الرئيسية آخر الأخبار هل تتراجع تونس في أجندة العواصم الكبرى؟ بين شحّ الزيارات وشغور السفارات

هل تتراجع تونس في أجندة العواصم الكبرى؟ بين شحّ الزيارات وشغور السفارات

0
1
blank

هل تتراجع تونس فعلاً في أجندة العواصم الكبرى؟ أم أن ما يبدو «شحاً دبلوماسياً» ليس سوى تغيير في طبيعة العلاقة، من الزيارات السياسية رفيعة المستوى إلى إدارة ملفات محددة عبر القنوات الوزارية والتقنية؟

السؤال يفرض نفسه بقوة عند قراءة المشهد الدبلوماسي التونسي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في العلاقة مع دول مجموعة السبع: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، كندا واليابان. فبعد فترة شهدت حركة لافتة لمسؤولين غربيين رفيعي المستوى، يبدو الحضور السياسي المباشر أقل كثافة، في وقت تستمر فيه الاتصالات حول ملفات بعينها، على رأسها الهجرة والأمن والطاقة والاقتصاد.

لكن المفارقة أن تونس لم تختفِ تماماً من حسابات هذه العواصم. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ما تزال تعتبر تونس شريكاً مهماً في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي، فيما حافظت فرنسا على حضور دبلوماسي ومؤسساتي واسع في البلاد. وفي المقابل، تواصل إيطاليا انخراطها المباشر واللافت في الملفات التونسية. ففي جوان 2026، كان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني في تونس لافتتاح المنتدى الاقتصادي التونسي-الإيطالي، في مؤشر واضح إلى أن روما لا تزال تنظر إلى تونس باعتبارها شريكاً استراتيجياً في المتوسط.

من الزيارات السياسية إلى إدارة الملفات

ما تغير، على الأرجح، ليس وجود تونس على الخريطة الدبلوماسية الغربية، وإنما مستوى وطبيعة الانخراط.

في مرحلة سابقة، كانت تونس تستقبل رؤساء حكومات ووزراء خارجية ومسؤولين غربيين كباراً في سياقات تحمل رسائل سياسية واضحة. أما اليوم، فقد أصبح جزء كبير من التواصل يدور حول ملفات محددة: الهجرة غير النظامية، مراقبة الحدود، مكافحة الإرهاب، الطاقة، الاستثمار، والتعاون المالي.

وهذا التحول مهم؛ لأن الزيارة الوزارية لا تحمل فقط قيمة عملية، بل تحمل أيضاً رسالة سياسية. وعندما ينخفض مستوى التمثيل، يمكن أن يُقرأ ذلك باعتباره رغبة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ولكن دون منح العلاقة زخماً سياسياً استثنائياً.

ولعل الحالة الإيطالية هي الاستثناء الأوضح.

فروما لم تتعامل مع تونس بمنطق القطيعة أو الابتعاد، بل اختارت البراغماتية. الهجرة عبر المتوسط، أمن البحر المتوسط، الطاقة، والاستثمار تجعل تونس ذات أهمية مباشرة لإيطاليا. ولهذا حافظت روما على اتصالات رفيعة المستوى، كان آخرها حضور تاجاني إلى تونس في يونيو 2026.

واشنطن: العلاقة لم تختفِ ولكنها تغيرت

في الحالة الأمريكية، يصعب الحديث عن انسحاب دبلوماسي من تونس.

السفارة الأمريكية في تونس ما تزال ناشطة، كما تظهر الاتصالات الرسمية المستمرة بين الجانبين. وفي جوان 2026، تحدث السفير الأمريكي لدى تونس في مناسبة الاستقلال عن استمرار العمل بين الفرق الأمريكية والتونسية.

لكن واشنطن، في المقابل، تنظر إلى تونس اليوم من زاوية أوسع تشمل الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي والتطورات في ليبيا ومنطقة الساحل. دراسة حديثة لمعهد ستيمسون ، نُشرت في أفريل 2026، طرحت صراحة خيارات السياسة الأمريكية تجاه تونس انطلاقاً من أهميتها في الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي والتعاون المرتبط بمنطقة الساحل.

أي أن العلاقة لم تنقطع، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات استراتيجية محددة.

ملف الديمقراطية… عامل لا يمكن تجاهله

في المقابل، لا يمكن فصل مستوى العلاقات الغربية مع تونس عن التطورات السياسية الداخلية.

فالعواصم الغربية تنظر إلى ملفات الحريات، استقلال القضاء، التعددية السياسية والمؤسسات الديمقراطية باعتبارها جزءاً من تقييمها للعلاقة مع تونس. وهذا لا يعني بالضرورة وجود قرار غربي موحد بـ«عزل» تونس، لكنه يعني أن هامش الزيارات السياسية ذات الطابع الاحتفالي أو الاستراتيجي أصبح أضيق.

والأهم أن دول مجموعة السبع ليست كتلة واحدة في طريقة تعاملها مع تونس.

ففرنسا لديها مصالح تاريخية واقتصادية وجالية كبيرة في تونس، وإيطاليا لديها ملف الهجرة والطاقة، والولايات المتحدة تنظر بقوة إلى الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، بينما تختلف أولويات ألمانيا وبريطانيا وكندا واليابان.

لذلك فإن الحديث عن «موقف موحد لمجموعة السبع» سيكون مبالغة، والأدق الحديث عن تقاطع جزئي في التحفظ، مع اختلاف واضح في درجة الانخراط.

السؤال الأصعب: ماذا يحدث داخل الدبلوماسية التونسية؟

إذا كان تراجع بعض الزيارات الأجنبية يحتاج إلى قراءة سياسية، فإن وضع شبكة التمثيل الدبلوماسي التونسي في الخارج يطرح سؤالاً أكثر إحراجاً.

فالسفارات التونسية ليست مجرد عناوين إدارية. السفير هو قناة اتصال سياسية مباشرة مع الحكومة والبرلمان ومراكز القرار والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية في الدولة المضيفة.

ومن ثم فإن أي فراغ طويل في منصب سفير، أو الاعتماد المفرط على القائمين بالأعمال، يمكن أن يضعف القدرة على المبادرة والتأثير، خصوصاً في العواصم التي تصنع القرار الدولي.

ولا يبدو أن الشح الدبلوماسي يقتصر على تراجع زيارات المسؤولين الغربيين إلى تونس، بل إن الوجه الآخر للمشهد يظهر داخل الجهاز الدبلوماسي التونسي نفسه. فالمعطيات المتداولة تشير إلى شغور عدد من المناصب الدبلوماسية في عواصم وبلدان ذات أهمية استراتيجية،على غرار واشنطن ولندن وبرن والجزائر بما يطرح تساؤلات حول قدرة تونس على إدارة شبكة علاقاتها الخارجية بالفاعلية المطلوبة.

وتزداد دلالة هذا الوضع عندما يتعلق الأمر بعواصم ترتبط بتونس بملفات سياسية واقتصادية وأمنية حساسة. فغياب السفير، أو استمرار تسيير البعثة لفترة طويلة في صيغة مؤقتة، لا يمثل مجرد مسألة إدارية، بل يعني عملياً غياب أحد أهم أدوات التواصل السياسي المباشر مع دوائر القرار في الدولة المضيفة.

ولا تتوقف المشكلة عند السفارات، إذ تمتد، وفق المعطيات المتوفرة، إلى عدد من القنصليات العامة التي تخدم أكبر تجمعات التونسيين بالخارج، بما يفتح ملفاً أوسع يتعلق بمدى جاهزية وزارة الشؤون الخارجية لإدارة شبكة دبلوماسية وقنصلية بهذا الحجم.

وهنا تصبح القضية أكثر أهمية: هل المشكلة في عدد السفراء، أم في قدرة الوزارة على تحريك شبكة السفراء والقناصل وتوظيفها سياسياً؟

القنصليات… الوجه الآخر للأزمة

الملف لا يتوقف عند السفارات.

شبكة القنصليات العامة تمثل بالنسبة إلى تونس خط الدفاع الأول عن مصالح مئات الآلاف من التونسيين المقيمين بالخارج. باريس، ليون، مرسيليا، نيس، إسطنبول، جدة وغيرها ليست مجرد بعثات إدارية، بل نقاط اتصال مباشرة مع الجالية ومع السلطات المحلية.

ولهذا فإن أي نقص طويل في القيادات القنصلية أو اضطراب في التسيير لا ينعكس فقط على صورة تونس الدبلوماسية، بل يمكن أن يؤثر في الخدمات المقدمة للتونسيين بالخارج.

وهنا تحديداً تظهر أهمية المعطيات التي تتحدث عن نقص في عدد من المناصب القيادية داخل بعض القنصليات، وهي معطيات تستحق تحقيقاً منفصلاً يعتمد على الوضع الرسمي لكل بعثة وتاريخ آخر تعيين فيها.

ولا تقتصر التساؤلات على البعثات في الخارج، بل تمتد إلى رأس الإدارة المركزية لوزارة الشؤون الخارجية نفسها. فعدم تعيين كاتب عام للوزارة، رغم الأهمية المحورية لهذا المنصب في ضمان استمرارية الإدارة والتنسيق بين مختلف المصالح والهياكل، والتي من بينها متابعة الأموال التونسية المنهوبة في الخارج يطرح بدوره علامات استفهام حول قدرة الوزارة على إدارة ملفاتها في هذه المرحلة. ويضاف إلى ذلك عدم تعيين رئيس ديوان، وهو منصب وثيق الصلة بالتنسيق اليومي مع الوزير ومتابعة الملفات والبرامج، بما يجعل غياب شاغلي هذين المنصبين مؤشراً يستحق التوقف عنده في أي قراءة لوضع الدبلوماسية التونسية اليوم.

صندوق النقد… عندما اختفى الحافز السياسي

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.

في 2023، كانت أزمة التمويل التونسي في قلب التحركات الأوروبية والدولية. ففي يونيو من ذلك العام، زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تونس رفقة رئيس الوزراء الهولندي ورئيسة المفوضية الأوروبية، وكان دفع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أحد الملفات الأساسية المطروحة.

لكن مسار صندوق النقد تعطل لاحقاً، وتغيرت بالتالي طبيعة النقاش مع العواصم الغربية.

عندما يكون هناك برنامج تمويل دولي كبير مطروح على الطاولة، يصبح حضور وزراء المالية ورؤساء الحكومات أكثر إلحاحاً. أما عندما يغيب هذا المسار، فإن العلاقات الاقتصادية تتحول تدريجياً إلى ملفات ثنائية ومشاريع محددة وتمويلات مرتبطة بقطاعات بعينها.

وهذا يساعد على تفسير لماذا أصبحت إيطاليا، مثلاً، أكثر حضوراً في الملف الاقتصادي والهجرة، في حين تراجع الطابع الجماعي للتحرك الغربي تجاه تونس.

تونس بين الغرب والبحث عن بدائل

في الخلفية، هناك متغير جيوسياسي آخر.

تونس لا تريد، وفق خطابها الرسمي، الدخول في محاور دولية مغلقة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية. اذ ترى أن الجزائر تمثل عمقاً إقليمياً مهماً، فيما تتوسع الاتصالات مع الصين وروسيا ودول الخليج وآسيا.

وهذا التحول لا يعني أن تونس انتقلت إلى «المعسكر الشرقي»، كما أن العواصم الغربية لا تبدو مستعدة للتخلي عنها.

الأصح أن تونس تحاول توسيع هامش المناورة، بينما تحاول الدول الغربية الحفاظ على مصالحها الأساسية بأقل تكلفة سياسية ممكنة.

دبلوماسية تنتظر… أم دبلوماسية تتراجع؟

في النهاية، قد يكون التعبير الأدق لما يحدث هو «إعادة تموضع» وليس «عزلة».

فالغرب لم يغادر تونس: السفارات موجودة، الاتصالات مستمرة، والتعاون الأمني والاقتصادي والهجرة والطاقة لا يزال قائماً. وإيطاليا مثال واضح على استمرار الانخراط، فيما تؤكد المعطيات الأمريكية استمرار الاهتمام بتونس باعتبارها دولة ذات أهمية استراتيجية في شمال أفريقيا والمتوسط.

لكن شيئاً تغير بالفعل: تونس لم تعد تحظى بالضرورة بنفس الزخم السياسي الذي رافقها في السنوات السابقة.

والسؤال الذي يجب أن يطرح في تونس ليس فقط: لماذا لا يأتي الوزراء الغربيون؟

بل أيضاً:

هل تقوم الدبلوماسية التونسية بما يكفي حتى تذهب هي إلى العواصم الكبرى؟

ففي عالم تتحول فيه العلاقات الدولية بسرعة إلى منافسة على النفوذ والاستثمار والأسواق والطاقة، لا يكفي أن تكون السفارة مفتوحة. المطلوب أن تكون فاعلة، وأن يكون السفير حاضراً في دوائر القرار، وأن تتحرك وزارة الخارجية باستمرار، وأن تمتلك تونس أجندة واضحة لما تريد من واشنطن ولندن وروما وباريس وبرلين وطوكيو وأوتاوا.

وإذا كان هناك فعلاً شح في الزيارات، فإن الشغور الدبلوماسي، متى ثبت في بعض المواقع، يصبح الوجه الآخر للمشكلة: عواصم كبرى لا تتحرك بالقدر السابق، ودبلوماسية تونسية مطالبة في الوقت نفسه بإعادة تنشيط حضورها فيها.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة: ربما لا تتراجع تونس من أجندة العواصم الكبرى بقدر ما تتراجع قدرتها على التأثير في تلك الأجندة.