الرئيسيةآخر الأخبارإثيوبيا تهدد عرش التمور التونسية.. هل تنجح أديس أبابا فيما فشل فيه...

إثيوبيا تهدد عرش التمور التونسية.. هل تنجح أديس أبابا فيما فشل فيه الآخرون؟

بينما يظل نخيل التمر تاريخياً حكراً على الواحات القاحلة لشمال إفريقيا، فاجأت إثيوبيا الأسواق العالمية بإعلانها رسمياً دخول ساحة المنافسة عبر خطة عشرية طموحة تستهدف زراعة 25 ألف هكتار. هذا التحول الإستراتيجي يطرح تساؤلاً اقتصادياً حتمياً في الأوساط الزراعية الإفريقية: هل تستطيع أديس أبابا بمشروعها الوليد أن تزاحم تونس، المتربعة على عرش عائدات التمور في القارة؟

للوهلة الأولى، تبدو الأرقام الإثيوبية مرعبة من حيث التوسع الأفقي؛ فالقفز بالمساحات المزروعة من 6 آلاف هكتار إلى 25 ألف هكتار يعكس رغبة سياسية جارفة للتحول إلى مصدّر رئيسي لتأمين العملة الصعبة. غير أن لغة الأرقام والتنافسية الدولية في هذا القطاع لا تعترف بالمساحات بقدر ما تعترف بـ « القيمة التسويقية المضافة »، وهنا تحديداً تكمن القوة الضاربة للاقتصاد التونسي.

تُعلمنا التجربة التونسية أن العبرة ليست بالحجم بل بالذكاء التجاري. ففي قراءة لبيانات التصدير، نجد أن تونس بالرغم من أنها تصدر كميات أقل من جارتها الجزائر (147 ألف طن مقابل 185 ألف طن)، إلا أنها حققت تقريباً ضعف العائدات المالية بنحو 347 مليون دولار. السر يكمن في « قيمة الطن »، حيث يباع الطن التونسي بمتوسط 2400 دولار مستنداً إلى اسم تجاري عالمي مثل « دقلة النور » وشبكة لوجستية تخترق الأسواق الأوروبية بامتياز.

أمام هذا الإرث التونسي، تواجه إثيوبيا ثلاثة تحديات هيكلية جسيمة إذا ما أرادت المنافسة الحقيقية:

أولاً، معضلة الهوية والجودة: تونس لا تبيع تموراً مجردة، بل تبيع علامة تجارية ارتبطت بالجودة الفاخرة والتمور شبه الشفافة التي تطلبها الأسواق الغربية بالاسم. إثيوبيا ما زالت في طور التأسيس وتحتاج لسنوات طويلة لتحديد الأصناف المناسبة لتربتها وبناء سمعة دولية لها.

ثانياً، البنية التحتية وسلاسل التبريد والتعبئة: التصدير لأوروبا وآسيا يتطلب تكنولوجيا متطورة في الفرز، التغليف، والشحن السريع للحفاظ على رطوبة وجودة الفاكهة، وهو ما تمتلك فيه تونس خبرة تمتد لعقود من خلال ديوان الأراضي الدولية والشركات الخاصة المتمرسة، بينما تفتقر إليه منظومة الزراعة الإثيوبية حديثة العهد بهذا المجال.

ثالثاً، العمق اللوجستي والاتفاقيات التجارية: تتمتع تونس بامتيازات القرب الجغرافي من القارة الأوروبية والشراكات الجمركية التي تسهل تدفق السلع، بينما تقع إثيوبيا في موقع جغرافي يفرض عليها تكاليف شحن أعلى للأسواق المستهلكة الكبرى، ناهيك عن كونها دولة حبيسة تعتمد على موانئ دول الجوار للتصدير البحري.

في الختام، يمكن القول إن دخول إثيوبيا سباق التمور يمثل خطوة ذكية لتنويع اقتصادها بالاستفادة من أراضيها الشاسعة، وقد ينجح في تأمين احتياجاتها المحلية أو غزو أسواق إقليمية في شرق إفريقيا. لكن عندما يتعلق الأمر بمنافسة تونس على الصدارة المالية والنوعية، فإن العرش التونسي سيبقى محمياً لسنوات طويلة، ليس بفضل عدد النخيل، بل بفضل السيادة التكنولوجية والتسويقية التي تجعل من التمرة التونسية « ذهباً أسمر » يصعب تقليده.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى