الرئيسيةآخر الأخبار61 مغربياً من مطار تونس إلى وهران: أسئلة أمنية تثيرها الرواية الجزائرية

61 مغربياً من مطار تونس إلى وهران: أسئلة أمنية تثيرها الرواية الجزائرية

علنت السلطات الجزائرية تفكيك شبكة تضم 61 مغربياً، بينهم عسكري سابق في الجيش المغربي، متهمة أفرادها بالتحضير لأعمال تخريبية تستهدف الأمن والنظام العام في الجزائر. لكن تفاصيل الرواية الرسمية تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طريقة تنظيم العملية المزعومة، ومسار انتقال المجموعة من تونس إلى الجزائر، وصولاً إلى وهران في أقصى الغرب الجزائري.

ووفق بيان للمديرية العامة للأمن الوطني الجزائرية، وصل المشتبه فيهم جواً إلى مطار تونس الدولي، قبل أن يعبروا الحدود التونسية الجزائرية عبر المسالك الجبلية والممرات الغابية المعزولة بمنطقة القالة، التابعة لولاية الطارف. ومن هناك، انتقلوا براً إلى ولاية وهران، حيث قالت السلطات إنها أحبطت مخططهم.

وأضاف البيان أن العملية، التي جرت في بداية أكتوبر الجاري تحت إشراف النيابة المختصة، أسفرت عن توقيف المشتبه فيهم وحجز جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم المغربي واليورو. وقد أُحيلوا إلى وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي المتخصص بوهران.

غير أن البيان لم يكشف طبيعة الأعمال التخريبية المزعومة، ولا الأهداف التي كانت المجموعة تستعد لاستهدافها، كما لم يقدم تفاصيل عن الأدلة التي استندت إليها التحقيقات أو الأدوار المنسوبة إلى كل واحد من الموقوفين.

سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية واللوجستية الفادحة؟

إذا افترضنا جدلاً صحة الرواية الجزائرية بكل تفاصيلها المنشورة، فإن مسار العملية المزعومة يثير تساؤلات جدية بشأن التخطيط والتنظيم، ويطرح احتمال وجود سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية واللوجستية الفادحة التي انتهت بانهيار المخطط وسقوط الشبكة بالكامل، وفق الرواية الرسمية.

فكيف يمكن لمجموعة بهذا الحجم أن تتحرك عبر الحدود، ثم تقطع مسافة طويلة داخل الجزائر، من دون أن تثير الانتباه إلا في مرحلة متأخرة؟ وهل يتعلق الأمر بعملية منظمة أخفقت في تقدير المخاطر، أم أن هناك تفاصيل لم تكشفها السلطات بعد، يمكن أن تغير فهمنا لما جرى؟

هذه الأسئلة لا تعني أن جميع الفرضيات المطروحة ثابتة، لكنها تتيح قراءة نقدية للمعطيات التي اختارت السلطات الجزائرية الإعلان عنها.

1. ضخامة المجموعة: 61 شخصاً في تحرك واحد؟

أول ما يستوقف المراقب هو العدد المعلن: 61 شخصاً من الجنسية نفسها، تقول السلطات إنهم مرتبطون بشبكة واحدة.

في العمليات السرية، يمثل الحد من عدد الأشخاص المطلعين على تفاصيل المهمة أحد الاعتبارات المعروفة لتقليص مخاطر الانكشاف. وكلما اتسع نطاق المشاركين، ازدادت تحديات التنسيق والاتصال وإدارة التحركات.

ومن هذه الزاوية، يبدو تحرك مجموعة بهذا الحجم، إذا كان قد جرى بصورة جماعية ومنسقة، أمراً يثير الاستغراب، خصوصاً إذا كانت المهمة المزعومة تتطلب السرية.

لكن لا بد من التمييز بين العدد الإجمالي للموقوفين وعدد الأشخاص الذين تحركوا معاً بالفعل. فالبيان الجزائري لا يثبت أن الـ61 وصلوا في رحلة واحدة أو عبروا الحدود في الوقت نفسه، كما لا يوضح ما إذا كانت لهم أدوار مختلفة أو ما إذا كانوا جميعاً على علم بطبيعة المخطط المزعوم.

ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: كيف نُظّم تحرك هذا العدد من الأشخاص، وما الذي كشفه التحقيق عن طبيعة الروابط بينهم؟

2. من مطار تونس إلى القالة: مسار يطرح علامات استفهام

بحسب الرواية الجزائرية، كانت تونس محطة الوصول الجوي للمشتبه فيهم، ومنها انتقلوا إلى منطقة القالة الحدودية قبل التوجه إلى وهران.

وإذا كان هذا المسار قد استُخدم بالفعل من قبل المجموعة، فإنه يطرح أسئلة بشأن ظروف الانتقال من تونس إلى الحدود، وطبيعة التنسيق الذي سبق العبور، وكيفية مواصلة الرحلة داخل الجزائر.

أما القول إن المجموعة وصلت بالكامل عبر مطار واحد وتحركت جماعياً عبر مسار واحد، فلا يمكن الجزم به اعتماداً على البيان وحده. فهذه تفاصيل لم تُنشر، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها وقائع مؤكدة.

ومع ذلك، فإن اجتماع نقطة وصول واحدة ومسار حدودي محدد، إذا ثبت أنهما استُخدما بصورة موحدة من جميع أفراد المجموعة، سيشكلان عنصرين مهمين في تقييم مدى إحكام التخطيط للعملية المزعومة.

3. جوازات السفر والدرهم المغربي: هل تمثل المحجوزات دليلاً على فشل التمويه؟

أعلنت السلطات الجزائرية العثور على جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم المغربي واليورو.

وقد يكون لهذه المحجوزات دور في التحقيق، لكن وجودها لا يمثل في حد ذاته دليلاً على نشاط استخباراتي أو على فشل عملية تمويه. فاحتفاظ المسافرين بجوازات سفرهم وعملات أجنبية أمر لا يثبت وحده ارتكاب أي نشاط غير قانوني.

وتتوقف القيمة الحقيقية لهذه المعطيات على ما إذا كانت السلطات قد عثرت على وثائق أخرى أو أدلة تربط المحجوزات مباشرة بالمخطط المزعوم.

وهنا تبرز إحدى النقاط التي تحتاج إلى توضيح: ما الأدلة التي جعلت المحققين يعتبرون هذه المحجوزات مرتبطة بالعملية، وما الذي كشفته التحقيقات عن طبيعة الاتصالات أو الترتيبات التي سبقت دخول المشتبه فيهم إلى الجزائر؟

4. من الطارف إلى وهران: رحلة طويلة وأسئلة لوجستية

منطقة القالة تقع في أقصى الشرق الجزائري، بينما تقع وهران في الغرب، ما يجعل الانتقال بينهما رحلة برية طويلة.

وإذا صحت رواية انتقال المجموعة من الطارف إلى وهران، فإن ذلك يطرح تساؤلات بشأن وسائل النقل المستخدمة، والمدة التي استغرقتها الرحلة، وما إذا كان أفراد المجموعة قد تحركوا معاً أو على مراحل.

كما أن طول المسافة يثير أسئلة بشأن الظروف التي مكنت المشتبه فيهم من مواصلة تنقلهم قبل توقيفهم.

لكن لا تتوفر في البيان تفاصيل عن الطريق الذي سلكوه، أو عدد المركبات، أو طبيعة المراقبة الأمنية التي واجهتهم. لذلك، فإن الحديث عن عبور جميع الموقوفين مسافة تتجاوز ألف كيلومتر في تحرك واحد يظل بحاجة إلى إثبات مستقل.

ومع ذلك، فإن الجمع بين العدد الكبير والمسار الطويل يضع الجانب اللوجستي في صلب الأسئلة التي تنتظر إجابات من التحقيقات.

5. غياب شبكة دعم محلية: فرضية لم تحسمها المعطيات

من الأسئلة التي تطرحها هذه القضية أيضاً ما إذا كان المشتبه فيهم يعتمدون على أشخاص داخل الجزائر لتأمين النقل أو الإقامة أو المساعدة في الوصول إلى وهران.

فوجود مجموعة قادمة من الخارج لا يعني بالضرورة أنها تعمل من دون دعم محلي، كما أن عدم إعلان السلطات عن توقيف أشخاص آخرين لا يثبت غياب مثل هذا الدعم.

ولم يقدم البيان الجزائري تفاصيل بشأن الجهة التي نظمت الرحلة أو الأشخاص الذين ربما تولوا استقبال المجموعة أو تسهيل تنقلها. كما لم يوضح ما إذا كانت التحقيقات قد كشفت عن اتصالات داخل الجزائر أو خارجها.

وبالتالي، فإن فرضية غياب الحواضن اللوجستية المحلية تبقى سؤالاً مفتوحاً، لا حقيقة يمكن استخلاصها من المعلومات المنشورة.

6. هل هي أخطاء لا يرتكبها رجل مخابرات مبتدئ؟

عند جمع العناصر التي أعلنت عنها السلطات الجزائرية، من العدد الكبير للمشتبه فيهم، إلى المسار المنسوب إليهم بين تونس والطارف ووهران، وصولاً إلى المحجوزات التي كشفت عنها، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى إحكام التخطيط للعملية المزعومة.

فإذا ثبت أن المجموعة تحركت فعلاً بصورة جماعية، عبر مسار واحد، ومن دون ترتيبات لوجستية كافية، فإن ذلك قد يعكس أخطاء تنظيمية كبيرة، من النوع الذي يصعب التوفيق بينه وبين صورة عملية استخباراتية محكمة.

ومن هنا تأتي العبارة الأكثر حدة: أخطاء لا يرتكبها رجل مخابرات مبتدئ.

لكن هذه العبارة تظل حكماً تحليلياً مشروطاً بثبوت التفاصيل، وليست نتيجة أثبتتها التحقيقات المنشورة. فلا نعرف حتى الآن ما إذا كان أفراد المجموعة يعملون لحساب جهاز استخباراتي، أو ما إذا كان بينهم من يملك خبرة أمنية، باستثناء الإشارة إلى وجود عسكري سابق في الجيش المغربي.

كما لا نعرف ما إذا كان توقيفهم نتيجة أخطاء ارتكبوها، أم نتيجة عمل استخباراتي مضاد، أو معلومات مسبقة، أو اعترافات، أو وسائل تحقيق أخرى لم يكشف عنها البيان.

تونس في قلب الرواية.. ماذا نعرف؟

الجانب الأكثر حساسية بالنسبة إلى تونس هو ورود مطار تونس الدولي في بداية المسار الذي نسبته السلطات الجزائرية إلى المشتبه فيهم.

لكن البيان لا يوضح ظروف وصولهم إلى تونس، ولا تاريخ دخول كل واحد منهم، ولا ما إذا كانوا قد غادروا البلاد في وقت واحد أو على مراحل. كما لا يتضمن المعطيات المتاحة موقفاً رسمياً تونسياً من هذه القضية.

ولا يجوز اعتبار ذكر المطار التونسي دليلاً على علم السلطات التونسية بالمخطط المزعوم أو تورط أي جهة تونسية فيه. فهذه مسائل منفصلة تتطلب أدلة مستقلة وتوضيحات رسمية.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت التحقيقات الجزائرية ستكشف تفاصيل إضافية عن مسار العبور، والجهات التي ربما تولت تنظيم الرحلة، والكيفية التي انتقلت بها المجموعة من منطقة حدودية إلى مدينة تقع في الغرب الجزائري.

رواية خطيرة وتفاصيل ناقصة

أعلنت الجزائر تفكيك شبكة تضم 61 مغربياً، بينهم عسكري سابق، واتهمت أفرادها بالتحضير لأعمال تخريبية. غير أن خطورة الاتهامات لا تعفي من ضرورة الكشف عن الأدلة والتفاصيل التي تسمح بفهم ما جرى.

فالعدد الكبير للموقوفين، ومسار الرحلة المعلن، والمحجوزات التي تحدث عنها البيان، كلها عناصر تستحق التحليل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود عملية استخباراتية أو تحديد الأخطاء التي أدت إلى سقوطها.

وبين العنوان المثير والوقائع المثبتة، تظل المسألة الأساسية معلقة على ما ستكشفه التحقيقات: هل كانت الشبكة بالفعل جزءاً من مخطط منظم، وكيف أمكن اكتشافها، وما حقيقة الأدوار التي نسبت إلى أفرادها؟

حتى تتوفر إجابات موثقة، ستبقى عبارة «أخطاء لا يرتكبها رجل مخابرات مبتدئ» مدخلاً نقدياً لقراءة الرواية الجزائرية، لا حكماً نهائياً على حقيقة القضية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى