برنامج يمتد بين 18 و24 شهراً يستهدف تمكين المستثمرين الأمريكيين من حصة تتراوح بين 30 و40 بالمائة في شركة «فوسكو»، وتوفير معدات أمريكية بقيمة تصل إلى 25 مليون دولار.. ومجموعة «كروس باوندري» تتولى مهمة ربط المشروع برؤوس الأموال والأسواق الدولية.
لم يعد الاهتمام الأمريكي بالفسفاط التونسي مقتصراً على التعاون التجاري التقليدي، بعدما كشفت وثائق صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية عن برنامج يستهدف تعبئة أكثر من 100 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة الأمريكية في مشروع شركة «فوسكو» الأسترالية، صاحبة مشروع الفسفاط في الحوض الشمالي الغربي بتونس، مع السعي إلى حصول المستثمرين الأمريكيين على حصة تتراوح بين 30 و40 بالمائة في الشركة.
ويأتي هذا التوجه في سياق مبادرة أعلنت عنها السفارة الأمريكية بتونس يوم 29 أكتوبر 2026، بالتعاون مع مجموعة «كروس باوندري»، بهدف ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع الفسفاط الذي تطوره الشركة الأسترالية في منطقة غسّات بولاية القصرين.
ولا يتعلق الأمر، وفق الوثائق الأمريكية المنشورة، بمنحة لتمويل استخراج الفسفاط مباشرة، بل ببرنامج للدبلوماسية التجارية وتعبئة رؤوس الأموال، يرمي إلى استقطاب المستثمرين، وإرساء اتفاقيات توريد طويلة الأمد، وتطوير فرص استخدام المعدات والخبرات الأمريكية في المشروع.
وتشير وثائق البرنامج إلى أن التمويل الحكومي المرصود له يمكن أن يصل إلى نحو 1.54 مليون دولار، على أن تمتد فترة التنفيذ بين 18 و24 شهراً. أما الهدف الاستثماري الأوسع فيتمثل في استقطاب أكثر من 100 مليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة، وتسهيل دخول المستثمرين الأمريكيين إلى رأس مال الشركة المطورة.
وتكشف هذه الأرقام عن طبيعة المبادرة: فواشنطن لا تسعى فقط إلى إيجاد سوق لمعدات شركاتها، بل تعمل أيضاً على بناء موطئ قدم استثماري وتجاري في مشروع منجمي تونسي يمكن أن يصبح مورداً للفسفاط ومدخلات صناعة الأسمدة.
تُعد مجموعة «كروس باوندري» من المجموعات الاستشارية والاستثمارية الدولية التي تركز على تعبئة رؤوس الأموال وتطوير المشاريع في الأسواق الناشئة والأسواق التي لا تحظى بتغطية استثمارية كافية.
وتأسست المجموعة سنة 2011، وتعمل من خلال شبكة دولية من الخبراء والمكاتب، وتتمثل مهمتها الأساسية في مساعدة المشاريع والشركات على الوصول إلى التمويل، وهيكلة الصفقات، وربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين الدوليين.
ولا يقتصر نشاطها على قطاع واحد، إذ تعمل عبر مسارين رئيسيين. يتمثل الأول في الخدمات الاستشارية المتعلقة بالاستثمار والتمويل، بما يشمل إعداد النماذج المالية، وهيكلة المعاملات، وتطوير الشراكات التجارية، ومساعدة الشركات على استقطاب رؤوس الأموال.
أما المسار الثاني فيشمل الاستثمار وإدارة الأصول من خلال شركات ومنصات متخصصة في تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، والشبكات الكهربائية الصغيرة، والتنقل الكهربائي، إلى جانب مجالات أخرى مرتبطة بالاستدامة.
وتكمن أهمية المجموعة في الملف التونسي في طبيعة الدور المسند إليها: فهي ليست الشركة التي تمتلك رخصة استكشاف الفسفاط في غسّات، ولا الجهة الحكومية التي تمول المبادرة، بل الطرف المتعاون مع الحكومة الأمريكية لربط المشروع بالمستثمرين والشركات الأمريكية وتسهيل تطوير الصفقات والشراكات.
وبعبارة أخرى، تتمثل مهمتها في المساعدة على تحويل الإمكانات المنجمية للمشروع إلى فرص استثمارية قابلة للتفاوض والتمويل، وربطها بالشركات القادرة على توفير المعدات والخبرات والأسواق.
ولا يعني هذا الدور، في حد ذاته، أن المجموعة أصبحت مالكة لحصة في مشروع الفسفاط أو أنها ستتولى استغلاله ميدانياً.
ما حجم الأموال التي تريد واشنطن تعبئتها؟
تكشف وثائق وزارة الخارجية الأمريكية عن أهداف مالية تتجاوز بكثير قيمة المنحة المخصصة لتنفيذ البرنامج.
فقد حددت المبادرة ثلاثة أهداف كمية رئيسية، تتمثل في:
- تعبئة أكثر من 100 مليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة الأمريكية للمساهمة في تطوير مشروع شركة «فوسكو».
- استهداف حصة أمريكية تتراوح بين 30 و40 بالمائة في الشركة الأسترالية.
- دعم صادرات المعدات الأمريكية بقيمة تتراوح بين 15 و25 مليون دولار، مع استهداف المساهمة في توفير ما بين 75 و125 فرصة عمل في قطاع التصنيع الأمريكي.
وتكشف هذه الأهداف أن البرنامج لا يستهدف الاستثمار في تونس فحسب، بل يسعى أيضاً إلى تحقيق عائد اقتصادي للشركات الأمريكية من خلال بيع المعدات، وتطوير الصفقات التجارية، وتأمين مسارات توريد المعادن.
لكن من الضروري التمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة. فالأرقام الواردة في وثائق البرنامج تمثل أهدافاً استرشادية تسعى المبادرة إلى بلوغها، وليست التزامات تعاقدية تؤكد أن الأموال قد جُمعت بالفعل أو أن المستثمرين حسموا دخولهم في رأس مال الشركة.
كما أن إعلان السفارة الأمريكية عن إطلاق المشروع لا يعني أن نسبة المساهمة الأمريكية المستهدفة أصبحت واقعاً، ولا أن عقود توريد نهائية أُبرمت بالفعل.
لماذا اختارت واشنطن مشروع غسّات؟
يُعد مشروع غسّات، في ولاية القصرين، من المشاريع التي تستهدف تطوير موارد الفسفاط في الحوض الشمالي الغربي لتونس.
وقد أعلنت الهيئة التونسية للاستثمار، في نوفمبر 2024، موافقة اللجنة الاستشارية للمناجم على رخصة استكشاف الفسفاط في المنطقة، بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وتغطي الرخصة مساحة تقارب 112 كيلومتراً مربعاً.
وتشير بيانات الشركة إلى موارد منجمية مقدرة بنحو 166.6 مليون طن، بمتوسط محتوى من خامس أكسيد الفوسفور يبلغ 20.6 بالمائة، استناداً إلى نتائج أعمال البحث في أربع مناطق من أصل تسع مناطق استكشاف ضمن المشروع.
ويجب التمييز هنا بين الموارد المقدرة والاحتياطيات القابلة للاستخراج التجاري؛ إذ لا تعني هذه الأرقام أن كامل الكمية يمكن استخراجها اقتصادياً أو أن الإنتاج التجاري أصبح مضموناً.
ومع ذلك، فإن حجم الموارد المقدرة يجعل المشروع محط اهتمام المستثمرين الذين يبحثون عن فرص جديدة في قطاع الفسفاط، خاصة إذا أمكن تطويره إلى نشاط منجمي متكامل يرتبط بمعالجة الخام وإنتاج مدخلات صناعة الأسمدة.
كما أن موقع المشروع وقربه من البنية التحتية للنقل يمثلان عنصرين مهمين عند تقييم تكاليف تطويره ونقل إنتاجه إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى واشنطن، تندرج المبادرة ضمن توجه أوسع لتأمين سلاسل إمداد المعادن التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصادر محدودة أو على موردين لا تتوافق مصالحهم مع توجهاتها التجارية والاستراتيجية.
الفسفاط والأمن الغذائي.. ما الذي تريده الولايات المتحدة؟
تنبع أهمية الفسفاط من دوره الأساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، التي تمثل أحد المدخلات المهمة في الإنتاج الزراعي.
وبالتالي، فإن تأمين إمدادات مستقرة من الفسفاط والمواد المشتقة منه يرتبط مباشرة باستمرارية الإنتاج الصناعي للأسمدة، وبقدرة الدول والشركات على التخطيط لتلبية الطلب على هذه المنتجات.
وتسعى المبادرة الأمريكية إلى بناء سلسلة توريد تربط المشروع التونسي بالمستثمرين والمعدات والشركات والأسواق الأمريكية، مع العمل على إرساء اتفاقيات توريد طويلة الأمد.
ولا يعني ذلك أن تونس أصبحت بالفعل مورداً للفسفاط إلى الولايات المتحدة بموجب عقود جديدة، بل إن البرنامج يهدف إلى تهيئة الظروف التجارية والاستثمارية التي قد تسمح بإبرام هذه الاتفاقيات مستقبلاً.
وتشمل أهداف المبادرة أيضاً تقييم الجوانب الفنية المرتبطة بمعالجة المعادن والمنتجات الثانوية، بما يساعد على مواءمة المشروع مع المعايير الفنية والتجارية المطلوبة في الأسواق المستهدفة.
وهنا تتجاوز المسألة مجرد بيع الخام، لتشمل إمكانية تطوير مراحل المعالجة والتثمين الصناعي، وهي عناصر يمكن أن تؤثر في القيمة الاقتصادية النهائية للمشروع.
هل تريد واشنطن إبعاد المنافسين عن الحوض المنجمي؟
تتضمن وثائق البرنامج الأمريكي توجهاً نحو تشجيع الاستثمارات التي يقودها القطاع الخاص، وتعزيز سلاسل التوريد مع شركاء تعتبرهم واشنطن موثوقين، والحد من نفوذ المؤسسات العمومية التابعة لدول منافسة عندما تعمل، وفق توصيف البرنامج، خارج قواعد السوق المعتادة.
ويضع هذا التوجه المبادرة في إطار المنافسة الدولية على الموارد وسلاسل الإمداد، لكنه لا يكفي وحده للقول إن شركة أو دولة بعينها كانت تستعد للاستحواذ على مشروع غسّات ثم جرى التحرك الأمريكي لإحباط ذلك.
فالمعطيات المنشورة تثبت وجود هدف أمريكي لتوسيع الحضور التجاري والاستثماري في المشروع، ولا تثبت وجود صفقة صينية أو غيرها جرى إلغاؤها أو منعها.
ومع ذلك، فإن استهداف حصة في رأس مال شركة أجنبية، إلى جانب تأمين اتفاقيات توريد وتوفير المعدات، يوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى المشروع باعتباره فرصة استثمارية وتجارية ذات أهمية تتجاوز السوق التونسية وحدها.
ماذا يعني ذلك لتونس؟
بالنسبة إلى تونس، يمكن أن يفتح دخول مستثمرين جدد المجال أمام تمويل أعمال البحث والتطوير، وتوفير التجهيزات، وخلق فرص العمل، وتنشيط الاقتصاد المحلي في ولاية القصرين.
لكن تحقيق هذه النتائج يظل مرتبطاً بشروط الاتفاقيات التي ستبرم، وبمدى تقدم المشروع من مرحلة الاستكشاف إلى مراحل التطوير والاستغلال.
كما أن دخول مستثمرين أمريكيين إلى رأس مال الشركة، إذا تحقق، لا يعني تلقائياً انتقال ملكية رخصة الاستكشاف إليهم أو امتلاكهم المباشر للثروة المنجمية. فذلك يتوقف على الهيكلة القانونية للصفقات، وطبيعة الحقوق التي ستمنح للمستثمرين، ومدى توافقها مع التشريعات التونسية.
وتبرز هنا أهمية معرفة الالتزامات التي ستفرضها تونس بشأن التشغيل المحلي، ونقل الخبرات، واستخدام المؤسسات التونسية في تنفيذ المشروع، والضرائب والإتاوات، وحماية الموارد المائية والبيئة.
فاستقطاب أكثر من 100 مليون دولار، إذا تحقق، سيكون تطوراً مالياً مهماً للمشروع، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مردوديته بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني. إذ يتعين أيضاً تحديد القيمة المضافة التي ستبقى داخل تونس، وطبيعة المنتجات التي ستنتج محلياً، وشروط تسويق الفسفاط، ونصيب الدولة من العائدات.
مشروع استثمار أم بداية شراكة استراتيجية طويلة الأمد؟
يضع البرنامج الأمريكي مشروع غسّات أمام مرحلة جديدة، عنوانها البحث عن رأس المال والشركاء التجاريين، بعد حصول الشركة الأسترالية على رخصة الاستكشاف.
وإذا نجحت المبادرة في تعبئة التمويلات وإرساء الاتفاقيات المستهدفة، فقد يتحول المشروع إلى نقطة اتصال بين الموارد المنجمية التونسية والاستثمارات الأمريكية وسلاسل التوريد الدولية.
لكن الطريق إلى ذلك لا يزال يمر عبر مفاوضات الاستثمار، وتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية، واستكمال الإجراءات القانونية والبيئية، ثم اتخاذ القرارات المتعلقة بالتطوير والاستغلال.
وفي انتظار اتضاح هذه المراحل، فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى تونس لن يكون فقط من سيمول مشروع الفسفاط، بل أيضاً ما الذي ستحصل عليه البلاد في المقابل، وما إذا كانت الشراكة ستقتصر على استخراج الخام وتوريده، أم ستتيح تطوير نشاط صناعي محلي يرفع القيمة المضافة ويوفر فرص عمل مستدامة.
فالمبادرة الأمريكية تكشف بوضوح عن رغبة في إدماج الفسفاط التونسي ضمن سلاسل إمداد تخدم المصالح التجارية الأمريكية. أما حجم المكاسب التي ستعود على تونس، فسيحدده ما ستسفر عنه الاتفاقيات الفعلية، وشروطها، وقدرة الدولة على ضمان التوازن بين جذب الاستثمار وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
