الرئيسيةآخر الأخبارمن كبار السن إلى الشباب.. شارع تونس يستعيد شعار «شغل، حرية، كرامة...

من كبار السن إلى الشباب.. شارع تونس يستعيد شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»

في مسيرة السبت بالعاصمة، لم يكن المشهد مقتصراً على الوجوه المعروفة في الاحتجاجات أو على النقابيين والحقوقيين الذين اعتادوا التظاهر. كان هناك أيضاً شباب، ونساء ورجال من أجيال مختلفة، اجتمعوا في الشارع تحت شعار يعود إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ تونس الحديث.

«شغل، حرية، كرامة وطنية». لم يحتج هذا الشعار إلى كثير من الشرح. فالتشغيل ما زال يؤرق آلاف الشباب، والحرية عادت إلى صدارة النقاش العام، فيما تبدو الكرامة، بالنسبة إلى كثيرين، مرتبطة بقدرة المواطن على العيش والعمل والتعبير عن رأيه من دون خوف.

وفي مسيرة 17 أكتوبر 2026، لم تكن هذه المطالب منفصلة بعضها عن بعض. فقد امتزجت الهتافات الاجتماعية بالشعارات السياسية، في تعبير عن غضب لا يتعلق بملف واحد، بل بصورة أوسع عن أوضاع البلاد واتجاهها.

أجيال مختلفة وذاكرة واحدة

كتبت الصحفية منية العرفاوي، في تعليقها على المسيرة، أن من خرجوا إلى الشارع يمثلون فئات وأجيالاً مختلفة، وأن بينهم من اعتقد أن أحلام الحرية التي حملتها الثورة أصبحت حقيقة، قبل أن يجد نفسه، بعد سنوات، يعود إلى الشارع للدفاع عنها.

وفي المقابل، رأت أن الشباب يرفضون أن تُسلب منهم الحريات التي ارتبطت في أذهانهم بالثورة، حتى وإن نشأوا في ظروف سياسية مختلفة عن تلك التي عرفها الجيل السابق.

إنها صورة تختصر جانباً من المشهد: كبار سن يحملون ذاكرة الاحتجاج وتجربة الثورة، وشباب ينظرون إلى الحاضر بقلق، لكنهم يلتقون عند الشعور بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُترك من دون صوت أو مشاركة.

وقد تحدث الصحفي غسان بن خليفة أيضاً عن الحضور اللافت للشباب في المسيرة، وعن تنوع المشاركين الذين جمعتهم مطالب مشتركة رغم اختلافاتهم.

ولا يعني ذلك أن الشباب التونسي يتبنى موقفاً سياسياً واحداً، أو أن كل من شارك في المسيرة يمثل جيلاً كاملاً. لكنه يؤكد أن قضايا الحريات والتشغيل لم تفقد قدرتها على دفع فئات من الشباب إلى المشاركة في الشأن العام.

blank

البطالة ليست رقماً فقط

وراء شعار التشغيل، هناك أسئلة يومية يعرفها الشباب جيداً: أين فرص العمل؟ ماذا ينتظر أصحاب الشهادات؟ وكيف يمكن بناء مستقبل في ظل صعوبات اقتصادية واجتماعية متواصلة؟

لهذا لم تكن المطالب الاجتماعية هامشاً في مسيرة السبت، حتى عندما ارتفعت الشعارات السياسية. فبالنسبة إلى المشاركين، لا معنى للكرامة إذا ظل العمل بعيد المنال، ولا يمكن فصل الحقوق الاقتصادية عن الحق في التعبير والتنظيم والمطالبة بالتغيير.

وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن الحريات لا يقتصر على الأحزاب أو النخب السياسية. فالشاب الذي يبحث عن عمل، والطالبة التي تريد مستقبلاً أفضل، والعامل الذي يخشى تراجع قدرته الشرائية، جميعهم معنيون بطبيعة السياسات التي تُتخذ باسمهم وبالفضاء المتاح لهم للاعتراض عليها.

وهذا ما أعاد شعار الثورة إلى الشارع، لا باعتباره مجرد ذكرى، بل باعتباره مجموعة مطالب لم تجد، في نظر المشاركين، طريقها الكامل إلى التحقق.

هل يعود الشباب إلى السياسة؟

من الصعب أن نستنتج من مسيرة واحدة أن الشباب التونسي عاد بكامله إلى الاحتجاج أو أن موقفاً عاماً قد تشكل داخل هذه الفئة. لكن حضورهم في تحرك جمع تسع منظمات وطنية يشير إلى أن صورة العزوف عن الشأن العام لا تفسر كل ما يحدث.

ويبقى التحدي أن تتجاوز المشاركة لحظة التظاهر. فالغضب قد يجمع الناس لساعات، لكن تحويله إلى عمل مدني أو نقابي أو سياسي يحتاج إلى تنظيم وإلى قضايا واضحة يشعر المشاركون بأن بإمكانهم التأثير فيها.

وفي المقابل، لا يمكن مطالبة الشباب بالمشاركة ثم التعامل مع أصواتهم باعتبارها مصدر إزعاج، أو اختزال مطالبهم في شعارات عابرة.

يوم السبت، عاد شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» إلى شوارع العاصمة بأصوات أجيال مختلفة. ولم يكن ذلك دليلاً على أن التونسيين متفقون على كل شيء، بل على أن بعض الأسئلة القديمة ما زالت بلا إجابات مقنعة لدى من اختاروا الخروج إلى الشارع.

وبين جيل يتذكر الثورة وجيل يخشى أن يفقد ما بقي من وعودها، كان القاسم المشترك بسيطاً: لا يريد هؤلاء أن يكون مستقبل تونس شأناً يُحسم بعيداً عنهم.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى