في قلب شارع الحبيب بورقيبة، الشريان الأشهر للعاصمة تونس، حيث تتقاطع حركة المدينة اليومية مع ذاكرة أجيال كاملة، يقف مبنى الكوليزي شاهداً على زمن مختلف. زمن كانت فيه وسط العاصمة أكثر من مجرد فضاء للعبور، بل مكاناً للحياة واللقاءات، حيث كانت العمارة تحمل قصصاً، والممرات تحفظ أسماء، والمحلات تصنع صورة المدينة.
اليوم، يقف الكوليزي في مواجهة واقع مختلف تماماً. فالمعلم الذي كان لعقود عنواناً للأناقة والثقافة والترفيه، والذي ارتبط اسمه بالسينما والفن والتجارة، أصبح يعاني من مظاهر الإهمال والتراجع. محلات مغلقة، ممرات فقدت حركتها، أجزاء تحتاج إلى صيانة، وصورة لا تتناسب مع قيمة مبنى اختصر جانباً مهماً من تاريخ العاصمة.
لكن قصة الكوليزي ليست قصة تراجع فقط، بل قصة ذاكرة طويلة تمتد منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان المبنى أحد رموز الحداثة في تونس، إلى اليوم حيث يطرح السؤال: كيف يمكن إنقاذ معلم لم يكن مجرد حجارة، بل جزءاً من ذاكرة مدينة؟
الكوليزي… أكثر من بناية في شارع الحبيب بورقيبة
عندما افتتح الكوليزي سنة 1937، لم يكن مجرد مشروع عقاري جديد، بل كان انعكاساً لتحول عرفته العاصمة التونسية في تلك الفترة. فقد جاء في مرحلة كانت فيها تونس تشهد توسعاً عمرانياً وتغيراً في نمط الحياة داخل المدينة.
موقعه لم يكن عادياً. فقد تمركز في قلب العاصمة، عند نقطة استراتيجية تربط بين شارع الحبيب بورقيبة ونهج مرسيليا وشارع باريس، وهي منطقة كانت ولا تزال من أكثر مناطق تونس حركة.
هذا الموقع جعل من الكوليزي فضاءً مفتوحاً على كل فئات المجتمع. كان المواطن يدخل إليه للتسوق، أو مشاهدة فيلم، أو لقاء الأصدقاء، أو المرور عبر ممراته الداخلية التي أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من ذاكرة المدينة.
لم يكن المبنى مجرد طوابق ومحلات، بل كان فضاءً تتقاطع فيه التجارة والثقافة والترفيه. ولهذا اكتسب مكانة خاصة جعلته أحد أبرز معالم العاصمة الحديثة.
من مرّ من هنا؟… أسماء صنعت ذاكرة الكوليزي
لكل معلم كبير وجوه مرّت من خلاله، والكوليزي يحمل قائمة طويلة من الأسماء والقصص.
فقد كان المكان نقطة جذب للفنانين والمثقفين والصحفيين، ليس فقط بسبب قاعة السينما، بل بسبب طبيعة الفضاء نفسه، حيث كانت المحلات والمقاهي والفضاءات المجاورة تمنح المكان حياة مستمرة.

هنا مرّ فنانون تونسيون وعرب وأجانب، وهنا التقى المثقفون في فترة كانت فيها وسط العاصمة مركزاً للحياة الثقافية.
كما ارتبط اسم الكوليزي بشخصيات صنعت جزءاً من تاريخ الفن في تونس، من بينها المصور اليوناني الايطالي الشهير غيز، المصور والبارع في فن البورتريه، الذي كان له استوديو فني داخل غاليري الكوليزي خلال أربعينيات القرن الماضي.
لم يكن استوديو غيز مجرد محل تصوير، بل كان فضاءً يقصده الفنانون والشخصيات العامة لتوثيق صورهم. وقد اشتهر بقدرته على إدارة جلسات التصوير وصناعة صورة تعكس شخصية صاحبها، ليصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة مهمة من تاريخ التصوير الفني في تونس.

قاعة السينما… عندما أصبح الكوليزي عاصمة للفرجة
رغم أن الكوليزي أكبر من قاعة السينما، فإن هذه القاعة كانت بلا شك أحد أهم عناصر شهرته.
فقد كانت لسنوات طويلة من أشهر القاعات السينمائية في تونس، حتى أطلق عليها البعض لقب « ملكة القاعات » لما كانت توفره من ظروف عرض ومكانة ثقافية.
لكن أهمية القاعة لم تكن فقط في عرض الأفلام، بل في الدور الذي لعبته داخل المشهد الثقافي الوطني.
لقد أصبحت مرتبطة بأهم المواعيد السينمائية في تونس، وعلى رأسها أيام قرطاج السينمائية التي انطلقت سنة 1966، ذلك الحدث الذي جعل تونس منارة لسينما الجنوب، وفتح المجال أمام تجارب سينمائية إفريقية وعربية لم تكن تجد دائماً فضاءات للتعبير.
كان تأسيس المهرجان ثمرة رؤية حملها الأب الروحي للسينما التونسية الطاهر شريعة، الذي آمن بأن السينما يمكن أن تكون صوتاً للشعوب وقناة للحوار بين الثقافات، إلى جانب أسماء إفريقية بارزة من بينها السينمائي السنغالي عصمان صمبان.
وعبر عقود، استقبلت أيام قرطاج السينمائية أسماء صنعت تاريخ الفن السابع، من بينها المخرج المصري الكبير يوسف شاهين، والمخرج المالي سليمان سيسيه.
كما شهدت القاعات المرتبطة بالمهرجان حضور نجوم كبار من الشاشة العربية والعالمية، من بينهم النجمة الإيطالية كلوديا كاردينالي والنجم المصري عادل إمام، إلى جانب أسماء تونسية وعربية ساهمت في تكريس مكانة المهرجان كجسر ثقافي بين الشعوب.
لكن السينما كانت فصلاً من قصة الكوليزي، وليست القصة كلها.
الروتندة… حين كانت الثقافة تُصنع حول الطاولات
إذا كانت قاعة السينما تمثل الجانب الفني للكوليزي، فإن الروتندة كانت تمثل ذاكرته الاجتماعية والثقافية.
لعقود، كانت الروتندة ملتقى للفنانين والكتاب والصحفيين والمثقفين. هناك كانت تدور النقاشات حول السينما والمسرح والأدب والسياسة والثقافة.
لم تكن مجرد فضاء للجلوس، بل كانت جزءاً من المشهد الثقافي للعاصمة، خاصة خلال فترات المهرجانات، عندما كانت تونس تستقبل ضيوفاً من مختلف أنحاء العالم.
كانت تلك المرحلة التي كانت فيها المقاهي والفضاءات الاجتماعية تلعب دوراً مهماً في تشكيل العلاقات الثقافية وصناعة الأفكار.
كريزي هورس… الوجه الآخر للكوليزي
وللكوليزي ذاكرة أخرى مرتبطة بالحياة الليلية.
فداخل المبنى كان يوجد نادي كريزي هورس ، الذي كان أحد الفضاءات المعروفة في العاصمة.
وقد مثل هذا النادي جانباً مختلفاً من شخصية المكان، حيث كانت الحياة الليلية جزءاً من صورة وسط تونس خلال عقود ازدهار المدينة.
هكذا كان الكوليزي يجمع بين عالم النهار وعالم الليل: محلات مفتوحة، قاعة سينما، فضاءات للقاء، ونشاطات ترفيهية جعلته أكثر من مجرد مبنى.

الكوليزي التجاري… عندما كانت المحلات تصنع شهرة المكان
إلى جانب الفن والثقافة، كان للكوليزي دور تجاري بارز.
فممراته كانت تعج بالمحلات التي يقصدها المواطنون، من متاجر الأزياء إلى الساعاتيين وأصحاب المهن المختلفة.
وكان وجوده في قلب العاصمة يمنحه حركة دائمة، خاصة مع قربه من أهم الشوارع التجارية.
كان المرور عبر الكوليزي جزءاً من الحياة اليومية لسكان العاصمة، حيث لم يكن الشخص يأتي إليه لقضاء حاجة واحدة فقط، بل يعيش تجربة كاملة.
اليوم… معلم فقد جزءاً كبيراً من حياته
لكن الجولة داخل الكوليزي اليوم تكشف تحولاً عميقاً.
فالمكان الذي كان يعج بالحركة أصبح يعاني من تراجع واضح. عدد المحلات المغلقة أصبح لافتاً، وبعض الواجهات فقدت بريقها، والممرات لم تعد تستقبل ذلك العدد من الزوار الذي عرفته لعقود.
الصمت الذي يخيم على بعض أجزائه لم يعد علامة هدوء، بل أصبح شاهداً على أزمة.
ويرى متابعون للشأن العمراني أن أسباب هذا التراجع متعددة: تغير أنماط الاستهلاك، ظهور مراكز تجارية حديثة، صعوبات الملكية المشتركة، ارتفاع كلفة الصيانة، وغياب مشاريع متكاملة لإعادة تأهيل المباني التاريخية.
أوساخ وروائح… صورة لا تشبه تاريخ المكان
إلى جانب التراجع التجاري، يواجه الكوليزي مشكلة أخرى تتعلق بوضعه الداخلي.
ففي بعض الممرات تظهر مظاهر إهمال واضحة: فضلات متراكمة، روائح كريهة، وتراجع في مستوى العناية بالنظافة.
والمفارقة أن هذا الوضع يخص معلماً يقع في قلب العاصمة، في شارع يعتبر واجهة تونس أمام المواطنين والزوار والسياح.
فالقضية لا تتعلق فقط بمظهر مبنى قديم، بل بصورة مدينة كاملة وطريقة تعاملها مع ذاكرتها.

خطر على المارة… عندما يصبح الإهمال مسألة سلامة

ولا تتوقف المشكلة عند الجانب الجمالي.
فبعض أجزاء المبنى تحتاج إلى تدخلات صيانة، من حفر وتشققات وتدهور بعض التجهيزات، إضافة إلى مشاكل مرتبطة بالرطوبة وتصريف المياه.
ومع اقتراب الكوليزي من تسعة عقود من الوجود، فإن الحاجة إلى برنامج صيانة شامل أصبحت أكثر إلحاحاً.
خسارة تتجاوز الحجر
إن تراجع الكوليزي لا يمثل خسارة لبناية فقط.
فالذي يضيع اليوم ليس مجرد محل أو ممر أو قاعة، بل جزء من ذاكرة العاصمة.
فهذا المكان احتضن أجيالاً من التونسيين، وشهد لحظات ثقافية وفنية واجتماعية لا يمكن تعويضها بسهولة.
إنقاذ الكوليزي يعني الحفاظ على جزء من هوية وسط المدينة.

هل يستعيد الكوليزي حياته؟
تجارب مدن كثيرة أثبتت أن المعالم التاريخية يمكن أن تستعيد دورها عندما تتوفر رؤية تجمع بين الترميم وإعادة التوظيف والحفاظ على الذاكرة.
والكوليزي لا يحتاج فقط إلى تنظيف أو إصلاحات جزئية، بل يحتاج إلى مشروع يعيد تعريف دوره في العاصمة.
فهو ليس قاعة سينما قديمة فقط، وليس مركزاً تجارياً متراجعاً فقط، بل هو معلم اختصر قرناً من حياة تونس.
والسؤال اليوم ليس فقط: ماذا بقي من الكوليزي؟
بل أيضاً: هل تنجح تونس في إنقاذ مكان كان يوماً أحد أهم عناوينها؟
*** لا يزال إسناد بناء مجمّع الكوليزي إلى المهندس المعماري سالفاتور أغليوني اعتماداً على تصاميم وضعها المهندسان المعماريان الفرنسيان جورج بيولان ومارسيل روايي ، أمراً غير محسوم بشكل نهائي.
أما صاحب المشروع الذي أمر بتشييد هذه العمارة الضخمة، التي كانت من أبرز معالم شارع جول فيري سابقاً (شارع الحبيب بورقيبة حالياً)، فهو جوزيبي كانينو ، وهو صناعي إيطالي استقر في تونس منذ سنة 1902.
يعود تاريخ هذا المبنى، الذي يتميز بواجهة بسيطة وأنيقة تعكس خصائص المرحلة الأخيرة من طراز الأرت ديكو في تونس، إلى سنوات 1931 و1932.
المصدر المصدر: صفحة فايسبوك
« La Tunisie d’Antan Groupe Officiel »


