لا يتعلق الأمر هذه المرة بحفر بئر أو اثنين ثم الانسحاب. الشركة الأسترالية «فوسكو» تواصل توسيع عملياتها في تونس، وتحديداً في منطقة سقارنة من ولاية سليانة، حيث تمتد رخصة الاستكشاف على مساحة تناهز 128 كيلومتراً مربعاً.
الشركة أعلنت اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 عن نتائج جديدة للحفر، شملت الجزء الشمالي من سقارنة، إلى جانب عمليات أخرى في منطقة دوح القريبة.
في سقارنة الشمالية، وهما أول بئرين تحفرهما الشركة في هذا الجزء من الرخصة، تم تسجيل 6 أمتار من التمعدن الفوسفاتي في البئر الأول، انطلاقاً من عمق 46.5 متراً، فيما سجل البئر الثاني 7.4 أمتار ابتداء من عمق 25 متراً.
وفي منطقة دوح، سجلت عمليات الحفر بدورها امتدادات فوسفاتية بلغت 8.1 أمتار و9 أمتار في بئرين جديدين.
لكن الشركة لم تعلن بعد عن النتائج المخبرية النهائية التي تحدد نسبة خامس أكسيد الفوسفور في هذه العينات. لذلك فإن المعطيات الحالية تتعلق بوجود تمعدن فوسفاتي، ولا تسمح بعد بالحديث عن احتياطي جاهز للاستغلال.
لماذا سقارنة؟
أهمية سقارنة لا تكمن فقط في نتائج الحفر الجديدة.
فوسكو كانت قد وضعت المنطقة منذ فترة ضمن مشاريعها الاستكشافية للفوسفات في تونس، وسبق أن تحدثت في وثائقها عن هدف استكشافي يتراوح بين 137 و210 ملايين طن من الصخور الفوسفاتية، بتركيز يتراوح بين 17 و23 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور.
وهنا لا بد من التوضيح: هذه الأرقام ليست احتياطيات مثبتة، وإنما هدف استكشافي يحتاج إلى مزيد من الحفر والدراسات حتى يمكن تحديد حجم الموارد القابلة للتصنيف وفق المعايير المعتمدة.
والحفر الذي أعلن عنه اليوم يأتي تحديداً في هذا السياق.
فالشركة اختبرت للمرة الأولى الجزء الشمالي من رخصة سقارنة، وكانت النتيجة إيجابية في البئرين اللذين تم حفرهما.
دوح تدخل على الخط
في الوقت نفسه، تواصل فوسكو عملياتها في منطقة دوح، الواقعة على مسافة تقارب 10 كيلومترات من سقارنة الشمالية.
والشركة لا تنظر إلى الحفر في دوح باعتباره عملية منفصلة، بل تعمل على جمع المعطيات اللازمة لإعداد أول تقدير للموارد المعدنية في هذه المنطقة.
وكانت عمليات سابقة قد كشفت عن طبقات فوسفاتية مهمة في دوح، وهو ما دفع الشركة إلى مواصلة الحفر وتوسيع نطاق الاستكشاف.
بعبارة أخرى، ما تبحث عنه فوسكو ليس مجرد جيب فوسفاتي صغير، وإنما تحاول معرفة مدى امتداد الطبقات الفوسفاتية في هذه المنطقة من شمال غرب تونس.
مشروع أكبر من سقارنة
سقارنة ودوح مرتبطتان بمشروع أوسع تعمل الشركة الأسترالية على تطويره في تونس، وهو مشروع «غسّات».
وفي وثائقها الأخيرة، تحدثت فوسكو عن موارد معدنية تقدر بنحو 166.6 مليون طن في مشروع غسّات، بمتوسط 20.6 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور.
وتعمل الشركة حالياً على تحديث الدراسات المتعلقة بالمشروع، ومن المنتظر، وفق برنامجها المعلن، صدور دراسة محدثة خلال شهر أكتوبر الجاري.
أما الهدف الذي وضعته الشركة لنفسها فهو الوصول إلى مرحلة الإنتاج في منتصف سنة 2028.
وهذا يعني أن الأشهر القادمة ستكون مهمة بالنسبة إلى المشروع، باعتبار أن الشركة مطالبة بتحويل نتائج الحفر والدراسات الجيولوجية إلى أرقام أكثر دقة حول الموارد والتكاليف والإنتاج المتوقع.
ملف بيئي على الطاولة
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله في ملف سقارنة.
فوسكو أشارت في وثائقها إلى أن حوالي 15 بالمائة من مساحة رخصة سقارنة تقع ضمن منطقة مقترحة كمنطقة طبيعية.
وقالت الشركة إنها على اتصال بالجهات التونسية المعنية، من بينها وزارة الصناعة والطاقة والمناجم وإدارة الغابات، بشأن هذه المسألة.
وهو ملف سيكون حاضراً بقوة إذا انتقل المشروع من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التطوير والاستغلال، خصوصاً أن مشاريع الفوسفات تطرح عادة أسئلة تتعلق بالمياه والمخلفات وتأثير عمليات التعدين على المناطق المحيطة.
ماذا بعد؟
في الوقت الحالي، ما أعلنته فوسكو هو نتائج حفر جديدة، وليس قراراً نهائياً بالاستثمار.
النتائج المخبرية للآبار الأربعة الجديدة ستعطي صورة أدق عن نوعية الخام وتركيزه، كما أن الشركة تحتاج إلى مواصلة الحفر لتحديد امتداد الطبقات وحجم الموارد.
لكن الاتجاه العام واضح: فوسكو توسع عملياتها في تونس، وتتحرك من سقارنة إلى دوح، بينما تعمل بالتوازي على تطوير مشروع غسّات الذي تستهدف الوصول به إلى الإنتاج في 2028.
وبالنسبة إلى تونس، فإن أهمية الملف لا ترتبط فقط بحجم الفوسفات الموجود تحت الأرض، وإنما بما إذا كانت هذه الاكتشافات ستتحول فعلاً إلى مشروع إنتاج واستثمار يوفر قيمة مضافة وفرص عمل، أم ستبقى لسنوات أخرى في مرحلة الاستكشاف والدراسات.
128 كيلومتراً مربعاً في سقارنة أصبحت اليوم تحت المجهر، والمرحلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لما يوجد فعلاً تحت الأرض.
