القضية في المرحلة الأخيرة من الإجراءات، بعد انتهاء جلسات المرافعات في باريس خلال أفريل 2026، وانتظار المذكرات الختامية قبل صدور الحكم المتوقع في الثلاثي الأول من سنة 2027.

لكن حجم المبلغ المطلوب جعل الملف يتحول إلى أحد أكبر النزاعات الاستثمارية التي تواجهها تونس في قطاع الطاقة.

« شل »… الوافد الجديد إلى قائمة النزاعات

لم يتوقف الأمر عند « زينيث »، إذ سجل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ملفاً جديداً يتعلق بشركات تابعة لمجموعة شل ضد تونس.

القضية، التي دخلت المسار التحكيمي سنة 2026، ترتبط أيضاً بقطاع الطاقة، وتعيد إلى الواجهة الإشكاليات المرتبطة بعلاقة الدولة بالمستثمرين الأجانب في قطاع المحروقات.

ورغم أن الملف ما يزال في بدايته ولم يصدر بشأنه أي قرار، فإن دخوله إلى منصة التحكيم الدولي يطرح أسئلة حول مستقبل العقود النفطية والغازية في تونس ومدى قدرة الدولة على تفادي نزاعات مماثلة مستقبلاً.

لماذا تتكرر النزاعات في قطاع المحروقات؟

يعتبر قطاع الطاقة من أكثر القطاعات حساسية في العالم، بسبب ضخامة الاستثمارات وطول مدة العقود وتعقيد العلاقة بين الدولة والشركات الأجنبية.

فالشركات تبحث عن ضمانات للاستثمار واسترجاع كلفة التنقيب والإنتاج وتحقيق الأرباح، بينما تسعى الدول إلى حماية مواردها الطبيعية وضمان أكبر عائد ممكن منها.

وفي الحالة التونسية، تزداد حساسية الوضع بسبب التحولات التي شهدها قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة، من تراجع الإنتاج الوطني إلى ارتفاع العجز الطاقي وتزايد الاعتماد على الواردات.

بين حماية السيادة وجذب الاستثمار

تجد تونس نفسها أمام معادلة صعبة: فهي بحاجة إلى جذب شركات دولية قادرة على الاستثمار في التنقيب والإنتاج، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بحماية مصالحها المالية والقانونية.

فاللجوء إلى التحكيم الدولي ليس حكماً مسبقاً على الدولة أو المستثمر، بل هو مسار قانوني يفصل في مدى احترام الالتزامات التعاقدية والاتفاقيات الدولية.

غير أن مجرد وجود مطالبات بمئات الملايين من الدولارات يفرض على الدولة مراجعة منظومة التفاوض وإدارة العقود، خاصة في القطاعات الاستراتيجية.

فاتورة محتملة في ظرف اقتصادي حساس

تأتي هذه النزاعات في وقت تواجه فيه تونس ضغوطاً مالية كبيرة، مع ارتفاع حاجيات التمويل وتزايد كلفة الطاقة المستوردة.

وفي حال صدور أحكام مالية ضد الدولة، فإن دفع تعويضات ضخمة قد يمثل ضغطاً إضافياً على المالية العمومية، بينما ترى الشركات المدعية أن مطالباتها تستند إلى خسائر تعتبرها مثبتة بخبرات مستقلة.

هل تحتاج تونس إلى « دبلوماسية استثمارية » جديدة؟

تكشف هذه الملفات أن معركة الطاقة في تونس لم تعد مرتبطة فقط بالبحث عن آبار جديدة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الدولة على إدارة العلاقة مع المستثمرين الدوليين، وصياغة عقود أكثر توازناً، وتطوير آليات فض النزاعات قبل الوصول إلى التحكيم.

وبين مطالب الشركات الأجنبية وحرص الدولة على حماية مواردها، يبقى قطاع الطاقة التونسي أمام اختبار حقيقي: كيف يجذب الاستثمار دون أن يتحول إلى مصدر لنزاعات بمئات الملايين؟

الجواب قد تحدده الأحكام المنتظرة في قاعات التحكيم الدولي… وقد ترسم أيضاً مستقبل علاقة تونس بالمستثمرين في أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني.

blank