اعتبر الخبير الاقتصادي آرام بلحاج أن الارتفاع المتواصل في أسعار الأضاحي و اللحوم الحمراء في تونس، رغم تحسن التساقطات المطرية والظروف المناخية الملائمة للفلاحة، يعكس “أزمة هيكلية عميقة” وليست مجرد أزمة ظرفية مرتبطة بالموسم.
وأوضح بلحاج أن أسعار الأضاحي تواصلت هذا العام في مستويات مرتفعة تراوحت بين 1000 و3000 دينار للرأس الواحد أو أكثر، في حين بلغ سعر الكيلوغرام من لحم الضأن نحو 70 ديناراً في بعض الجهات، وهو ما أثقل كاهل المستهلكين وأثار موجة من الجدل حول واقع قطاع تربية الماشية في البلاد.
وأشار إلى أن أولى أسباب الأزمة تتمثل في “الفجوة بين الزراعة والثروة الحيوانية”، مبيناً أن وفرة الأمطار تبقى مفيدة للمراعي على المدى القصير فقط، لكنها غير قادرة على معالجة التراجع المتواصل للقطيع الوطني منذ نحو عشر سنوات. وأرجع ذلك إلى بيع الإناث المنتجة وعمليات التهريب عبر الحدود، في ظل ضعف الرقابة وغياب الردع، ما أدى إلى إضعاف القدرة الإنجابية للقطيع بصورة بنيوية.
وأضاف أن تصاعد تكاليف الإنتاج يمثل عاملاً رئيسياً آخر، إذ تشكل الأعلاف ما بين 60 و70 بالمائة من كلفة الإنتاج، وهي مرتبطة أساساً بالشعير والأعلاف المستوردة المتأثرة بتقلبات الأسواق العالمية وتراجع سعر صرف الدينار. كما لفت إلى ارتفاع تكاليف النقل والرعاية البيطرية، إضافة إلى تدهور المراعي الطبيعية بفعل التغيرات المناخية وغياب سياسات فعالة للتأقلم.
وفي ما يتعلق بمسالك التوزيع، أكد بلحاج أن الوسطاء يستحوذون على جزء كبير من فائض القيمة، في ظل ضعف الدور التعديلي للدولة، حيث يضطر المربّي إلى البيع بأسعار منخفضة بسبب التزاماته المالية، بينما يتحمل المستهلك أسعاراً مرتفعة دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على المنتجين.
كما انتقد ما وصفه بـ”إخفاقات السياسة العمومية”، معتبراً أن الدولة تواصل الاعتماد على حلول ظرفية وموسمية، مثل استيراد اللحوم أو إحداث نقاط بيع مؤقتة، بدل التوجه نحو إصلاحات هيكلية شاملة. وأشار إلى غياب قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة حول حجم القطيع الوطني وتركيبته، ما يجعل السياسات الفلاحية محدودة النجاعة.
وختم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن تونس بحاجة إلى استراتيجية متكاملة لإعادة بناء القطيع الوطني، وتنظيم سلاسل التوزيع، ومكافحة التهريب، ودعم المربين الصغار بشكل مستدام، معتبراً أن الحلول الترقيعية الحالية لم تعد قادرة على احتواء الأزمة.



