L'actualité où vous êtes

Category archive

Analyses

Allez au fond de l'information : Les analyses de Tunisie Telegraph décryptent les faits de la scène nationale et internationale.

حبيب الفقيه* يدعو الى هدنة لانقاذ البلاد والعباد

in A La Une/Analyses/Tunisie by

تعيش تونس منذ مدّة جائحة الكوفيد زيادة على تراكم أزمات سياسيّة واقتصاديّة وماليّة واجتماعيّة وثقافيّة ومعنويّة، التي تطوّرت بصورة سلبيّة منذ 2011 عندما كان الشعب ينتظر مستقبلا زاهرا بعد ثورة الكرامة.فعوض أن تحقق البلاد ازدهارا وصلت إلى حالة مزرية، خاصة منذ أواخر 2019 حيث عصفت بنا جائحة قاتلة تزامنت مع انحلال الدولة وتمركز أزمة سياسيّة مزّقت هياكل الحكم وفرّقت بين الرئاسات الثلاث.توقعنا أنّ حدّة الأزمات ستسكت الخلافات وستكرّس كلّ المجهودات لوجود حلول ولكن مع الأسف تفاقم الصّراع واحتدم وتعدّد تراشق الانتقادات والتّهم بين الأطراف المتنازعة.أصبحنا حسب التعبير الشعبيّ أمام « لعب ذراري »، لأنّ الأطفال عندما يلعبون لا يهتمون بشيء آخر!كنّا في الأوّل نفكّر في تغيير النّظام السّياسي والقانون الانتخابيّ وأشياء أخرى لتفادي هذه المشاكل في المستقبل لكن مع الأسف أصبحت هذه الأشياء ثانويّة مقارنة بالمخاطر الكبرى التي تحدّق ببلادنا وبشعبنا.لذا أريد مخاطبة الرئاسات الثلاث، في هذا الظّرف الحرج والخطير الذي تمرّ به البلاد.أوّلا: هل أنتم واعون بخطورة الموقف وخاصة بحدّة الجائحة وبقرب الإفلاس الحقيقيّ (الحصول على قروض لدفع الديون يمثل هفوة فادحة مفعولها الوحيد هو تأجيل يوم إعلان الإفلاس وتمديد معاناة الشّعب)؟ثانيا: هل أنتم واعون بعواقب الأزمة المتزامنة، حاليّا، والتي ستعصف بنا، إن لم يقع إيجاد حلول ناجعة وسريعة بدواليب الدولة وبصلاحياتكم وبمناصبكم؟ثالثا: هل خطر ببالكم أنّكم في موقف المسؤول الذي لم يمد يد المساعدة للشعب ولوطن في حالة خطر؟ ماذا سيكون موقفكم أمام الشعب والوطن والتاريخ؟رابعا: منذ وصولكم إلى مراكز الحكم ونحن نسمع » إرادة الشّعب هي أساس الحكم ». السّيد رئيس الجمهوريّة يردّد » الشّعب يريد » ورئيس البرلمان يقول » إنّ البرلمان يمثّل إرادة الشّعب » ورئيس الحكومة يقول إنّه يخدم الشّعب. هذا كلام جميل ولكن كيف يقع تفعيل هذا المفهوم على أرض الواقع؟ اليوم الشعب يريد إنقاذه من الموت ومن المرض، وتمكينه من الحصول على لقمة العيش لأنّها انعدمت أو أصبح منالها باهظا بالنّسبة إلى شقّ كبير من الشعب، تمكين أولاده من الدراسة وتعلّم مهن والإحاطة بهم حتى يحظوا بحياة كريمة. وأخيرا وضع كلّ التسهيلات للمواطن لكي يعيش حياته دون عراقيل أو مشاكل (الأمن، النّقل، الصّحة..)هذه الأولويات الملحة لإرادة الشّعب وعدم تلبيتها إلى حدّ الآن، يجرّنا لكارثة لا تحمد عقباها.فهل في إمكانكم الاستجابة لإرادة الشعب حالا وقبل فوات الأوان؟يعطيكم الدستور صلاحيات حماية الشعب والوطن والدولة. إذا تواصل الحال على ما هو عليه فسوف يضيع الشعب ويضيع الوطن وتضيع الدولة وتضيع صلاحياتكم. فانتظار إنهاء خصوماتكم ووجود ظروف ملائمة لتلبية إرادة الشّعب لا ينفع في صورة انهيار الدولة!الأولوية الآن هي محاربة الجائحة بالقيام بتلقيح 80% من الشعب التونسيّ خلال الستة الأشهر القادمة وذلك بتطبيق صارم للبروتكول الصحيّ الوقائي لأنّه كلّ ما سرّعنا في اتخاذ التدابير اللازمة أصبح الإنقاذ ممكنا وأصبحت تداعيات الجائحة أقلّ خطورة.أيّها الرؤساء الثلاثة، فكّروا في الشّعب والوطن قبل أن تفكروا في أنفسكم أو في أحزابكم أو في مناصبكم ولا تنسوا أنّ السّلطة لو دامت لغيركم لما آلت إليكم.وإن تخاذلتم اليوم لإنقاذ البلاد والعباد فتذكروا أنّ الشّعب لا ينسى والوطن لا ينسى وأنّ الدولة لا تنسىاتحدوا واتفقوا على هدنة كما تنصّ على ذلك الأديان والتّقاليد الإنسانيّة والأعراف . وحاربوا الكوارث الحاليّة معا، وعندما تنجحون في ذلك عودوا إلى خصوماتكم وإلى نزاعاتكم ما أردتم.وإذا كنتم غير قادرين على ذلك، فضحوا بمناصبكم لإنقاذ البلاد والعباد بالانسحاب بطريقة حضاريّة تحفظ الديمقراطيّة وتترك المجال لفريق قادر على القيام بعمليّة الإنقاذ بسرعة وبكلّ نجاعة.من بين هذه الإمكانيات، ترك المجال لحكومة إنقاذ وطنيّ مكوّنة من كفاءات وطنيّة ذات سمعة ومصداقيّة عاليتين داخليا وخارجيّا، تشتغل لمدّة سنتين عن طريق المراسيم. في نفس الوقت، تنكبّ الطبقة السياسيّة، بمساعدة خبراء، على القيام بالتحويرات اللازمة على النّظام السياسيّ والقانون الانتخابيّ إلخ.سيشهد الشّعب وسيشهد لكم التّاريخ بهذه التضحية وسيكون خروجكم من الحكم من الباب الكبير وبشرف وبرؤوس مرفوعة.

*** الحبيب الفقيه هو  الرئيس السابق لمجمع أرباص في الشرق الأوسط وإفريقيا

أسس الى جانب مجموعة من الشخصيات التونسية المرموقة في عدة مجالات مركز تفكير think-thank يدعى « تونس البدائل ».

الخطوط التونسية وصفة للانقاذ*

in A La Une/Analyses/Tunisie by

لم تشهد شركة الخطوط التونسية أزمة مثل الأزمة التي تواجهها اليوم منذ انبعاثها قبل 73 سنة

وزير النقل واللوجستيك معز شقشوق قال أمس وبكل ثقة في النفس ان خطة إنقاذ واضحة ستطرح خلال الاسبوع الجاري بالنسبة لشركة الخطوط التونسية، مبرزا أنها ستكون لها مردودية ناجعة بالنسبة للشركة.

وبين شقشوق أن الشركات التابعة لشركة الخطوط التونسية تعاني من جملة من الاشكالات حتى أنها لن تتمكن من دفع أجور موظفيها وخلاص مزوديها.

وأضاف ان شركة الخطوط التونسية تمر اليوم بفترة صعبة وزادت مختلف الاجراءات التي تم اتخاذها خلال فترة الحجر الصحي الاجباري في تعميق أزمتها والتأثير أكثر على رقم معاملاتها ومداخيلها وبالتالي مزيد توتر المناخ الاجتماعي، مؤكدا أنه خلال شهر ماي القادم سيتم تقديم الخطة الاستراتيجية لتطوير هذه المؤسسة.

ولكن هل يمكن انقاذ الناقلة الوطنية خلال ما تبقى من ايام الأسبوع أم ان هناك خطة جاهزة ستنفذ بطريقة ماكوكية خاصة وان جميع الشركاء بدأووا يعاينوا بأنفسهم حجم الكارثة بعد تردد استمر لأكثر من عشر سنوات

لقد سعى عدد من الأبناء القدامى للمؤسسة من كبار المسؤولين لتقديم مقترحات عملية قابلة للتنفيذ وتعد كاجراءات ضرورية للابقاء عليها على قيد الحياة في مرحلة اولى وقد جاءت الخطوات الأولى على النحو التالي

1 مد الخطوط التونسية بضمان حكومي لمبلغ مالي قدر في حينه اي في ماي 2020 ب150 مليون دينار وقد يصل اليوم الى ال300 مليون دينار وذلك لتمكين المؤسسة من الاقتراض لتغطية تكاليف جائحة كورونا

اذ ان الكثير من بلدان العالم قامت الحكومات بمساعدة مؤسساتها الوطنية بمبالغ مالية او بطرق أخرى لتمكينها من مجابهة جائحة كورونا وسميت هذه المساعدات ب COVID19 PACKAGES

2 تجميد حجم الأسطول الى حد سنة 2021 واغتنام الفرصة لسحب الطائرات القديمة التي أصبحت تكلفة تشغيلها وصيانتها باهضة الثمن

واذا ما كان هناك طائرات جديدة سيقع تسلمها هذه السنة طبق عقود مبرمة سابقا يجب اخراج طائرة قديمة مقابل كل طائرة جديدة ولكن وبما أن حجم الأسطول سيتقلص فسيكون عدد الطائرات المسحوبة من الأسطول أكبر من عدد الطائرات الجديدة .

3 الشركة ليست للبيع ويجب ان تبقى الدولة المساهم الأول بنسبة 51 بالمئة ولكن هذا لا يمنع من تشريك بعض الخطوط الدولية على غرار لوفتهنزا الألمانية التي ابدت اهتماما بالخطوط الفنية

ولكن لكي تكون هذه العملية مربحة يجب ان يقع الترفيع في رأسمال الخطوط الجوية التونسية عبر اذماج ديونها المتراكمة لدى ديوان الطيران المدني وعند مؤسسات حكومية اخرى

وفي هذه الحالة يصبح للدولة ومؤسساتها صاحبة قسط من رأس مال الخطوط الجوية يفوق المليار دينار فيكفي ان يتقرر ان راسمال الشركة هو ملياري دينار عند ذلك اذا ما اعطينا الشريك نسبة 20 بالمئة من راسالمال فسوف يضخ 200 مليون دينار مما يحسن من محصول الخطوط التونسية

4 تغيير تركيبة مجلس الادارة ومنظومة حوكمة الشركة بالفصل بين منصب رئيس مجلس الادارة ومنصب المدير العام

فالمنظومة الحالية خلقت مشاكل عديدة لأنها أدخلت تدريجيا الحكومة في مقاليد التسيير اليومي للشركة عبر العديد من الاجراءات واللجان مما جعل مفهوم المسير المسؤول غير مطبق على أرض الواقع وهو ما يتنافى مع متطلبات قوانين الطيران العالمية :

الدولة كمالك تسير عبر ممثليها في مجلس الادارة وكمراقب و منظم لقطاع الطيران عبر ادارة الطيران المدني دون غيرها

بهذه الطريقة يصبح مجلس الادارة يلعب دورا هاما في وضع المخططات والأهداف في تسميات المسؤولين في الشركة وفي مراقبة عملهم ومحاسبتهم على النتائج

ويصبح المدير العام المسير المسؤول حسب المفهوم العالمي والحال انه اليوم يحمل صفتين ORDONNATEUR ET PAYEUR لأنه يرأس مجلس الادارة ويضع المخططات والأهداف ويعين المسؤولين في الشركة وينفذ المخططات ويراقب التنفيذ

يجب اطلاق عملية مسح ومراقبة لكل ممتلكات الشركة من طائرات ومحركات وقطاع غيار والبنايات والأراضي وتدقيق قيمتها

لا يعقل ان يبقى العديد من المعدات وقيمة البنايات في الداخل والخارج بدون تدقيق الى حد اليوم اذ انه لا يمكن فتح باب الدخول الى رأس مال المؤسسة اذا كانت ممتلكاتها غير مدققة

تركيز لجنة دراسات محلية لوضع مخطط انقاذ في غضون 3 او 5 أشهر تحت رئاسة مجلس الادارة اذا ما وقع الاتفاق تغيير المجلس او احد وزراء المالية أو النقل

ومن أهم مشمولات هذه اللجنة هو تحديد دور الخطوط الجوية التونسية وارتبطاتها بالدولة

6 تكوين لجنة لتنفيذ القرارات الأولية لمجابهة مخلفات جائحة كورونا وتنسيق استعمال المساعدة المالية

7 تكوين لجنة لتقليص حجم كتلة الموظفين حسب الاتفاق المبرم مع اتحاد الشغل منذ سنوات ولكن يجب اختيار من سيغادر ولا نترك الاختيار للمعنيين في المرة الفارطة غادر الاكفاء وبقي من هم دونهم كفاءة

8 اطلاق برنامج رسكلة وتحسين مستوى كل الاعوان

9 اطلاق عملية التفريع حسب برنامج متوسط المدى

عندما تنهي الاشغال في كل المجالات ستكون الخطوط التونسية في وضع يخرجا من المأزق

1 لها برنامج مستقبلي واضح

2 قلصت في عدد الأعوان وكلفة التأجير

3 تعرف قيمة ممتلكاتها

4 لها رأسمال محترم يتماشى وطموحاتها ومع طبيعة عملها

5 لها أسطول يستجيب لحاجياتها ويمكن ان يستجيب لأي طلب اضافي أو طارئ اذ ان المعدل العالمي يتراوح ما بين 12 و14 ساعة عمل في اليوم لكل طائرة في حين الخطوط التونسية اليوم مازلت تشغل طائراتها بمعدل 8 ساعات في اليوم

6 رفعت في مستوى اعوانها

7 تخلصت من عبء الديون المتراكمة

وبذلك يمكن للنقالة الوطنية ان تدخل في نقاش مع الشركات العالمية الكبرى لامضاء شراكة تضمن سيادة الدولة التونسية

هل هناك حالات ممثالة للخطوط التونسية اليوم

قبل جائحة كورونا كانت العديد من شركات الطيران تشكو من من ذات المشاكل التي تعانيها الخطوط التونسية وخاصة في الدول التي وقع فيها الخلط بين بين الحكومات وشركة الطيران وهذا هو الحال تقريبا في الكثير من البلدان خاصة في افريقيا والعالم العربي

ففي اواخر القرن الماضي مرت شركات كبرى في العالم بنفس المشاكل التي تعانيها اليوم الخطوط التونسية وكان الحل اقرار الافلاس على الساعة ال11 و59 دقيقة ليلا وبعث شركات جديدة بنفس الاسام مع تغيير جزئي في حدود الساعة صفر ودقيقة

مكنت هذه القرارت من حل كل المشاكل السابقة مع البدء بصفحة جديدة وهناك من الشركات من أخذت بزمام الأمور بفضل نقاشات بناءة بين الحكومات والنقابات وبفضل وضع معايير عمل على مستوى مالتي تمكنت من الخروج من الأزمات وأصبحت الان شركات عملاقة تنافس اكبر الشركات العريقة في مجال النقل الجوي الأثيوبية وايروفلوت وطيران الشرق الأوسط

ولكن الشركات التي بقيت تعول على ضخ السيولة من قبل الدولة لازالت تتخبط في مشاكلها ولولا الامكانيات المالية للدول التي تملكها لذهبت مع ادراج الرياح .

هل الاعتماد على الخبرات الأمريكية هو تمش سليم

لا بالطبع وذلك لعدة أسباب

1 شركات الطيران الأمريكية كلها تابعة للقطاع الخاص وليس لها ثقافة الشركات الوطنية لها نموذج عمل مختلف وتعاملها مع النقابات والمسافرين يختلف تماما مع ما هو الشأن في تونس

وبالتالي يجب على الخبراء الأمريكيين الذين استنجدت بهم الرئيسة المديرة العامة للخطوط التونسية اسابيع ان لم نقل أشهر لفهم الواقع التونسي

2 البيئة التونسية مختلفة عن البيئة الامريكية التي عمل فيها هؤلاء الخبراء فنسبة 70 بالمئة من النقل الجوي في الولايات المتحدة هو نقل داخلي

3 ليس كل أعضاء لجنة الخبراء الذين استنجدت بهم الخطوط التونسية هم من المختصين في مجال النقل الجوي والبعض منهم ام بعيد كل البعد عن الميدان حتى الذين لهم اختصاص في الشأن المالي أو ممن لهم شبهة تضارب مصالح

هناك سؤال وجب طرحه ما هو الهدف من وراء هذه اللجنة فالتركيبة تعكس حقيقة عدم فهم الهدف المنشود او حتى تحديده .

** أنجز هذا العمل بمساعدة عدد من الخبراء المحليين والدوليين المتخصصين في مجال النقل الجوي

وسام حمدي* يكتب عن الجهاز السري الذي خرج للعلن

in A La Une/Analyses/Tunisie by

من قتل شكري بلعيد؟ ومن خطّط لاغتياله ومن ربح من ذلك؟ كلّها أسئلة لم تعد تنتظر إجابة ولم يعد لها أي معنى بالنسبة لعاقل تمشّى اليوم من نهج إلى نهج ومن شارع إلى آخر -وهو يلفظ أنفاسه- فقط ليسجّل حضوره في الذكرى الثامنة لرحيل شهيد خرج من الملكية الحصرية لليسار، ليكون رمزا وأيقونة ثورية تفتقدها تونس في زمن حكام صنعتهم إما الصدفة أو إماءة « شيخ » كان ولا يزال يريد حكم البلد بالنار والحديد. الذكرى الثامنة لاغتيال بلعيد بكل تفاصيلها وحيثياتها ومغامراتها، كانت مغايرة ولم تكن عادية مقارنة بما سلف. كانت ذكرى استثنائية أنذرت حتما وبلا شك بعودة « تونس الثورة » إلى الوراء أكثر مما كان الجميع يتصور. حيث بدأت الحكاية منذ ليلة 5 فيفري ووصولا إلى صبيحة 6 فيفري بعسكرة كل الطرق والأنهج المؤدية إلى تجمع المسيرة التي انطلقت من ساحة الشهيد شكري بلعيد بشارع محمد الخامس متجهة إلى الشارع الرئيسي بشارع الحبيب بورقيبة لتؤول في النهاية إلى حقيقة أشبه بثابتة وهي خروج الجهاز من السر إلى العلن. في الفصل الأهم من الحكاية، لا يهم كم كان عدد من حضر- والذين قدرتهم الداخلية بين 1000 و1500 محتج- بقدر ما كان المهم في هذه المناسبة والذكرى التي تتزامن مع أزمة سياسية خانقة يتصارع فيها -من نجح ممّن لم ننتخب- متعلقا بطبيعة وتصور وطموح من حظر؟ تكون العبرة عند الحديث عن قامة بحجم الشهيد بلعيد متعلقة لا محالة بالكيف وليس بالكم، فيكفي أن يحظر مئة باحث عن الحقيقة وهم يحملون رؤية ومشروعا تقدميا أفضل ألف مرة من أن يحظر الآلاف بلا معنى. الحضور في هذه الذكرى كان واجبا محتوما على كل حالم بوطن أجمل لا تخرج سياقات تفكيره عن معارضة حكام يتنافون قولا وفعلا وممارسة للفعل السياسي مع مبادىء الجمهورية الثانية والدولة المدنية. لكن للأسف، فقد كان مجرد النظر في أعين أعوان الأمن الذين حضروا كما لم يحضروا من قبل يوحي في طياته منذ البداية بتغيّر شيء ما وبشكل لافت في عقيدة « الأم الجمهوري » التي تثير أسئلة بالجملة وتعيد الجميع للبحث والاستفسار عن منجزات 10 سنوات بعد ثورة الحرية. كما كان النظر أيضا في أعين رفاق الشهيد من أمثال زياد لخضر أو حمة الهمامي أو عبد الناصر العويني أو بسمة بلعيد وعبيد البريكي أو حتى إطالة التمعن في تقاسيم وجوه الصحافيين يحيلان لأشياء أخرى تقول وتبوح بإجابات صامتة لكنها مغايرة تماما تحيلك بصفة تكاد تكون أتوماتيكية إلى الآتي : « لا تنتظر إجابة أيها السائل، الإجابة عندنا واضحة، جميعنا يعرف من خطّط ودبر لقتل الشهيد الأول وجميعنا يدرك في داخله أيضا من أعاد التخطيط نفسه وبالطريقة نفسها تقريبا مع الشهيد الثاني محمد البراهمي …إنها جريمة دولة تغض جميع الأجهزة النظر عنها ». رغم كل هذه اللوعة، نجح المحتجون في فرض سياسة الأمر الواقع بالتمرد على ما سطّرته الداخلية – التي دفعت لحصر احتجاجات شباب حالم في شارع محمد الخامس- بعدما نجح شباب الثورة في التوجه بكل ثقة وتحد إلى الشارع الرمز شارع الحبيب بورقيبة. كانت كل الأمور توحي بأن شيئا ما سيحصل، لكن الغريب في كل ما حدث مع التعاطي الأمني في مسيرة 6 فيفري كان حتما يتمثل في الانتقاء الأمني الذي بدا قصديا في تعنيف المحتجين، فكان الفصل الأكثر قُبحا في الرواية كلها كامنا في الاستهداف الذي بدا واضحا وممنهجا ليس فقط ضد جيل الثورة الذي يَكفر بمنظومة متهاوية، بل شمل من هم من المحامين وتحديدا أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي. وهنا يحضر السؤال الأهم بشأن الهدف وغايته أمنيا وسياسيا. لا يمكن تصنيف تعنيف المحامين من أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيد بلعيد وهم ياسين عزارة وعبد الناصر العويني ورحال جلالي في شارع بورقيبة والأنهج المجاورة أبدا في خانة الخطأ الأمني العابر وغير المبرمج -رغم كل الروايات التي تقدمها السلط الأمنية-، خاصة عندما يتعلق الأمر باعتداء مُريب نفذته عناصر أمنية بزي مدني على المذكورين وفق ما أكده عميد المحامين ابراهيم بودربالة. تقول أمي وهي الأمية وفي السابعة والستين من عمرها، « لن أعيش مرتين يا ولدي صاحب القلب اليساري..من قتل شكري هم الاخوان الذين دنّسوا قريتنا وجامعنا وعيدنا وهم من أخذوا زهرات شبابنا إلى باب الجحيم ». فيجبرني الواقع بعدما حصل اليوم من تعنيف للمحاماة التونسية أن أسألها وأعيد السؤال، هل لك يا أماه و أنت الحاضرة بالغياب عن المسيرة أن تخبريني عن الجهاز السري؟ فلا أجد إجابة واضحة ولا أجد فكرة تحدد لي زاوية للتفكير في كل ما حصل. خلاصة ما حصل في 6 فيفري 2021، تقص عليك أيها الباحث عن الجناة أيضا حقيقة أنه ليس عليك أن تكون حكيما أو عبقريا أو حاملا لذكاء مفرط لتطرح أسئلة بهذا الحجم والاستغراب. أسئلة تتوه في البحث عن استنتاجات خاصة عندما يحضر الادراك التام بأن هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي وبمن في ذلك المحامين الذين تم تعنيفهم 6 فيفري الجاري هم طرحوا على الناس وعلى الجميع سلطة وقضاء ومجتمعا مدنيا ودوليا قضية الجهاز السري لحركة النهضة التي تدفع كل منظومة انتخابات 2019 برئاستها وبرلمانها وحكومتها لقبرها. ليبقى في كل هذا الزحام السؤال المطل على كل شرفات شارع بورقيبة وما جاوره من أنهج متفرعة، هل تحول هذا الجهاز فعلا بكل تشفيراته من السر إلى العلن؟…سؤال لا يمكن التمحص فيه وفي كل خباياه سوى عندما يجيبنا هشام المشيشي رئيس الحكومة المحصّن ووزير الداخلية بالنيابة عن رئيس البرلمان–والذي يستقبل في الصباح والمساء- نقابات أمنية وصفت باللفظ المنطوق المحتجين في الأسابيع بـ »الشيوعيين » وبـ »الملاحدة » و »المثليين » عن الرواية من بائها إلى يائها…

*** وسام حمدي صحفي ومحلل سياسي

وصفه في السابق بالمستبد جو بايدن يطلق أول صواريخه نحو أردوغان

in A La Une/Analyses/International by

وصف مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سولفان، تركيا بمصدر القلق بالنسبة للولايات المتحدة ودول أوروبا وذلك في أول هجوم من إدارة الرئيس جو بايدن على نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وكانت إدارة بايدن، قد دعت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لاحترام قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والإفراج عن زعيم الأكراد صلاح الدين دميرتاش، والمعارض التركي عثمان كافالا، في أول تصريحاتها عن تركيا، تركزت حول قضايا الحريات وحقوق الإنسان.

وقال موقع « صامان يولو » التركي، أن وزارة الخارجية الأميركية شددت على متابعة واشنطن لقضايا الحريات وحقوق الإنسان عن كثب، قائلةً: « لا نزال نشعر بقلق بالغ، فهناك عدد من لوائح الاتهام الأخرى ضد المجتمع المدني والإعلاميين والسياسيين ورجال الأعمال في تركيا، إلى جانب احتجازهم المطول قبل المحاكمة

وفي ضوء ذلك، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن الإدارة الجديدة برئاسة بايدن، تحث تركيا على احترام هذه الحريات الأساسية، وإيجاد حل سريع وعادل لقضيتي كافالا ودميرتاش، مشيرةً إلى أن الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، أمر « أساسي لأي ديمقراطية سليمة ».

قال مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون والباحث المقيم في معهد « أميركان إنتربرايز » لشبكة « سي إن بي سي » CNBC: « الشيء الوحيد الذي جعل العلاقة متماسكة على مدى السنوات العديدة الماضية هو علاقة ترمب الشخصية بأردوغان. ومع خروج ترمب، يجب أن يشعر أردوغان بقلق شديد للغاية، هذا لأن نقاط الصراع بين أنقرة وواشنطن كبيرة وواسعة، وهي نقاط تكشف عن مواقف متناقضة تجاه الجغرافيا السياسية والتحالفات والحكم ».

ومن بين تلك القضايا حقوق الإنسان في تركيا، والتي انتقدها الديمقراطيون على وجه الخصوص، وشراء تركيا لنظام الصواريخ الروسي « إس-400 » الذي أغضب حلفاءها في الناتو وأدى إلى عقوبات أميركية، وكذلك عملها العسكري ضد حلفاء أميركا الأكراد في شمال سوريا، ودعمها للجماعات المتطرفة التي تدافع أنقرة عنها بأنها ليست إرهابية وهي ضرورية لحماية مصالحها في المنطقة.

ومن بين الأسباب أيضا، تحركات أردوغان العدوانية ضد اليونان وقبرص بسبب موارد الغاز في شرق البحر المتوسط. كما أن لتركيا دورا في مساعدة إيران على تجنب العقوبات الأميركية، بالإضافة إلى تفجر الخلافات حول قاعدة « إنجرليك » الجوية المشتركة، حيث تستضيف تركيا عددًا كبيرًا من القوات والطائرات الأميركية، ونحو 50 من رؤوسها النووية – والتي هدد أردوغان بقطع الوصول إليها إذا تعرضت بلاده لعقوبات أميركية، لذلك القضايا كثيرة ومتشعبة.
وبناء على تصريحاته السابقة، يبدو أنه سيكون هناك موقف أكثر صرامة من واشنطن. وفي مقابلة في جانفي الماضي وصف بايدن أردوغان بأنه « مستبد »، وانتقد أفعاله تجاه الأكراد، وقال إن على الزعيم التركي « دفع الثمن ».

الحبيب الفقيه* يكتب عن محاور التحوير والحوار

in A La Une/Analyses/Tunisie by

عادت ذكرى 14 جانفي، ليشتد فيها ألم الشعب التونسي  من فقدان الأمل، وليطغى معها شعور بالغضب ضد كل من تسبب في إنهيار البلاد وتلاشي ثروتها، على شعور الاعتزاز والافتخار بمكاسب ثورتها.

 في هذا المناخ الذي تفاقم فيه إحساس الخوف والإحباط ، أمام تراكم الكوارث الاقتصادية والمالية و الاجتماعية والسياسية و خاصة الصحية والتي أظهرت كلها عجز  المسؤولين على  استباق الأحداث وأخذ القرارات الصائبة، خرجت منظمات وطنية وأحزاب سياسية وكذلك الحكومة بمبادرات من شأنها إيجاد حلول لمشاكل البلاد لإخراجها من منطقة الخطر.
هناك مبادرات تنبثق من نية حسنة ولكنها، مع الأسف، لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة الميدان و تواصل منح من هم وراء الكوارث الحالية مسؤولية إخراج البلاد من الأزمة وهم غير قادرين على ذلك أو غير مستعدين لذلك.

وهناك مبادرات هي مجرد منورات لإبعاد أي تدخل صادق و ناجع لإنقاذ البلاد و الإبقاء على دار لقمان على حالها، لإنقاذ الأشخاص والأحزاب والمنظومة السياسية بأكملها من غضب الشعب والمحاسبة العادلة.
مبادرة الحوار الوطني هي، مبدئيا، مقبولة وتمثل آلية معقولة. لكن شكل الحوار وطريقة تنظيمه يجعلان حظوظ النجاح ضئيلة إذ لم نقل معدومة، وذلك لعدة أسباب:

-أولا: الشكل هو نفس شكل حوار 2013. هذا يعني مشاركة المسؤولين على الأزمة في إيجاد الحلول للخروج  من الأزمة، وهذا غير منطقي( لو أراد و إستطاع لما فعل). ثم ننتظر مفرزات الحوار لأخذ القرارات للشروع في الإنقاذ الفعلي( خلال الحوار تكون الحكومة،في شكلها الحالي و حسب مقتضيات القوانين التي تنظم عملها،في حالة انتظار). هذا يذكرنا بالمثل الشعبي »إستنى يا دجاجة حتى يجيك القمح من باجة ». عندما ينتهي الحوار بعد ستة او تسعة اشهر ستكون البلاد في حالة يرثى لها و سيكون الإنقاذ أصعب بكثير، إذا لم نقل مستحيل.

 -ثانيا: تسارعت عدة جهات  لوضع شروط لإقصاء أو لمشاركة بعض الأطراف.هذا يعقد الموقف و يطرح سؤال مبدئي : إذا ما سمح لمن كان سببا في الأزمات المشاركة في  الحوار، فهل يمكن إقصاء من  يمكن ان تكون له القدرة على إيجاد حلول لإخراج البلاد من الأزمات..هنا يكمن لب اللغز :من هو الراعي و المنسق الحقيقي للحوار؟

 -ثالثا: ليس هناك جدول أعمال للحوار يغطي كل النقاط التي يجب مناقشتها.بالعكس تسربت أو خرجت  على الساحة الإعلامية اقتراحات متضاربة لا تتماشى مع وضع وحاجيات البلاد. لم نر محاور نقاش تهم المشاغل الكبرى للشعب و الدولة.ولقد قامت عدة أصوات بالمطالبة بحوار وطني حقيقي، يجمع خبراء وكفاءات ومسؤولين من المجتمع المدني، بعيد كل البعد عن المحاصصات الحزبية والحسابات الجهوية والمطالب القطاعية.

 يقوم الفريق المكلف بالحوار بتقييم الأوضاع والمشاكل وتقديم حلول فعالة وواضحة في كل المحاور المطروحة للنقاش.
ويكون هذا الحوار موازي لعملية إنقاذ استعجالية، لأن البلاد لم تعد قادرة على الانتظار حتى و لو كان شهرا واحدا، لنتائج الحوار، للشروع في  الإنقاذ.بالطبع يكون هذا الحوار تحت إشراف رئاسة الجمهورية.
من ناحية أخرى، طالبت عدة أصوات بتكوين فريق إنقاذ فوري لإخراج البلاد من منطقة الخطر.ولكن طلع علينا رئيس الحكومة، بمساندة بعض الأطراف، بتحوير وزاري هدفه المعلن سد الثغرات وتحسين المردود.مع الأسف، و رغم ان سد الثغرات كان منتظرا، فإن الهدف الحقيقي هو ترجيح الكفة لفائدة رئيس الحكومة والحزام البرلماني الذي يسانده، على حساب رئاسة الجمهورية.

هناك عدة عوامل تؤكد هذه الفكرة، منها غياب برنامج عمل معلن عليه مع تحديد الأولويات و وانعدام الشفافية في عملية تقييم الوزراء المقالين. ولقد اكدت تصريحات الأحزاب المساندة للحكومة حقيقة الهدف وراء التحوير.و هنا يكمن الخطر. الوضع الحالي والذي هو كارثي، هو نتيجة تصرفات الحكومات التي توالت على تونس منذ الثورة والتي أعطت الأولوية لإرضاء الشرائح الموالية للأحزاب الحاكمة وللأحزاب نفسها قبل إرضاء الشعب بأكمله والوطن والدولة.الحكومة الحالية هي بنفسها مسؤولة على الوضع الحالي، و موضوع المردود يرجع أولا وبالذات إلى غياب رؤية مستقبلية وبرنامج عمل واضح، مع انعدام وجود عزيمة ثابتة لمواجهة التحديات، مهما كلف ذلك على مستوى المستقبل السياسي الشخصي للمسؤول.

هناك وزراء لهم كفاءات معترف بها، ولكنهم عاجزين على القيام بالإصلاحات اللازمة لغياب إرادة واضحة. خاصة وان ليس لهم حتى حرية تسيير قطاعاتهم لتعدد المتدخلين والتدخلات ..
أعتقد أن رئيس الحكومة حر في تغيير وزراء وقع فرضهم عليه فرضا من قبل رئاسة الجمهورية، ولكن إذا ما كان الهدف هو مجرد إرضاء نفسه، بتعيين أشخاصا من إختياره(أو من إختيار حزامه البرلماني)، سيكون ذلك خطأ، إذا ما لم يكن هناك برنامج إنقاذ كامل و متكامل وفريق قادر على القيام بالمهمة.

ومن أولويات متطلبات تركيبة الفريق هي وجود قبطان له الكفاءة والقدرة والعزيمة  والشجاعة  والكاريزما لتسيير الطاقم ومجابهة كل المشاكل والعوائق، بدون تردد وبدون حسابات، واضعا مصلحة تونس قبل كل شيئ.

يجب ان يكون محور التحوير إنقاذ البلاد بسرعة ٬ من الموت، من الفقر، من الجهل ، من الانهيار الاقتصادي، ٬من الإفلاس، من طغيان الكذب و المظاهر و من الإجرام المتفاقم.اذا كان رئيس الحكومة قادر على هذا،فليفعله في الحين و بدون تردد. ليضع برنامج واضح، ويحدد الآجال و يجمع رجالا ونساء لهم القدرة والكفاءة والعزيمة والشجاعة، لخوض معركة الإنقاذ، بدون حسابات شخصية أو حزبية أو قطاعية أو جهوية.عند ذلك سيجد المساندة من كل الأطراف.وإذا لم يكن قادرا على هذا، ليقر بذلك وينسحب بشهامة وشجاعة، وسيكون ذلك عمل وطني يعترف به أمام الشعب والتاريخ.

تعيش تونس، منذ سنوات عديدة، تحت سياسة الكذب والأوهام، والشعبوية والمجاملة، والمغالطة والمظاهر. وكل من حاول قول الحقيقة ومصارحة الشعب، شتم و نعت بالخائن و عدو الثورة والشعب. لهذا السبب إبتعد الكثير من العقلاء ومن ذوي القدرات و من أهل الذكر عن الساحة السياسية، لأن اللعبة خرجت عن نطاق  النزاهة ومناقشة الحقائق وإحترام الغير.  مرت هذه الموجة ولا تزال تمر عبر الكثير من البلدان في العالم، و رأينا عاقبتها في الولايات المتحدة. ولكن اذا ما استطاعت هذه الأخيرة البدء في التخلص من هذه الكارثة الحقيقية، بفضل قوة وعراقة ديمقراطيتها و بفضل إمكانياتها المالية، فسوف يصعب علينا فعل نفس الشيئ اذ رغم قوتها وإمكانياتها، كادت الولايات المتحدة أن تنزلق في دوامة التطرف والفوضى، بسبب السياسة التي طبقها ترامب والتي هي مبنية على الكذب المنهجي (لم يعترف في الأول بحقيقة الكوفيد) وعلى الشعبوية المفرطة و زرع الأوهام في عقول أتباعه( ترامب منقذ الإنسانية من  أهل الشر ، حسب أتباعهه؟؟؟؟)يجب ان نستخلص العبرة من التجربة الأمريكية ويراجع كل مسؤول نفسه و يحترم الشعب والدولة، إذاما أراد الحفاظ على الوطن الذي بدونه لا يبقى له دور يلعبه.الوقت يمر بسرعة صاروخية ولم يعد هناك مجال للانتظار .

الحبيب الفقيه هو  الرئيس السابق لمجمع أرباص في الشرق الأوسط وإفريقيا*

أسس الى جانب مجموعة من الشخصيات التونسية المرموقة في عدة مجالات مركز تفكير think-thank يدعى « تونس البدائل ».

هل تتمكن ألفة الحامدي من تحويل وجهة الغزالة

in A La Une/Analyses/Tunisie by

بعد انتظار تواصل لأشهر أعلنت وزارة النقل عن تعيين السيدة ألفة الحامدي على رأس شركة الخطوط التونسية

وستتولى الحامدي تطوير خطة العمل الاستراتيجية لانقاذ الخطوط التونسية والنهوض بها لإكسابها  القدرة على مواجهة المنافسة في أسواق الطيران العالمية خاصة منها الأوروبية والافريقية وفق بلاغ صادر عن وزارة النقل.

لقد رافق هذا التعيين الكثير من اللغط بين المتفائلين والمتشائمين حول مصير الناقلة الوطنية حتى ان هناك من اعتبر تعيين السيدة ألفة الحامدي هو ضرب من ضروب المغامرة وأن التاج الذي منح لها هو أكبر من أن تتحمل ثقله

فالخطوط التونسية لا تعاني من أزمة عابرة كتلك التي تعيشها شركات الطيران اليوم على وقع ضربات فيروس كورونا بل تعاني من أزمة هيكلية تتخبط فيها منذ أكثر من 9 سنوات حتى ان المسؤولين الذين تداولوا على قيادتها عجزوا عن اخرجها من أزماتها التي تستفحل يوما بعد يوم حتى أنهم عجزوا عن تحقيق ما وعدوا به وخاصة ملف اعادة الهيكلة الذي ارتكز على تسريح المئات من الأعوان لتخفيف الأعباء الاجتماعية عنها

ورغم اللوحة السوداء التي رسمها اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا) لمستقبل مؤسسات الطيران في العالم والتي أشارت تقديراته إلى أن حركة الطيران العالمية لن تعود إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا إلا في حدود العام 2024. وقال مدير القسم المالي بالاتحاد إن الضبابية التي تخيم على قرارات الدول بفتح الحدود هي العامل الرئيس في هذه التقديرات. وبحسب التوقعات فستبلغ أرباح شركات الطيران لعام 2020 419 مليار دولار أي نصف الإيرادات السنوية التي كان يحققها قطاع الطيران التجاري قبل تفشي مرض كوفيد-19 الا أن السيد عماد شقوق وزير النقل أبدى تفاؤلا مبالغ فيه وهو يعلن  أنّ « سنة 2021 ستشهد الانطلاقة الفعلية لإصلاح شركة الخطوط التونسية ورفع مردوديتها ».

وبين شقشوق خلال مشاركته في افتتاح أيام الطيران بمدينة العلوم  أنّ الإصلاح سينطلق من التنظيم الداخلي للشركة وتجديد الأسطول الذي اهترء في الفترة السابق، بالاضافة الى التقليص من ديون شركة الخطوط التونسية.

واذا ما اردنا تلخيص الأهداف التي رسمها السيد شقوق للخطوط التونسية سنجد 3 نقاط أساسية : تنظيم داخلي للمؤسسة وتجديد الأسطول وتقليص ديونها .

وهذه الاهداف لا تحتاج فقط لميزانية ضخمة تفتقدها المؤسسة والدولة اذا قررت التدخل مباشرة فتجديد الأسطول يحتاج الى مئات الملايين من الدينارات فسعر طائرة ايرباص 330 على سبيل المثال يتجاوز اليوم ال600 مليون دينار فيما تتوزع ديون الشركة على النحو التالي أكثر من 100 مليون دينار لدى البنوك و5 مليون دينار لدى الخزينة العمومية و60 مليون دينار لدى المزودين دون اعتبار ديون ديوان الطيران المدني و60 مليون دينار لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و55 مليون دينار أداءات وضرائب .

هذا هو الوضع الذي ستواجهه السيدة ألفة الحامدي لوحدها دون سواها فهي مطالبة بوضع استراتيجية ستشرف على التخطيط لها وتنفيذها والبحث عن الموارد التي تحتاجها وهذا يتطلب جهدا خارقا لم يبلغه جميع من تداولوا على ادارة الناقلة الوطنية على امتداد 10 سنوات الذين اصطدموا تباعا بضغوطات قوية من قبل الشركاء الاجتماعيين وبواقع سياسي مضطرب وضبابي لم يتمكن الى حد اليوم من استجماع شجاعته ليعلن ان اصلاح الخطوط التونسية هو جزء لا يتجزأ من اصلاح المؤسسات والمنشات العمومية .

لقد كان بامكان الخطوط التونسية أن تجد لها طريقا يمكنها من الانطلاق مجددا عبرالفصل بين رئيس مجلس الادارة والمدير العام التنفيذي وهو ما نجده في العديد من شركات الطيران العالمية والعربية فعلى سبيل المثال شركة الخطوط اللبنانية يرأس مجلس ادارتها محافظ البنك المركزي كما نجد في مؤسسات اخرى وزراء سابقون ومدراء متقاعدون

ويقسم الخبراء في مجال النقل الجوي مهام رئيس مجلس الادارة والمدير العام التنفيذي على النحو التالي

الأول يهتم بكل الاختيارات الاستراتيجية والمستقبلية وببرامج العمل عبر مراقبة الانجازات والنتائج وكذلك تقييم ومراقبة أداء المسؤولين ةبالنسبة للوضعية التونسية فرئيس مجلس الادارة يمكن أن يكون مسؤولا في الحكومة أو حتى وزير أو يمكن أن تكون شخصية مستقلة ومعروفة في ميدان النقل الجوي أو المالية أو تسيير المؤسسات الكبرى ودوره تمثيل الدولة أما المدير العام فيكون دورها واضحا وجليا وهو تسيير الشؤون اليومية للمؤسسة

كما تحتاج الخطوط التونسية الى تمكينها من قوانين تسمح لها بالتحرك في فضاء تنافسي اذ لا يعقل ان تطالب مؤسسة بتحقيق نتائج والحال انها مكبلق بقوانين مكبلة تمنعها من التحرك بالسرعة المطلوبة فعلى سبيل المثال يحتاج صاحب القرار في الخطوط التونسية الى لجان واجتماعات وتوقيعات مختلفة من مختلف المؤسسات لاقتناء قطعة تحتاجها طائرة من طائرات المؤسسة وقد يصل انتظار الحصول على الموافقة الى أشهر عدة في حين منافسه لا يحتاج سوى بضعة دقائق لاجراء مكالمة هاتفية أو رسالة الكترونية للحصول على ما يحتاجه

لقد وعدت السيدة الفة الحامدي ومن وراءها وزير النقل بأنها ستقلع بالغزالة مجددا وستعيد لها أمجاد الماضي وقد سبقتها سيرة ذاتية لها ركزت عليها جميع الأضواء تحملنا على الجلوس جانبا انتظارا لحصول المعجزة .

*** خلال ستينات القرن الماضي سئل هوارد هيوز الملياردير الامريكي صاحب أكبر شركة طيران في العالم في ذلك الوقت كيف يمكنك ان تصبح مليونيرا فقال لهم بكل ثقة في النفس  » عليك ان تصبح مليرديرا ثم ابعث شركة طيران وبعد وقت وجيز ستصبح مليونيرا  »

في عالم الطيران يقولون دوما اننا نحتاج دوما للمتفائل والمتشائم الأول صنع الطائرة والثاني صنع مظلة النجاة .

الحبيب الفقيه يكتب عن الخطوات ال6 لتنفيذ خارطة طريق للانقاذ

in A La Une/Analyses/Politique/Tunisie by

إثر نشر المقال الذي اقترحت فيه الخطوط العريضة لخارطة طريق تمكن من  إخراج تونس من الأزمة الخانقة التي تعاني منها البلاد على كل المستويات، وصلتني العديد من الملاحظات و الاقتراحات.ولأن الموضوع هام وحساس، وحتى لا نبقى في العموميات ، قررت كتابة مقال ثاني، أقدم فيه بعض التوضيحات و أدقق فيه بعض المعطيات.


أولا:لا يمكن الشروع في أي عملية إنقاذ إذا لم تكن هناك إرادة قوية و واضحة من قبل رئيس الجمهورية و قبول على الأقل جزئي وحتى صامت من قبل الطبقة السياسية و المسؤولين.إنه من الواضح أن أغلبية الشعب تريد الخروج من هذه الأزمة، وإذا لم يكن هناك اقتناع قوي عند أصحاب القرار أن الشعب يريد الإنقاذ، فلم يتبق لنا إلا انتظار الكارثة الكبرى التي ستقضي على كل شيء و تجعل كل اللعبة السياسية خالية من الواقعية. الانطلاقة يجب أن تكون من رئاسة الجمهورية المطالبة بالافصاح عن موقفها في أسرع وقت ممكن.
ثانيا:تقلصت وحدة العد للمقياس الزمني للبدء في الإنقاذ من سنة إلى ربع سنة إلى شهر إلى أسبوع حتى الوصول إلى يوم.إذ أصبح الانتظار جريمة في حق الوطن والشعب.
ثالثا:عملية الإنقاذ إزدواجية  

  * إنقاذ استعجالي( من أسابيع إلى عدة أشهر)، بداية من شهر جانفي، يقوم  به فريق إنقاذ( أو حكومة إنقاذ وطني) يهتم بالشؤون الاجتماعية و الاقتصادية والمالية مع إعطاء الأولوية لإيقاف النزيف المالي والحد من تدهور القدرة الشرائية للمواطن و إرجاع مستوى الإنتاج القومي. وفي الأثناء يواصل فريق الإنقاذ عمله إلى حد إخراج البلاد من منطقة الخطر و إيصالها إلى بر الأمان.يمكن أن يتطلب ذلك وقتا طويلا نسبيا، ولذا من الأفضل أن نعطي هذا الفريق مدة زمنية لا تقل ولاتزيد عن السنتين للقيام بعمله.   

 *انطلاق حوار وطني لوضع خارطة طريق شاملة لضمان مستقبل البلاد و تحصينها من الأزمات الدستورية والسياسية و الاقتصادية والاجتماعية والمالية وغيرها(من أشهر إلى سنة).يؤدي هذا الحوار إلى وضع رؤية مستقبلية منبثقة من قصة وطنية واضحة و شاملة و من اقتناع أن تونس لها دور محوري في البحر الأبيض المتوسط و بين إفريقيا و أروبا والشرق الأوسط.يجب أن يثمر هذا الحوار على وضع أسس جديدة للنظام السياسي و الانتخابي للبلاد، مع ترميم كل النقائص آلتي ظهرت خلال السنوات الأخيرة والتي تمثل خطرا على الديمقراطية و على سبل الحوكمة في البلاد.أشغال الحوار الوطني ممكن أن تتعدى آخر سنة 2021، إذا  ما تطلب الأمر، ولكن هذا لا يمنع من البدءفي إدخال الإصلاحات الأولية قبل ذلك التاريخ.
رابعا:إختيار أعضاء فريق الإنقاذ الاستعجالي(حكومة الإنقاذ) وفريق ترميم وتطوير صرح الدولة(الحوار الوطني يجب أن يكون حسب مقاييس صارمة.
                 *فريق الإنقاذ:         

      -الكفاءة:وهذا لا يعني فقط المعرفة التقنية للميدان و معرفة أصول الإدارة. يجب أيضا التجربة في التخطيط، في إنجاز المشاريع، في تسيير وتطوير الثروة البشرية، في العلاقات الاجتماعية، في المعاملات الخارجية و خاصة في إدارة الأزمات.          

     -الحس السياسي: يجب أن يكون أعضاء الفريق مستقلون ولكن لهم دراية بالشأن السياسي وبالتعامل مع الطبقة السياسية و مع المنظمات الوطنية.نعم هذه الفئة موجودة ولكنها مغيبة عن الساحة الإعلامية وتتجنب تصدر المنابر الكلامية.         

     -الثقة في النفس: لا يستطيع أي رجل إنقاذ القيام بواجبه، إذا لم يكن واثقًا من نفسه و مؤمنا بوطنه وبمهمته و مستعدا للتضحية.       

        -نظافة اليدين والإيمان بالعدالة.              –

سمعة طيبة ومصداقية عالية على الصعيد الدولي، مع تجربة كبيرة في ميدان المفاوضات و التحاليل الجيوستراتيجية ومعرفة أصحاب القرار والنفوذ،عالميا،في ميدان الاختصاص، صلب فريق الإنقاذ.                   

           *فريق الحوار الوطني:                -الكفاءة والمعرفة و الخبرة في الميدان، مع القدرة على التحاليل المعقدة واستخلاص النتائج                -الاستقلالية و حرية الرأي مع وجود الحس السياسي.                -الإلمام بخاصيات تونس في مختلف الميادين والقدرة على الربط بين كل الجوانب.                -الثقة في النفس والإيمان بالوطن.                -نظافة اليدين.
كيفية إختيار أعضاء فريق الإنقاذ وفريق الحكماء هو جزء هام من نجاح العملية.الخطر هو، من ناحية كثرة الخبراء و من يدعون الخبرة(بدون أن يتثبت أحد في مصداقية إدعائهم)، و من ناحية أخرى، عاشت تونس موجة من التسميات العشوائية ، خلال العشرية الماضية ، حيث طغى الولاء على الكفاءة، مما جعل العديد يدعي الخبرة في ميادين لا علاقة لهم بها.

حينما يفصح رئيس الجمهورية على نيته في بدء عملية الإنقاذ، فسوف تصله، في وقت قصير ، اقتراحات جدية و بناءة بأسماء عديدة من خيرة أبناء هذا الشعب، تتسم بكل الأوصاف المطلوبة.
خامسا:التعامل مع البرلمان ومع الحكومة الحالية:لرئيس الجمهورية صلاحيات دستورية تخوله إعلان حالة الطوارئ وأخذ القرارات اللازمة لإنقاذ البلاد.من المنتظر أن  ترفض الأحزاب كل قرار من شأنه أن يضعف دورها ولو خلال مدة محدودة.  ولكن رأينا أن حتى أكبر البلدان الديمقراطية في العالم، قامت بتحييد العمل البرلماني والعمل الحزبي، خلال أزمة الكوفيد، و مكنت الحكومات من أخذ قرارات صارمة، تعارضت في الكثير من الحالات مع الحريات الفردية و مع بعض أسس الديمقراطية. ولكن هذا لا يعني أن هذه البلدان تراجعت عن الديمقراطية و الحريات الفردية و النشاط الحزبي.تونس في خطر خماسي : صحي، أمني ،إجتماعي، إقتصادي و مالي، ولا مجال لضياع الوقت وتراشق التهم والدفاع على المصالح الشخصية أو القطاعية أو الحزبية. على كل من له دور في هذه البلاد أن يتحمل مسؤولياته كاملة أمام الشعب وأمام التاريخ.إذا على رئيس الجمهورية الإعلان بالمبادرة بعد إعلام البرلمان والحكومة و الهيئات الوطنية والمجتمع المدني.يمكن أن يستند رئيس الجمهورية على المعطيات التالية:    -تونس في حالة إفلاس. كل الأرقام تعبر على كارثة مرتقبة( يكفي الأخذ بعين الاعتبار حجم العجز في  ميزانية الدولة لسنة 2021، والذي يصل إلى 7% من الدخل الخام وقرابة 20%من الميزانية نفسها) ولا ننسى حجم الديون المتراكمة ، والتي تستعمل أغلبيتها في خلاص الأجور، عوض الاستثمار المنتج والخالق لمواطن الشغل.   -الوضع الصحي متردي للغاية و ينخر الآقتصاد الوطني في وقت تراكمت فيه المشاكل.   -الوضع الاقتصادي متردي للغاية خاصة وإننا قلصنا الإنتاج الوطني للكثير من الموارد لأسباب يصعب أن يقبلها العقل، زيادة على تداعيات الكوفيد وعلى تفاقم مستوى الاقتصاد الموازي.   -الوضع الاجتماعي لا يوصف ،ولقد اصبح متشنجا للغاية، بسبب قرارات حكومية خاطئة، تراكمت  منذ سنوات، وبسبب تلاعبات سياسية، من قبل أطراف لها مصالح في تأزيم الوضع وتفقير الشعب.    -انخرام في منظومة حوكمة هياكل الدولة مع تفشي الفساد والشعور بالإفلات من العقاب.   -مستوى متدني في التعاطي مع السياسة.   -تفاقم عدد الجرائم و خاصة العنيفة.  -وجود وضع إقليمي خطير و حساس يستوجب يقضة كبرى و إستقلالية تامة للقرار، حتى لا نضع سيادة البلاد في خطر.   -تدهور صورة تونس على المستوى العالمي و فقدان مصداقيتها المعهودة  والتي تحصلت عليها بفضل اختياراتها الصائبة و دبلوماسيتها الذكية.و طبقا لذلك يبقى للمسؤلين خيار قبول مبادرة الرئيس والاستجابة لإرادة الشعب أو دفع تونس إلى المجهول مع كل مخاطره.وهنا يجدر التذكير بمقطع من نشيدنا الوطني « اذا الشعب يوما أراد الحياة    فلا بد أن يستجيب القدر » . فإذا أمكن للشعب أن يجعل القدر يستجيب له، فليس من الصعب أن يستجيب له البشر.
سادسا:طريقة العمل:ينطلق كل شيء بعد إصدار قرارات رئاسية بالتسميات مع تحديد المهام والمدة الزمنية.-فريق الإنقاذ يبدأ عمله في  خلال شهر جانفي.-هناك أولويات قصوة و موازية، يقع الخوض فيها في نفس الوقت:   *مراجعة الميزانية ووضع مخطط لتحسين الوضع المالي. من ضمن ذلك إرجاع الإنتاج في كل القطاعات وفرض هيبة الدولة.   *التحكم في الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للمواطن بفضل محاربة فعلية للاحتكار و بسط قوة القانون على كل المستويات. مع إدماج الاقتصاد الموازي بطريقة ذكية كما فعلت عدة بلدان في أروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية بإستعمال الترغيب و الترهيب. كما يجب إصلاح منظومة صندوق الدعم.   *البدء في الإصلاحات الكبرى و خاصة في الميادين الحيوية كالنقل وقطاع المناجم والطاقة.  و كذلك إصلاح الصناديق الاجتماعية.   *القيام بإتصالات على المستوى الدولي للحث على الاستثمار في تونس طبقا لرؤية مستقبلية  حافزة و لبرامج عمل واضحة. و هنا يكمن سر تواجد كفاءات معترف بها عالميا ولها مصداقية عند أهل القرار.كما تستطيع هذه الكفاءات الحصول على قروض ميسرة قصيرة المدى و على مساعدات ، حتى يتمكن الفريق من تخطي العتبات الأولى.   *سن قوانين جديدة لتشجيع الاستثمار و إزالة العقبات الإدارية، مع خلق مناخ جديد مبني على الرقمنة و تبسيط الجباية والإدارة. في هذا الصدد يجب تشجيع الطاقات المتجددة و الفلاحة العضوية والخدمات التقنية والرقمية و العمل الاجتماعي.   *القيام بعمليات صيانة و تطوير وتجديد للمنشآت  الصحية والتربوية في كل الجهات، باللجؤ إلى مقاولين و مؤسسات من الجهة، كلما أمكن الأمر.  ويقع ذلك تحت إشراف لجنة يترأسها وزير التربية فيما يخص المؤسسات التربوية و وزير الصحة فيما يخص المستشفيات والمصحات و كل ما هو مرتبط بالصحة.  *القيام بغربلة كل الملفات المتعلقة بالمشاريع الكبرى، و إلغاء كل ما ليس له منفعة حقيقية ؛و البدء في تنفيذ كل ما هو نافع وتعطل بسبب البطئ الإداري أو التلاعب الشخصي أو القطاعي أو السياسي.
و كلما تقدم الحوار الوطني، يستلم فريق الإنقاذ النتائج الأولية لإدماجها في برامج عمله، إلى حد نهاية مهمته.إذا يقوم الفريق بالإنقاذ و الترميم و الإصلاح في نفس الوقت.
-الحوار الوطني:يقع تكليف لجنة مكونة من  عشر حكماء لتسيير أعمال الحوار الوطني. تبدء أعمالها في شهر جانفي.يختار الحكماء كل الخبراء والشخصيات التي تشارك في الحوار و توزيعهم على لجان مختصة تتكلف كل واحدة منها بدراسة مواضيع معينة.من أهم اللجان التي ممكن بعثها:  -لجنة القصة الوطنية(récit national)  -لجنة النظام السياسي وقانون الانتخابات.   -لجنة الحوكمة و الإصلاحات الإدارية و مكافحة الفساد و تطوير سلم المسؤوليات والمرتبات في الوظيفة العمومية والمؤسسات الوطنية.  -لجنة الاقتصاد والمالية.  -لجنة الصناعة و الطاقة والمناجم  -لجنة التقنيات الجديدة و المواصلات و الرقمنة.  -لجنة الفلاحة و الصيد البحري والموارد المائية.  -لجنة الصحة و الشؤون الاجتماعية    -لجنة التعليم والتكوين المهني والبحث العلمي.  -لجنة الثقافة والتراث و الصناعات التقليدية.  -لجنة التجارة والسياحة والنقل.  -لجنة الشباب والرياضة والتشغيل.  -لجنة النهوض بالمرأة والطفولة   -لجنة حماية الأقليات و ذوي الاحتياجات الخصوصية والمسنين.  -لجنة الحريات والمجتمع المدني و مناهضة العنف. و الجريمة.
للحكماء القرار النهائي فيما يهم اسم و إختصاص كل لجنة.
تتقدم كل لجنة باقتراحاتها للجنة الحكماء التي تجتمع مع أعضاء اللجنة  المختصة و تقرر معها الصيغة النهائية للمقترحات.وكلما انهت لجنة أعمالها يقع تقديم مقترحاتها لرئيس الجمهورية الذي اما يحيلها مباشرة الى فريق الإنقاذ في صورة إذا ما هي لا تحتاج إلى قوانين جديدة، اما  يجعلها موضوع استفتاء شعبي إذا ما تطلب الأمر ذلك، و اما ينتظر  رجوع العمل البرلماني لتمرير الاقتراحات كقوانين. 
السؤال هنا هو هل ممكن ان ننجح في إنقاذ البلاد بهذه الطريقة.الجواب نعم.لقد عاشت تونس أزمات متعددة وأمكن إنقاذها بطرق مماثلة. ولكن في كل مرة كان هناك قائد تحمل مسؤولياته وأخرج السفينة من منطقة الزوابع و أوصلها إلى بر الأمان.
وحتى على مستوى المؤسسات هناك تجربة عاشتها الخطوط التونسية سنوات 1983 و 1984، حيث أوشكت الشركة على الإفلاس ولم تكن قادرة على دفع المرتبات في شهر سبتمبر 1983.كان ذلك بسبب الوضع الاقتصادي العالمي و الارتفاع الغير مسبق في سعر الوقود، بدون أن ننسى مفعول التجاذبات السياسية آنذاك و والوضع الاجتماعي والسياسي في البلاد. رغم ذلك وقع تغيير هام،في جانفي 1984، على مستوى الإدارة العامة. تقرر تغيير هيكل الشركة و بعث لجنة إنقاذ تقوم بوضع برنامج  كامل ومتكامل لإخراج الشركة من الأزمة، مع تنفيذ عمليات استعجالية لضخ السيولة في أسرع وقت ممكن.كونت عدة لجان التي درست كل الميادين وأتت بقرارات هامة ومصيرية منها:-التقليص في  حجم الأسطول ببيع طائرتين باسعار تفوق أسعار شرائها بعد مناقصة دولية شاركت فيها ما يقارب أربعين شركة. مكنت هذه العملية من ضخ سيولة هامة في شهر أفريل 1984.-تغيير الحوكمة و إصلاح عدة منظومات في الشركة.-تعميم الإعلامية وإدخال التقنيات الجديدة. -وضع طرق جديدة لتحسين الإنتاج والإنتاجية بالتفاوض مع النقابات و بالنقاش مع الموضفين في جميع القطاعات وعلى كل المستويات. مما أدى إلى إمضاء إتفاقيات قطاعية مع كل النقابات تربط المرتبات والامتيازات بالإنتاج والإنتاجية(إستهلاك الوقود، الانتظام الفني والتشغيلي، المبيعات على متن الطائرات….). وكانت الخطوط أول شركة وطنية تقوم بذلك.

-وضع مخطط  خماسي لتطوير الشركة في كل الميادين.رغم إيقاف تنفيذ المخطط في سنوات 1986 و 1987, استطاعت الشركة، بفضل حكمة المرحوم فوزي بلكاهية و عزيمة أبنائها أن تصل إلى الأهداف المنشودة، مما مكنها من جمع سيولة تفوق 500 مليون دينار خلال الجزء  الثاني من التسعينيات وتصبح مصدر تمويل للحكومة.
. ولقد كنا مجموعة من الإطارات- صاحب المقال كان منسقا لهذه المجموعة التي قادت عملية الانقاذ بالخطوط التونسية – التحرير -،آنذاك، التي استطاعت، بدون أي مساعدة من خارج الشركة، أن تقوم بكل هذا العمل.وهذه المجموعة قامت خلال الأشهر الماضية، ضمن مجموعة من قدماء الخطوط التونسية ، بمحاولة مساعدة الحكومة السابقة والحالية على إنقاذ الناقلة الوطنية، ولكن يبدو أن اقتراحاتهم تلاشت في الطريق، بعد أشهر وتغييرات عديدة على مستوى كبار المسؤولين.
من خلال هذه التجربة المصغرة(microéconomique) يمكن ان نستخلص أنه ممكن تعميمها على مستوى أوسع(macroéconomique) وإنقاذ البلاد، إذا ما اتبعنا نفس المنهجية. كل ما هو مطلوب: العزيمة القوية، أخذ القرار الصائب،  الانضباط المتواصل، التنسيق الدقيق و التنفيذ الصارم، و لا تعلو مصلحة على مصلحة تونس.

حمة الهمامي يكتب عن جورج فلويد

in A La Une/Analyses by

في البدء: قبل أن يفارق « جورج فلويد » الحياة قال لقاتله: « أرجوك…إنني لا أستطيع أن أتنفس… » واصل المجرم القاتل الضغط على رقبة جورج حتى لفظ أنفاسه. رحل جورج إلى الأبد… لكنّ اليوم ثمّة من يختنق تحت أقدام ملايين أخوات جورج وإخوته… من مختلف الألوان والأعراق… دونالد ترامب… شعب يحاصره ويشدّد عليه الخناق…وهو لا يعرف ما يفعل… ضرب… قمع… رشّ الناس بالغازات المسيلة للدموع… هدّد بتدخل الجيش…اختبأ تحت الأرض… الخناق يضيق …يضيق… أمّاه…أمّاه… إنني عاجز عن الحركة » هكذا كان جورج فلويد يستغيث… الأمة الأمريكية تتحرّك وتستجيب للنداء… فهل تقطع أنفاس الوحش؟ في الجوهر: تتعاظم، يوما بعد يوم، الاحتجاجات في الولايات المتّحدة الأمريكية لتشمل معظم الولايات والطبقات والفئات والأعراق والأجناس. ووصل الغضب حتى البيت الأبيض الذي أصبح محميّا بأعوان الحرس الوطني خوفا من اقتحامه من المحتجّين الذين يحاصرونه. لقد انطلقت الاحتجاجات منذ قتل المواطن « جورج فلويد » على يد البوليس بطريقة وحشية، عنصرية. كان المجني عليه يتوسّل إلى العون الذي يضغط على رقبته بركبته بأنه أصبح غير قادر على التنفس لكن العون واصل الضغط حتى لفظ الضحية أنفاسه. وقد فجّرت هذه الجريمة البشعة أوضاعا متدهورة أصلا، لم يزدها الرئيس اليميني، الشعبوي، المتطرف، دونالد ترامب، بسياساته ومواقفه المتهورة والعنصرية، سوى تعفينا على تعفين. لقد تصرّف ترامب بنفس الأسلوب الذي يتصرّف به أيّ دكتاتور متخلفّ في أيّ منطقة من مناطق العالم. لقد سارع بتجريم الاحتجاجات واتّهام « اليسار الراديكالي » بـ »الفوضى والتّخريب » وحتّى « ممارسة الإرهاب ». ودعا البوليس إلى قمع المحتجّين بلا هوادة. ولمّا عجز بوليسه عن احتواء الاحتجاجات أخرج « الحرس الوطني » للمساعدة. وفي الأخير هدّد باستعمال الجيش، وهي سابقة في أمريكا، مع العلم أنه كان قبل فترة قصيرة ينتقد غيره، في هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم، ويتّهمه بعدم احترام « حرية الناس في الاحتجاج والتظاهر » متّخذا من ذلك ذريعة للتهديد بالتدخل العسكري. ولكنّ القمع الوحشي والتّهديدات المتزايدة لم تزد المحتجّين الأمريكيين إلاّ إصرارا على مواصلة النّضال من أجل حقّهم في الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة. إنّ ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية يُبيّن فظاعة النّظام الرّأسمالي ووحشيّته في معقله الرئيسي. وهو ما يثبتُ أنّ ما تمارسه الإمبرياليّة الأمريكية في الخارج من اعتداءات وحشية ونهب وعنصرية ما هو إلاّ امتداد لواقع داخلي رهيب: عنصرية متأصّلة تجاه كلّ الأعراق من سود و »لاتينو » وآسيويّين وغيرهم، واستغلال فاحش وطبقية رهيبة (الواحد في المائة الأكثر غنى تفوق ثروتهم ثروة الطّبقات الوسطى والوسطى العليا الأمريكية مُجَمّعَة)، وبطالة مفزعة (40 مليون على 328,2 مليون ساكن)، وفقر مدقع (أكثر من 43 مليون نسمة) وغياب تغطية اجتماعية للجميع (حوالي 50 مليون نسمة دون ضمان اجتماعي) وجريمة متفشّية (1.2 مليون جريمة عنف، 132 ألف جريمة اغتصاب و16214 جريمة قتل في عام 2018 فقط)… بلد له دستور لا حديث فيه عن حقوق اجتماعية للمواطن/المواطنة الخ… إنّ تحرّك الشعب الأمريكي اليوم يعطي فرصة غير مسبوقة للقوى التقدمية في العالم لكي تعبّر عن مساندتها له وتشدّ أزره في مواجهته الوحش الرأسمالي الامبريالي الأمريكي. إنّ الشعب الأمريكي يقدّم خدمة كبيرة لشعوب العالم لأنه يفضح هذا الوحش الذي آذاها ويؤذيها ويضعفه ممّا يوفّر فرصة لهذه الشعوب حتّى تتمرّد عليه وتتحرّر من أغلاله. وهذه المسألة تعني الشعب التونسي خاصة والشعوب العربية عامة. فالوحش الأمريكي ساند على الدوام الدكتاتورية في تونس ودعمها في مواجهة شعبها (الإدارات الأمريكية المختلفة وقفت إلى جانب النظام التونسي في قمع كل نضالات الشعب (الإضراب العام 1978، انتفاضة الخبز 1984، ثورة 17 ديسمبر 2010 ـ 14 جانفي 2011…). كما أنّ هذا الوحش هو السند الرئيسي للكيان الصهيوني الذي يغتصب فلسطين أرضا وشعبا. وقد مضى ترامب خطوات غير مسبوقة في هذه المساندة التي تلخّصها وثيقة ما يسمّى « صفقة القرن » التي تهدف إلى قبر القضية الفلسطينية نهائيا وفتح الباب أمام الكيان الصهيوني لوضع يده على كامل الأرض الفلسطينية بتواطؤ من الأنظمة الرجعية العربية. وهو أيضا الذي اغتصب أرض العراق ودمّرها وساهم في تخريب سوريا وليبيا واليمن الخ… ولكن من المؤسف أن تهبّ شعوب أخرى، أوروبية خاصة، لمساندة الشعب الأمريكي، بينما الشعوب العربية ومنها الشعب التونسي لا تحرّك ساكنا. وهو أمر غريب حقا لا تبرّره الانشغالات والمشاكل الداخلية. ما من شك في أنّ الحكام خائفون من غضب ترامب، لكن الشعوب أو على الأقل القوى التقدمية لا شيء يخيفها ولا شيء ستخسره إذا ناصرت الشعب الأمريكي بل هي ستربح كرامتها وشرفها وإنسانيتها. إنني أتوجّه بشكل خاص إلى شباب تونس ونسائها ومثقّفيها ومبدعيها وقواها التقدمية لأقول لهم/لهنّ انتصروا لأخواتكم/كنّ وإخوتكم/كنّ في الولايات المتحدة. إنّ أمريكا التي تنتفض اليوم ليست أمريكا ترامب ولا هي أمريكا الطّغم المالية المجرمة، بل أمريكا العمّال والكادحين والفقراء والنساء المضطهدات والأعراق والأجناس التي تعاني الأمرّين. وهي أيضا أمريكا المبدعين العظام الذين عرفناهم وقرأنا لهم واستمتعنا بأدبهم وشعرهم وأفلامهم وموسيقاهم ولوحاتهم وفنّياتهم الرياضية… أمريكا عاملات النسيج اللواتي خلّد 8 مارس، اليوم العالمي للنساء، نضالهن الملحمي، وعمّال شيكاغو الذين خلّدت غرّة ماي، العيد العالمي للعمال، نضالهم وتضحياتهم (1886)، وجون ستاينبيك « عناقيد الغضب » وجاك لندن « القدم الحديدية » وهاريات بيشر ستور « منزل العام توم » وويليام فولكنير « الضجيج والرعب » و »ساكو » و »فانزتي » ومارتين لوتر كينغ « I have a dream »، و »جوان بيز » التي غنّت في قرطاج للمساجينالسياسيّين التونسيّين (مساجين اليسار) أغنيتها الشهيرة (show me the prison, show me the jail…) ) دون خشية من بطش نظام بورقيبة (1974) وجيمي هندركس وأنجيلا ديفيس، القائدة الشيوعية الشهيرة، ومحمد علي كلاي الذي رفض التّجنيد حتى لا يحارب في فيتنام، وبيونسي وشين بين ومورقان فريمان وبان أفلاك الخ… يا شبابَ تونس ويَا كادحيها ونساءها ومثقّفيها ومُبْدِعيها… انتصروا لأخواتِكُم/كُنّ وإخوتكُم/كُنّ في أمريكا… فأنتم/تُنّ بذلك تنتصرون/تنتصرن لأنفسكُم/كُنّ…

حمّه الهمّامي تونس في 5 جوان 2020

الفيلسوف الجزائري حميد زنار الوباء عرى فقهاء الخرافات والتفكير الغيبي

in A La Une/Analyses/International by

في رده على سؤال لموقع هسبريس المغربي حول كيف يمكن فهم المتخيل الشعبي الذي يستسلم في فهْم تمفصلات الكوارث الطبيعية والأوبئة؟يقول حميد زناز وهو باحث جزائري مهتمّ بقضايا الفلسفة والإسلام السياسي

يعود الأمر إلى غياب نخبة فكرية حقيقية جريئة تطالب بقطيعة نهائية وحاسمة مع الموروث الغيبي الإسلامي، ووجود نخبة سياسية تستغل هذا التراث الغيبي لتزييف وعي الناس من أجل التحكم فيهم، والبقاء في الحكم باسم هذا التراث والانتماء الوهمي إليه.

لقد عملت حكومات الاستقلال في شمال إفريقيا على استيراد هوية لا علاقة لها بهوية شمال إفريقيا سوى في صدامها معها واستعمارها. وباسم هذه الحضارة العربية الإسلامية تم تشويه الهويات المحلية واستبدالها بهوية مستوردة مرتكزة على تراث خرافي في غالبيته لا علاقة له مع العصر وإشكالياته، ما شجع التفكير الغيبي والاتكالية والإيمان بالمعجزات وغيرها، وشكل ذلك طبعا عائقا كبيرا أمام انتشار التفكير العلمي النقدي.

والأدهى من ذلك أن هذا الخراب يُدرس في المدارس الحكومية من الابتدائي إلى الجامعي، وتدعمه آلاف المساجد والزوايا وعشرات الجرائد والقنوات والدعاة والأحزاب الدينية الإسلامية. في حقيقة الأمر، لم تفعل سلطات الاستقلال ما يجب ليكون العلم سابقا على الدين، الجامعة على المسجد، المفكر على الإمام.

ومن الطبيعي أن تنتشر الخرافات والتفكير الغيبي والتفسير اللاعقلاني للمرض والكوارث الطبيعية. لن أتردد في القول إن هناك سياسة تجهيل ممنهجة تهدف إلى تأبيد الفكر الخرافي الديني في بلداننا بمباركة بعض أشباه المثقفين المتشبثين بهوية معتلة مستوردة. ومن البديهي جدا أن ضعف التعليم العلمي الجاد هو الذي جعل التفكير الغيبي يتغوّل.

وحول استغلال مجموعة من التيارات السلفية « أزمة كورونا » قصد تكريس النظرة الخرافية تجاه الوباء، مستندة في تبرير أقاويلها إلى الجانب التديّني الفولكلوري لدى شعوب المنطقة. بماذا يُمكن تفسير الردود المتوترة من لدن فقهاء الدين كلّما أُخْضِعت هذه المواضيع للنقاش العام؟

يقول زنار  » هذا الوباء عرّى هؤلاء الفقهاء وأظهر ترّهاتهم وضرب عرض الحائط بكل أكاذيبهم، حيث أظهر أن العلم وحده هو الذي يجب أن نعول عليه وما الدعاء سوى سلوك من مخلفات عصر ما قبل العلم لا يفيد في شيء. في نهاية المطاف، اعتمد المصابون على المراكز الاستشفائية وآلات التنفس الاصطناعي، وليس على خزعبلات الفقهاء.

يبدو أن السلفية قد ضربها هذا الفيروس في مقتل، فضح ألاعيبها كما فضح دعاة الإعجاز العلمي. يكفي متابعة ما يحكى عنهم من نكت على مواقع التواصل الاجتماعي لنعرف أن قطاعات لا بأس بها من الشباب في بلداننا قد انتبهت إلى خداعهم المتواصل منذ عشريات.

نحن والحريّة بين التأصيل القرآني وهواجس الثقافة المعولمة – الجزء الاوّل

in A La Une/Analyses/Culture by

غفران حسايني إعلامي وباحث دكتورا في الحضارة والفكر الإسلامي

كان الدكتور زكرياء إبراهيم في مقدّمة الطبعة الأولى من كتابه « مشكلة الحرية » ضمن سلسلة مشكلات فلسفية قد ألمح إلى مدخل عميق لقضيّة الحرية في الفكر البشري منذ فجر التاريخ حين عدد زوايا النظر التي يمكن لكل متأمّل او باحث او كاتب يجهد لاستيعاب  هذا الاشكال الوجودي الخطير أن يتدبّرها بالقول « أن مشكلة الحرية بالذات من أكثر المسائل الفلسفية اتصالا بالعلم والأخلاق والاجتماع والسياسة فضلا عن صلتها الواضحة بمشاكل ما بعد الطبيعة[1] ، و عقّب  في الأثناء على ذلك بتأصيل فلسفي لقضية الحرية في مجالها الميتافيزيقي الأصيل مع تعدد الجوانب الأخرى وثيقة الصلة بالسياسة والقانون الواضع لشروط الحرية وحدودها ومسؤوليتها وأخلاقياتها وبكون الحرية حقيقة متافيزيقية لا سبيل إلى فهمها إلأ في نطاق الوجود الإنساني بأكمله.[2]

أردنا من خلال هذا التقديم أن نشير إلى أن طرح قضيّة الحرية بالأمس واليوم لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تخرج عن دوائر التفكير المتعددة المجالات  ولا يمكن اختزالها ضمن حقل معرفي واحد قانوني او تشريعي أو اجتماعي أو سياسي أو ديني أو أخلاقي طالما انها قضيّة وجودية تتداخل فيها كل هذه العناصر ليكون البحث في الحرية بمثابة دراسة شاملة للوجود الإنساني باكمله وتبقى كل دراسة مستقلّة عن هذا التداخل محاولة لحل لغز كبير واشكال قائم من وجهة نظر واحدة ومعزولة.

الرؤية الدينية للإنسان ومسألة الحرية. كان الوضع القديم لفكرة الإنسان في الأديان السماوية السابقة قبل القرآن مرتكزة على فكرة الخطيئة والذنب والمعصية ، فبحسب التراث الديني اليهودي أخرج الإنسان من مجاله الأّول

الجنّة إلى حياة الأرض عاصيا مطرودا معاقبا دون سابقة خطّة إلهية مرسومة بل جاء وجود الإنسان على  الأرض عارضا ومرتبطا بمعاصيه ونوازع الشر الكامنة فيه، فحياة الإنسان على الأرض في اللاهوت اليهودي متصفة بالعقوبة من جهة والاستمرار في الشر من جهة أخرى وصارت الأرض ملعونة بفعل ذلك  حتى أراد الله أن يمحو الإنسان منها كما ورد في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والسادس فصورة الإنسان وفق هذه الرؤية مبنية تقريبا على ثلاثية المعصية والعقوبة والاستمرارية في الشر وهو ما يجعل من قضية حريّته إشكالا قائما على مستوى طبيعة النص الديني في حدّ ذاته التي ألبست بالإنسان صورة المخلوق المتمرّد والعاصي والمنبوذ والمتسبب في السوء.  ثم جاءت المسيحية بفكرة الخطيئة الكبرى  الموروثة والمسببة لشقاء الإنسان الذي ارتبط في التفكير المسيحي بشيء من التشاؤم حوله وهو ما أشار إليه القديس أوغسطين (ت430 م) الذي يعدّ أكبر أباء الكنيسة على الاطلاق حين رأى أن الإنسان في هذه الدنيا ليس جزءا من الطبيعة بل هو غريب عنها وتاريخه يتلخص في أنه مذنب بالنسبة إلى أصله السماوي تغلب عليه الأنانية والجري وراء اللذات لذلك لا بد من تقييد حريته بسلطة الكنيسة التي تربّي الناس [1] وتردعهم وقد انسابت هذه الأفكار القائمة على رؤية قاصرة للإنسان عند القديس توماس الأكويني Thomas Aquin (ت.1273 م) والفيلسوف المسيحي بسكال Pascal (ت.1662 م) في النظر إلى الانسان بوصفه مخلوقا متناقضا وأنانيا وبائسا وهو ما ولّد اشكاليات نصيّة ولاهوتية كبرى في سبيل تحرر الإنسان في الفكر المسيحي أطلق عليها الدكتور حسن القرواشي في أطروحته للدكتورا بـ « الذعر المرضي من الحريّة » [2] وهو ذعر شبيه بذعرنا نحن كمسلمين من جانبه النفسي ولكنه مخالف  في إشكالياته  القائمة في الفكر الإسلامي التي نراها عوائق تحرر على مستوى الفهم والممارسة الدينية والسياسية

على مصرعيه بكل أشكاله ووسائله القائمة انطلاقا من طبيعة الإنسان الحر والمتحرر فطريا

التأصيل القرآني لفطرة التحرر الإنساني

 صحيح أن كلمة حرّية لم ترد في القرآن بهذا اللفظ مطلقا  وإنما وردت اشتقاقات عنها من قبيل « الحر » و »التحرير »في سورتي البقرة الأية 178 في قوله تعالى : »يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ  » وفي سورة النساء الآية 92 في قوله تعالى « فدية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبّة  » وورد لفظ « محررا » في سورة آل عمران الآية 35 في قوله تعالى « إنّي نذرت لك ما في بطني محررا  » و قد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره أنّها مأخوذة من الحريّة التي هي ضد العبودية ،ومن هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد » [1] .

إلا ان ما يمكن الإقرار به أن قضيّة الحرية في القرآن متناغمة تماما مع صورة الإنسان الذي يحظ بمكانة كبيرة عندما يتكلّم القرآن عن خلقه الاوّل في عالم غير هذا العالم وعن طبائعه وصفاته وإرادته وقوته وضعفه وكرامته وأن مجيئه إلى الأرض لم يكن أمرا عارضا بل خطّة إلهية مرسومة بعد ذلك التكريم الالهي والتفضيل الذي طاله لحظة الخلق « ولقد كرمّنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا »  (الاسراء ،الآية 70) ثم جاءت مقومات التحرر الانساني بتقويم الخلقة في قوله « لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم » (سورة التين ، الآية 4) والتي اعتبرها الإمام ابن عاشور في تفسيره تقويما فطريا نقيا وليس تقويما خلقيا جسديا كما ذهب إلى ذلك أغلب المفسرين . ومن هنا يمكن أن نجد مدخلا للتأصيل الفطري لحرية الإنسان وفق التقرير القرآني وقد خلق (أي الإنسان) خلقا أصيلا مستقلا  بفطرة نقية متحررة من كل الأغلال والقيود متناغمة مع علّة الخلق وغايته ومنسجمة كونيا مع تعلّق المخلوقات تعلّقا وجوديا بالخالق في قوله تعالى : »فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله « (سورة الروم الأية 30، مع

ملاحظة أنّ فطرة وفق الرسم القرآني في هذه الآية تكتب تاؤها مفتوحة) والفطرة في تعريف الإمام ابن عاشور وقد رأى أن معناها لم يتقن أحد الافصاح عنه بالقدر الكافي هي  » النظام الذي اوجده الله في كل مخلوق ،ففطرة الإنسان أي ما خلق عليه ظاهرا وباطنا جسدا وعقلا [1] ولا ريب ان فطرة الله للإنسان كانت فطرة الحريّة وهذا ما أقره الحديث الشهير لعمر بن الخطاب بقوله لعمرو بن العاص « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا « أي أن الحرية لحظة الولادة هي النقاء من كل شوائب البشر وتسلّطهم على غيرهم من الناس أو ما أطلق عليه الإمام ابن عاشور بالفطرة النفسية وهي الحالة التي خلق الله عليها النوع الإنساني سالما من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة . [2] ولا ريب أن كل نقيض للحرية بشكل عام من عبودية ورق وتسلّط وتضييق يعد خرقا لفطرة الحرية الانسانية.

لذلك كانت دعوة الإسلام الأولى لعتق الرقاب وتحرير العبيد عملا ثوريا بامتياز في مجتمع إنساني حوّل الاستعباد إلى سنّة بشرية في كل حضارات العالم أين ظهرت العبدوية مقترنة بظهور الحضارات الانسانية القديمة أي عندما بدأ الانسان يأخذ بأسباب التمدّن وتعمير الأرض[3] فكانت دعوة الاسلام للتحرر صرخة في وجه نظام عالمي شمولي وقمعي وتسلطي وعودة بالانسان إلى فطرته الأولى خاصّة عندما كانت جذوة الإيمان متقدة في نفوس المسلمين تحثهم على المسارعة إلى عتق رقيقهم احتذاء بسلوك النبي الذي اعتق قبل موته جميع ما كان بحوزته من رقيق واتبع المسلمون ذلك بعتق الرقاب أفرادا وجماعات [4]


[1] – محمد الطاهر بن عاشور ، مقاصد الشريعة الإسلامية ، دار سحنون للنشر والتوزيع ، ط 2 تونس 2007 ،ص 55.

[2] – المرجع نفسه ،ص ،56.

[3] -توفيق بن عامر ،الحضارة الاسلامية وتجارة الرق ، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس سلسلة 8، مجلد 7، 1996 ،ج 1 ،ص 20 .

[4] –  المرجع نفسه ،ص 96 وما بعدها .


[1] – الإمام القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ،ج 4 ، ص 66.


[1] -أنظر الملتقى الإسلامي المسيحي الثالث حول حقوق الإنسان ،قرطاج ماي 1982  ،مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية ، سلسلة الدراسات الاسلامية (9) تونس 1985. ص 293.

[2] – حسن بن خميس القرواشي ، الفكر المسيحي الكاثوليكي في مواجهة الحداثة من المجمع الفاتيكاني الأوّل إلى المجمع الفاتيكاني الثاني ،كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس ،السلسلة 8 ،المجلّد 12 ،ص 20.


[1] – زكرياء إبراهيم ، مشكلة الحرية ، سلسلة مشكلات فلسفية 1- -،مكتبة مصر ،ط3 ،1972 ،ص 10

[2] – نفس المرجع ،ص 10

1 2 3 20
Go to Top