من رخصة استكشاف أقرتها اللجنة الاستشارية للمناجم إلى مشروع تستهدفه واشنطن برأس المال والمعدات.. الماء والبيئة والملكية الأجنبية تفتح أسئلة المرحلة المقبلة
لم يعد مشروع «القصعات» للفوسفات في ولاية القصرين مجرد اسم آخر في قائمة المشاريع المنجمية التي تنتظر أن ترى النور.
المشروع، الذي تقوده الشركة الأسترالية فوسكو قطع خلال الأشهر والسنوات الماضية مراحل مهمة. فقد حصلت الشركة على موافقة اللجنة الاستشارية للمناجم على رخصة استكشاف الفوسفات في «غازعات» في نوفمبر 2024، قبل أن تدخل الرخصة رسمياً حيز المنح في مارس 2025. وتغطي الرخصة مساحة تناهز 112 كيلومتراً مربعاً في ولاية القصرين.
واليوم، يأتي التطور الأميركي ليضع المشروع في سياق مختلف تماماً.
فوزارة الخارجية الأميركية نشرت طلباً للحصول على تمويل يصل إلى نحو 1.54 مليون دولار في إطار برنامج يستهدف دعم الانخراط التجاري والاستثماري في تطوير مشروع «القصعات» وربطه بسلاسل توريد المعادن الحيوية.
لكن أهمية الخطوة الأميركية لا تكمن في قيمة المنحة وحدها.
فالمبادرة تستهدف، وفق المعطيات المنشورة، جذب استثمارات ورؤوس أموال ومعدات أميركية إلى المشروع، بما يمكن أن يفتح الباب أمام مساهمة أميركية كبيرة في رأس مال الشركة المطورة، إلى جانب صادرات أميركية من المعدات واتفاقيات توريد طويلة الأمد.
وبذلك، فإن ما يجري لا يبدو مجرد بحث عن تمويل لمشروع منجمي تونسي، بل محاولة لإدخاله في شبكة أوسع تشمل رأس المال والتكنولوجيا والمعدات والأسواق وسلاسل التوريد.
وهنا تبدأ الأسئلة التي تعني تونس مباشرة.
المشروع تجاوز منذ فترة مرحلة «مذكرة التفاهم»
من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي تناول سريع للملف التعامل مع «القصعات» باعتباره مجرد مشروع ما زال في مرحلة مذكرة تفاهم.
الواقع أكثر تقدماً.
في 27 نوفمبر 2024، أعلنت الهيئة التونسية للاستثمار أن اللجنة الاستشارية للمناجم وافقت على رخصة استكشاف الفوسفات في غازعات، بالتوازي مع توقيع مذكرة تفاهم بين شركة فوسكو ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وكانت الشركة قد أعلنت في البداية أن منح الرخصة رسمياً كان ينتظر استكمال بعض الإجراءات، قبل أن تؤكد لاحقاً أن الرخصة منحت رسمياً في 6 مارس 2025.
وهذا التفصيل مهم جداً.
فاللجنة الاستشارية للمناجم ليست مجرد طرف استشاري في مشروع تجاري عادي، وإنما هي جزء من المسار الحكومي المتعلق بالعناوين المنجمية.
وبالتالي فإن المشروع تجاوز فعلياً مرحلة الفكرة ومذكرة التفاهم إلى رخصة استكشاف حكومية سمحت للشركة بمواصلة أعمالها في المنطقة.
لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن الشركة حصلت على رخصة استغلال نهائية.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي تحتاج إلى توضيح رسمي: أين ينتهي اليوم نطاق رخصة الاستكشاف، وأين يبدأ المسار الذي سيقود إلى رخصة الاستغلال؟
ماذا يوجد في ملف اللجنة الاستشارية للمناجم؟
إذا كانت واشنطن اليوم تكتشف جاذبية «القصعات»، فإن الدولة التونسية كانت قد درست المشروع قبل ذلك.
فاللجنة الاستشارية للمناجم نظرت في الملف ووافقت على رخصة الاستكشاف.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: ماذا قدمت الشركة للجنة حتى تحصل على الموافقة؟
ما هو برنامج البحث الذي التزمت به؟
ما هي المساحة التي شملتها الرخصة؟
ما هي مدة الرخصة؟
ما هي الاستثمارات والأشغال التي تعهدت بها الشركة؟
وهل تضمنت الموافقة شروطاً تتعلق بالمياه أو البيئة أو البنية التحتية أو التنمية المحلية؟
هذه الوثائق ليست تفصيلاً إدارياً. فهي التي تحدد عملياً العلاقة الأولى بين الدولة التونسية والمستثمر الأجنبي.
وكلما اقترب المشروع من مرحلة الاستغلال، ستصبح هذه الشروط أكثر أهمية.
شركة أسترالية بدأت فعلياً في بناء المشروع
شركة فوسكو لا تتعامل مع «القصعات» باعتباره مجرد احتمال بعيد.
المشروع أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجيتها في تونس، وتقول الشركة إن رخصة «غازعات» تغطي مساحة 112 كيلومتراً مربعاً وتشمل مشروع «شكتيمة» السابق وامتدادات محتملة للمكمن.
كما ارتفعت تقديرات الموارد المعدنية للمشروع، مع استمرار أعمال الاستكشاف والدراسات الفنية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
الشركة بدأت بالفعل في تطوير مشروع منجمي على مستوى الاستكشاف والدراسات والبنية الفنية، لكنها لم تدخل بعد، وفق المعطيات المتاحة، مرحلة الإنتاج التجاري الكامل.
وهذا هو السبب الذي يجعل اللحظة الحالية حساسة.
فكل القرارات التي تتخذ الآن ستؤثر لاحقاً في شكل المشروع عندما يتحول من مشروع استكشاف إلى مشروع استغلال وإنتاج.
لماذا دخلت الولايات المتحدة الآن؟
واشنطن لا تنظر إلى المعادن الحيوية باعتبارها مجرد مواد خام.
خلال السنوات الأخيرة أصبحت الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بتأمين سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن والمواد التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية لصناعاتها وأمنها الاقتصادي.
والفوسفات يدخل في قلب منظومة الأسمدة والزراعة والأمن الغذائي.
ومن هنا يمكن فهم التحرك الأميركي تجاه مشروع تونسي تديره شركة أسترالية.
المسألة لا تبدو إذن علاقة ثنائية بسيطة بين تونس والولايات المتحدة.
هناك ثلاث حلقات على الأقل:
تونس تملك المورد.
شركة أسترالية تطور المشروع.
والولايات المتحدة تريد أن تجد لنفسها موقعاً في رأس المال والتجهيزات وسلسلة التوريد.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام استثمار أميركي في مشروع تونسي، أم أمام محاولة لإدخال مورد تونسي استراتيجي في منظومة أوسع لتأمين سلاسل التوريد الأميركية؟
الفرق بين السؤالين ليس بسيطاً.
واشنطن لا تمول فقط.. بل تبحث عن موطئ قدم
المبلغ المقترح، نحو 1.54 مليون دولار، قد يبدو محدوداً مقارنة بحجم مشروع منجمي كبير.
لكن قيمة المبادرة لا تقاس بالمنحة وحدها.
فالهدف هو تهيئة الظروف أمام مشاركة تجارية واستثمارية أميركية، بما في ذلك استقطاب رأس المال والمعدات والخدمات الأميركية وربط المشروع بالأسواق.
وهنا تصبح الملكية نقطة حساسة.
إذا دخل مستثمر أميركي بحصة كبيرة في الشركة، فإن السؤال لا يعود فقط: كم ستستثمر الولايات المتحدة؟
بل يصبح:
من سيملك المشروع بعد عشر سنوات؟
فالشركة التي تحمل رخصة الاستكشاف اليوم قد تكون تركيبتها الرأسمالية مختلفة غداً.
وقد يدخل مستثمرون جدد.
وقد تنتقل الأسهم.
وقد تحدث عمليات اندماج أو استحواذ.
وهنا تحتاج الدولة إلى معرفة ليس فقط اسم المساهم المباشر، وإنما أيضاً من يملك القرار فعلياً ومن هو المستفيد النهائي من الاستثمار.
لا يكفي أن نعرف من يملك الشركة اليوم
هذه نقطة تبدو قانونية، لكنها في الواقع سياسية واقتصادية أيضاً.
فالثروة المنجمية الموجودة في الأرض التونسية لا تتغير ملكيتها لمجرد تغير المساهمين في شركة أجنبية.
لكن تغيير السيطرة على الشركة التي تحمل حقوق المشروع يمكن أن يغير عملياً موازين القوة داخل المشروع.
لذلك سيكون من المهم معرفة:
هل تتطلب أي عملية تغيير جوهري في ملكية الشركة أو السيطرة عليها موافقة السلطات التونسية؟
هل توجد آلية لمراقبة المستثمر الجديد؟
هل تنطبق الرقابة فقط على المساهم المباشر أم تشمل المستفيد الحقيقي؟
وماذا يحدث إذا انتقلت السيطرة على الشركة الأسترالية نفسها إلى شركة أو صندوق استثمار آخر؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون محسومة قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة الإنتاج، لا بعد حدوث تغيير في الملكية.
الماء.. الاختبار الأصعب
لكن كل هذه الأسئلة قد تبقى ثانوية أمام السؤال الذي يمكن أن يحدد مستقبل المشروع فعلياً:
من أين سيأتي الماء؟
فمشروع منجمي وصناعي بهذا الحجم يحتاج إلى كميات من المياه خلال مراحل المعالجة.
وفي بلد يعيش ضغطاً مائياً متزايداً، وفي منطقة مثل القصرين التي تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالموارد المائية، لا يمكن التعامل مع هذه المسألة باعتبارها تفصيلاً تقنياً.
الشركة تقول إنها وضعت منذ مرحلة التصميم الأولي حلولاً لتقليص استهلاك المياه، من بينها ترشيح المخلفات وإعادة تدوير مجاري المياه وإمكانية إعادة استعمال المياه العادمة المنزلية.
وتقول إن هذه الإجراءات يمكن أن تخفض استهلاك المياه إلى نحو 0.7 متر مكعب لكل طن من الخام المعالج، وهو مستوى تعتبره الشركة أقل من نصف استهلاك عمليات فوسفات تونسية أخرى.
فهذا الرقم هو تقدير قدمته الشركة في إطار تصميم المشروع.
أما السؤال الذي يهم الدولة والمواطنين فهو:
هل أصبح هذا الرقم التزاماً نهائياً؟
ومن أين ستأتي المياه؟
هل ستكون مياه جوفية؟
أم مياه معالجة؟
أم مياهاً قليلة الملوحة؟
وهل ستقيم الشركة منظومة مستقلة للمعالجة وإعادة الاستعمال؟
ومن سيدفع كلفة هذه المنظومة؟
وهل توجد دراسة مستقلة تؤكد أن المشروع لن يضغط على الموارد المائية المحلية؟
الشركة قدمت حلاً.. لكن هل أصبح ملزماً؟
تقول فوسكو إن التصميم الأولي للمشروع يعتمد على إعادة تدوير المياه وتقليل استهلاكها.
هذه نقطة إيجابية من حيث المبدأ.
لكن الفرق كبير بين حل تقني تقترحه الشركة وبين التزام قانوني وبيئي تراقبه الدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على وزارة الصناعة ووزارة البيئة هو:
هل تم اعتماد الحل المائي المقترح من الشركة ضمن وثائق المشروع الرسمية؟
وإذا كان الجواب نعم، فما هي الكميات النهائية؟
وما هي مصادر المياه؟
وما هي الضمانات؟
وما هي آليات المراقبة؟
وماذا يحدث إذا تجاوز الاستهلاك المستوى الذي تعهدت به الشركة؟
هذه التفاصيل هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كان المشروع قادراً فعلاً على التعايش مع واقع مائي صعب.
الجبس الفسفوري.. هل تعلمت تونس من تجربة قابس؟
هناك ملف آخر لا يقل حساسية: الجبس الفسفوري.
فشركة فوسكو دخلت في مذكرة تفاهم مع وزارة الصناعة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لدراسة تقنيات يمكن أن تحول الجبس الفسفوري إلى مواد خاملة.
لكن حتى هنا يجب الانتباه إلى الفرق بين «دراسة تقنية» و«حل صناعي نهائي».
هل انتهت الدراسة؟
هل تم اختبار التقنية على خام المشروع؟
ما هي الكميات التي ستنتج؟
كيف سيتم تخزين المخلفات؟
وهل ستتم معالجة الجبس قبل تخزينه؟
ومن سيتحمل مسؤولية هذه المخلفات على المدى الطويل؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر في تونس بسبب التاريخ الطويل لمشكلة الجبس الفسفوري في قابس.
وفي مارس 2025، شددت الحكومة التونسية على ضرورة إيجاد حلول لمخلفات الفوسفات، كما أقرت ضمن برنامج القطاع 2025-2030 العمل على تثمين الجبس الفسفوري وتحويله إلى منتج ذي قيمة مضافة، مع إعطاء الأولوية للجانب البيئي.
كما دعا رئيس الجمهورية إلى إيجاد حل نهائي لمشكلة الجبس الفسفوري وإلى تطوير تقنيات غسل الفوسفات باستعمال المياه المعالجة بدلاً من المياه الصالحة للشرب.
وهذا يعني أن ملف «القصعات» لا يمكن فصله عن الدرس الذي تركته التجربة الفسفاطية في قابس.
هل سيصدر الفوسفات خاماً أم ستصنع تونس القيمة المضافة؟
إذا استخرج الفوسفات من القصرين ثم خرج من تونس في صورة خام، فإن جزءاً كبيراً من القيمة الاقتصادية سيتحقق خارج البلاد.
أما إذا أقيمت وحدات للمعالجة والتحويل وإنتاج الأسمدة ومشتقات الفوسفات، فإن المشروع يمكن أن يتحول إلى قطب صناعي حقيقي.
وهذا السؤال ليس نظرياً.
فالحكومة التونسية وضعت ضمن برنامجها للفترة 2025-2030 هدفاً لرفع إنتاج الفوسفات، بالتوازي مع تطوير النقل والتحويل وإحداث وحدات جديدة لإنتاج مشتقات فوسفاتية وأسمدة، مع معالجة ملفات الماء والبيئة.
لذلك سيكون من المشروع أن تسأل الدولة:
أين يقع «القصعات» في هذه الاستراتيجية الوطنية؟
هل سيكون مجرد منجم جديد؟
أم جزءاً من منظومة تونسية متكاملة تبدأ بالاستخراج وتنتهي بالتحويل والتصدير؟
وماذا عن شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي؟
وجود مشروع خاص وأجنبي في قطاع لطالما ارتبط بالمؤسسات العمومية يفرض سؤالاً آخر.
ما العلاقة المستقبلية بين «القصعات» وشركة فسفاط قفصة؟
هل يمكن أن تستفيد الشركة الجديدة من الخبرات التونسية المتراكمة؟
هل يمكن أن يقع تعاون في النقل أو المعالجة أو التكوين؟
أم أن المشروع سيبقى منفصلاً بالكامل عن المنظومة العمومية؟
والأمر نفسه ينطبق على المجمع الكيميائي التونسي.
إذا انتقل «القصعات» إلى إنتاج حمض الفوسفوريك والأسمدة، فهل ستكون هناك شراكة مع المجمع؟
أم ستنشأ منظومة صناعية مستقلة موجهة بالكامل إلى التصدير؟
هذه القرارات ستحدد ما إذا كان المشروع سيصبح إضافة إلى قطاع الفوسفات التونسي أم صناعة موازية له.
البنية التحتية.. من سيدفع؟
هناك أيضاً كلفة أخرى لا تظهر دائماً في أرقام الاستثمار: البنية التحتية.
المشروع يحتاج إلى نقل، وسكك حديدية، وطاقة، ومياه، ومنشآت للمعالجة والتصدير.
والشركة تشير إلى قرب المشروع من شبكة السكك الحديدية، فيما يرتبط تطوير الحوض الشمالي برفع قدرات البنية التحتية.
لكن السؤال بسيط:
من سيدفع؟
الشركة؟
الدولة؟
مؤسسات التمويل الدولية؟
أم خليط من هذه الأطراف؟
وإذا أنفقت الدولة أموالاً عمومية على بنية تحتية تخدم المشروع، فما هي القيمة التي ستعود على الدولة مقابل ذلك؟
وهل ستبقى تلك البنية التحتية ملكاً عاماً يمكن أن تستفيد منها المنطقة ومشاريع أخرى؟
هذه الأسئلة يجب أن تدخل في حساب الجدوى الاقتصادية للمشروع، لا أن تبقى خارجها.
القصرين.. ماذا سيبقى لها؟
الشركة تتحدث عن فرص شغل مهمة، وعن إمكانية إشراك المجتمعات المحلية في المشروع.
وبحسب الشركة، يمكن أن يوفر المشروع نحو ألف موطن شغل خلال مرحلة البناء، قبل أن يستقر العدد في حدود 500 وظيفة مباشرة خلال مرحلة التشغيل، كما أعلنت التزاماً بمشاركة محلية في المشروع.
لكن التجربة التونسية تجعل من الضروري ألا تقاس التنمية بعدد مواطن الشغل فقط.
ماذا عن المؤسسات الصغرى؟
ماذا عن الخدمات؟
ماذا عن الطرق؟
ماذا عن النقل؟
ماذا عن تكوين أبناء الجهة؟
وماذا عن الصناعات التي يمكن أن تنشأ حول المنجم؟
فإذا خرج الخام من القصرين وبقيت المنطقة مجرد موقع للاستخراج، فإن القيمة المضافة ستكون محدودة.
أما إذا نشأت حوله منظومة صناعية وخدماتية، فقد يتحول المشروع إلى نقطة تغيير حقيقية في اقتصاد الجهة.
«القصعات» بين ثلاث عواصم
اليوم، يبدو المشروع وكأنه يقف عند تقاطع ثلاث مصالح.
أستراليا، عبر شركة فوسكو التي تقود المشروع وتتحمل منذ سنوات كلفة الاستكشاف والدراسات.
تونس، باعتبارها صاحبة الأرض والثروة والسلطة التي تمنح الرخص وتحدد شروط الاستغلال.
والولايات المتحدة، التي بدأت تبحث عن موطئ قدم في مشروع يمكن أن يدخل ضمن سلاسل إمداد المعادن والمواد الاستراتيجية.
وهناك أيضاً لاعب رابع لا يمكن تجاهله: المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، الذي دخل في مسار التعاون مع الشركة ووزارة الصناعة لدراسة تطوير الحوض الشمالي وتمويل الدراسات وإيجاد حلول لمخلفات الفوسفات.
لهذا فإن «القصعات» لم يعد مشروع شركة أجنبية في منطقة تونسية فحسب.
إنه مشروع تتقاطع فيه مصالح استثمارية تونسية ودولية وجيو-اقتصادية.
السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس الآن
ليس المطلوب أن ترفض تونس الاستثمار الأجنبي.
وليس المطلوب أيضاً أن تنظر إلى كل اهتمام أميركي أو أوروبي بالمشروع باعتباره خطراً.
لكن المطلوب أن تكون الدولة واضحة في شروطها.
فقبل الانتقال إلى مرحلة الاستغلال، يجب أن تكون الإجابة واضحة عن خمسة ملفات:
الماء: من أين يأتي وكم سيستهلك المشروع؟
البيئة: كيف ستعالج المخلفات والجبس الفسفوري؟
القيمة المضافة: ماذا سيصنع داخل تونس وماذا سيصدر خاماً؟
الملكية: من يملك الشركة فعلياً ومن يملك حق تغيير السيطرة عليها؟
العائد الوطني: ماذا ستكسب تونس والقصرين مقابل استغلال مورد طبيعي بهذا الحجم؟
هذه ليست أسئلة ضد الاستثمار.
بل هي الأسئلة التي يفترض أن تسبق الاستثمار.
فالمشروع الذي يدخل تونس بشروط واضحة، ويحترم مواردها المائية، ويضمن حماية البيئة، ويخلق قيمة مضافة محلية، ويخضع لرقابة الدولة على الملكية والسيطرة، يمكن أن يكون مكسباً حقيقياً.
أما أن تتحول تونس إلى مجرد أرض يستخرج منها الفوسفات بينما تتوزع القيمة المضافة والقرار بين عواصم أخرى، فذلك سيناريو آخر تماماً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه بعد دخول واشنطن على الخط:
إذا كان فوسفات القصرين مورداً تونسياً، فهل ستكتفي تونس بمنح الرخص ومراقبة المنجم، أم ستفاوض هذه المرة على موقعها في كامل سلسلة القيمة؟
فالرهان الحقيقي في «القصعات» لم يعد فقط على ما يوجد تحت الأرض.
الرهان أصبح على من يملك القرار، ومن يملك التكنولوجيا، ومن يملك رأس المال، ومن يملك السوق… والأهم، ماذا سيبقى لتونس بعد استخراج أول طن من الفوسفات.
***ملاحظة هامة … هذا التقرير أنجز بمساعدة مجموعة من الخبراء ومسؤولين سابقين في الميدان



