خلف الأضواء البراقة لقاعات المؤتمرات في موسكو، وتحت ظلال المصافحات الدافئة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة القارة السمراء، يدور همس مكتوم في الكواليس. همس لا تشهده منصات الخطابة، بل تفرضه لغة الأرقام الصارمة وجداول البيانات التنموية المعلقة.
بعد سنوات من الدبلوماسية رفيعة المستوى التي انطلقت من منتجع « سوتشي » عام 2019، مروراً بـ « سان بطرسبورغ » 2023، وصولاً إلى قمة موسكو الحالية، يجد الشريك الروسي نفسه أمام معضلة حقيقية: كيف يترجم ترسانته العسكرية الجاذبة ونفوذه السياسي المتصاعد إلى « شراكة لقمة العيش » التي تبحث عنها الشعوب الأفريقية؟
سراب الـ 40 مليار دولار: عندما تعجز التجارة عن مجاراة السياسة
في عام 2019، وقف بوتين بثقة ليعلن أمام نحو 43 رئيس دولة أفريقية عن هدف طموح: مضاعفة حجم التبادل التجاري ليصل إلى 40 مليار دولار خلال خمس سنوات. كان الإعلان بمثابة « الشرارة الأولى » لعودة الدب الروسي لملء الفراغ الذي تركه الغرب.
لكن رياح الواقع جرت بما لا تشتهي سفن الكرملين. تشير البيانات الاقتصادية إلى أن التبادل التجاري تجمد لسنوات عند عتبة الـ 18 مليار دولار بفعل جائحة كورونا وتداعيات حرب أوكرانيا، ورغم قفزه مؤخراً ليسجل قرابة 27.1 مليار دولار، إلا أنه لا يزال يعاني من عاهتين هيكليتين: الأولى أن هذا التبادل يسير في اتجاه واحد تقريباً؛ فموسكو تصدر لأفريقيا سبعة أضعاف ما تستورده منها، والثانية أن أكثر من 70% من هذه التجارة تتركز مع أربع دول فقط في شمال أفريقيا (على رأسها مصر والجزائر)، بينما يظل العمق الأفريقي شبه محروم من الاستثمارات الروسية المباشرة التي لا تتجاوز 1% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في القارة.
وفي هذا السياق، وضع معهد « تشاتام هاوس » البريطاني العريق يده على الجرح في تقريره الأخير حول القمة، حيث أكد خبراء المعهد أن « موسكو تكثف تواصلها الدبلوماسي مع أفريقيا، لكن قدرتها على التنفيذ الاقتصادي تظل محدودة للغاية ». ويوضح التقرير أن الصادرات الروسية لا تزال مقتصرة بشكل نمطي على القمح والسلاح، ورغم نمو الصادرات الزراعية بنسبة 35% لتصل إلى 2.9 مليار دولار، فإن الوعود الكبرى بالاستثمار والبنية التحتية تواجه صعوبات تمويلية ولوجستية حقيقية بفعل العقوبات الدولية.
الدبلوماسية النقدية والالتفاف على « سويفت »
هذا التشخيص الغربي يقابله اعتراف واعٍ من داخل مطبخ صناعة القرار في موسكو. الدكتورة إيرينا أبراموفا، مديرة معهد أفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية وإحدى أبرز الخبراء صياغةً للاستراتيجية الروسية الأفريقية، توثق أن التبادل التجاري الفعلي شق طريقه بصعوبة ليصل إلى 27.7 مليار دولار.
وترى أبراموفا أن العقدة الحقيقية لا تكمن في غياب الإرادة، بل في كوابح النظام المالي العالمي. ولذلك، تكشف أبراموفا أن التركيز الحالي في أروقة قمة موسكو ينصب على « الدبلوماسية النقدية البديلة »، حيث بلغت نسبة التسويات بالروبل والعملات الوطنية في بعض المبادلات الحيوية نحو 84%، وهو المخرج الوحيد الذي تراه موسكو لكسر طوق العقوبات الغربية ونظام « سويفت » المالي.
البندقية الروسية والغطاء الأمني في الساحل
إذا كانت الأرقام الاقتصادية محل شد وجذب، فإن الخريطة الأمنية تحكي قصة نجاح روسي باهر. هنا في منطقة الساحل المضطربة، تحولت موسكو من « مراقب بعيد » إلى « مستشار أمني أول ».
مع انسحاب القوات الفرنسية والأمريكية من مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، تقدمت روسيا بسلاسة لملء الفراغ عبر بوابتين: السلاح الجاهز دون شروط سياسية، والغطاء العسكري الميداني عبر « الفيلق الأفريقي » التابع لوزارة الدفاع الروسية. اليوم، تتواجد قوات وإمدادات عسكرية روسية في ما لا يقل عن 9 دول أفريقية.
هذا التمدد يفسره جيمس جوناه، الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة للشؤون السياسية، برؤية مغايرة للسائد. يرى جوناه أن الارتماء الأفريقي في أحضان موسكو ليس « تبعية عمياء جديدة »، بل هو مناورة استراتيجية ذكية من قادة القارة. ويقول جوناه: « إنها رغبة أفريقية عارمة في فتح خيارات متعددة وكسر احتكار القوى الدولية التقليدية. الدول الأفريقية لا تبحث عن استبدال مستعمر بآخر، بل تستخدم الدبلوماسية الروسية كمخرج استراتيجي لتحقيق التوازن مع أمريكا، الصين، والاتحاد الأوروبي ».
مصر والشمال الأفريقي.. الجسر التاريخي
وفي مقابل التمدد الأمني في وسط وغرب القارة، يظل الشمال الأفريقي بمثابة الصمام الاقتصادي الحقيقي لروسيا. وهنا برزت مشروعات تكنولوجية عملاقة كادت تكون الاستثناء الوحيد للوعود الورقية، وعلى رأسها محطة الضبعة النووية في مصر التي تنفذها شركة « روساتوم » الحكومية.
يعلق الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، على هذا المحور قائلاً: « إن دول شمال أفريقيا، وتحديداً مصر، تمثل الجسر الاستراتيجي والتاريخي الذي يربط روسيا بالعمق الأفريقي ». ويضيف سيد أحمد أن « التنسيق الدبلوماسي عالي المستوى وبناء الشراكات الكبرى في مجالات الطاقة النووية يُمثل حجر الزاوية الذي تبني عليه روسيا سياستها الحالية، ليس فقط لفتح أسواق جديدة، بل لتعويض الانكماش الحاد في علاقاتها مع العواصم الغربية بعد حرب أوكرانيا ».
خاتمة: قمة موسكو.. فرصة أخيرة للاستدراك
تأتي قمة موسكو الثالثة محملة بأجندة تشمل توقيع أكثر من 33 وثيقة جديدة لخطط العمل المشتركة الممتدة حتى عام 2029، وتحت شعارات فضفاضة تركز على « السيادة والتنمية المشتركة ».
لكن قادة القارة السمراء، الذين نضجت دبوماسيتهم بفعل عقود من التنافس الدولي، لم يعودوا يكتفون بالخطابات المناهضة للإمبريالية الغربية أو شحنات القمح المجانية البديلة. إنهم يبحثون اليوم عن مشاريع بنية تحتية، وشبكات طاقة، واستثمارات حقيقية تخفف من معدلات البطالة بين شبابهم.
وكما يتضح من قراءات تشاتام هاوس، وأبراموفا، وسيد أحمد، ستظل الشراكة الروسية الأفريقية عرجاء؛ تمشي بقدم أمنية عسكرية قوية وقدم اقتصادية كسيحة، ما لم تنجح موسكو في ابتكار آليات مالية مرنة تنقل وعودها الاستثمارية من أدراج مذكرات التفاهم المغلقة إلى واقع التطبيق الفعلي على الأرض.
