في عرض البحر الأبيض المتوسط، حيث تمرّ طرق التجارة العالمية ونقل الطاقة، تتكثف المواجهة بين الدول الأوروبية وشبكة معقدة من ناقلات النفط التي تعمل في الخفاء لفائدة روسيا، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على صادراتها النفطية.
آخر فصول هذه المواجهة جاء يوم 23 جوان 2026، عندما قامت السلطات الفرنسية باعتراض ناقلة النفط « ديلفر » (ديليفر ايمو – 9194983)، التي تصنّفها باريس ضمن ما يعرف بـ « أسطول الظل الروسي »، وهي شبكة من السفن التي تستخدمها موسكو لتصدير النفط بعيداً عن القيود الغربية.
لكن قصة « ديلفر » لا تتعلق بسفينة واحدة فقط، بل تكشف عن آليات عمل منظومة كاملة تعتمد على تغيير الهويات البحرية، واستخدام أعلام دول مختلفة، وشركات غامضة، وسفن قديمة تفتقر أحياناً إلى المعايير التقنية المطلوبة.
ناقلة بهوية مزيفة في قلب المتوسط
كانت ناقلة « ديلفر » قد غادرت مطلع شهر جوان ميناء بريمورسك الروسي، متجهة نحو سنغافورة عبر قناة السويس، قبل أن يتم اعتراضها في البحر المتوسط.
وحسب المعطيات الفرنسية، كانت السفينة ترفع العلم الكاميروني، غير أن السلطات الكاميرونية كانت قد أعلنت قبل ذلك أسابيع عن شطبها من سجلها البحري، بعد اكتشاف استخدام علمها من قبل سفن مرتبطة بأسطول الظل الروسي.
وفي 29 ماي 2026، أعلنت السلطات الكاميرونية رسمياً قلقها من تنامي ظاهرة انتحال علمها من طرف سفن خاضعة للعقوبات أو مرتبطة بالشبكة الروسية، ونشرت قائمة بالسفن التي تم حذفها من سجلها البحري، وكان اسم « ديلفر » مدرجاً ضمنها.
ورغم قرار الشطب، واصلت السفينة الإبحار تحت العلم الكاميروني، وهو ما اعتبرته السلطات الفرنسية مؤشراً على محاولة واضحة للتهرب من قواعد القانون البحري الدولي.
كيف يعمل أسطول الظل الروسي؟
تعتمد هذه الشبكة على مجموعة من الأساليب، أبرزها:
- استخدام أعلام بحرية غير حقيقية أو منتهية الصلاحية لتجنب الرقابة.
- تسجيل السفن لدى دول ذات أنظمة رقابة محدودة.
- إخفاء ملكية السفن عبر شركات مسجلة في مناطق بعيدة.
- تشغيل ناقلات قديمة لا تتوفر دائماً على شهادات السلامة المطلوبة.
- التهرب من شركات التصنيف البحري الدولية التي تمنح شهادات مطابقة المعايير التقنية.
وترى الدول الأوروبية أن هذه الممارسات لا تمثل فقط محاولة للالتفاف على العقوبات، بل تشكل أيضاً خطراً على السلامة البحرية والبيئة، باعتبار أن بعض هذه السفن قد تبحر دون ضمانات تقنية كافية.
من يقف خلف ناقلة « ديلفر »؟
تكشف البيانات المتوفرة أن ملكية السفينة تعود إلى شركة مقرها في هونغ كونغ، فيما تتولى تشغيلها شركة صينية تدعىستيلر اوسيان.
وتشير المعطيات إلى أن الشركة نفسها تشغل ناقلة أخرى تدعى « زامبرا » (زمبرا – ايمو 9175078)، وهي أيضاً مرتبطة بالعقوبات الغربية.
كما أن وضع الشهادات التقنية الخاصة بـ »ديلفر » يثير العديد من التساؤلات، إذ تشير قواعد بيانات بحرية مثل ايكاسيس إلى ارتباطها بشركة التصنيف شبينغ غير أن السفينة لا تظهر في السجل الإلكتروني للشركة.
كما ورد اسم للويد كشركة تصنيف في بيانات أخرى، لكن البحث برقم السفينة الدولي لم يعط نتائج، ما يعزز الشكوك حول فقدانها لشهادات المطابقة التقنية.
لماذا تهتم أوروبا بهذه السفن؟
تعتبر صادرات النفط والغاز أحد أهم مصادر تمويل الاقتصاد الروسي، وبالتالي فإن الحد من قدرة موسكو على تصدير النفط يمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية العقوبات الأوروبية.
وترى العواصم الأوروبية أن كل يوم يتم فيه تعطيل ناقلة تابعة لأسطول الظل يعني خسائر مالية مباشرة للجهات التي تدير هذه الشبكة، ويجعل النفط الروسي أقل جاذبية في الأسواق.
كما أن اعتراض السفن التي لا تحمل جنسية بحرية معترفاً بها يستند إلى قواعد القانون الدولي، إذ لا تتمتع هذه السفن بالحماية القانونية نفسها التي تتمتع بها السفن المسجلة رسمياً لدى دولة معينة.
تصعيد أوروبي منذ بداية 2026
لم تكن عملية « ديلفر » حادثة معزولة، إذ شهد عام 2026 تصعيداً أوروبياً في مواجهة أسطول الظل الروسي.
ومنذ بداية السنة، قامت عدة دول أوروبية باعتراض ناقلات مرتبطة بهذه الشبكة:
| الدولة | اسم الناقلة | الرقم IMO | المنطقة | التاريخ |
|---|---|---|---|---|
| فرنسا | Grinch | 9288851 | بحر البوران | 22 جانفي 2026 |
| فرنسا | Deyna | 9299903 | المتوسط | 20 مارس 2026 |
| فرنسا | Tagor | 9282481 | الأطلسي | 31 ماي 2026 |
| فرنسا | Deliver | 9194983 | المتوسط | 23 جوان 2026 |
| السويد | Sea Owl I | 9321172 | البلطيق | 12 مارس 2026 |
| السويد | Flora I | 9307815 | البلطيق | 3 أفريل 2026 |
| السويد | Jin Hui | 9430272 | البلطيق | 3 ماي 2026 |
| بريطانيا | Smyrtos | 9389100 | المانش | 14 جوان 2026 |
| بلجيكا | Ethera | 9287279 | بحر الشمال | 1 مارس 2026 |
وتتصدر فرنسا هذه العمليات، بعد أن اعترضت وحوّلت مسار أربع ناقلات مرتبطة بأسطول الظل الروسي منذ بداية العام.
تكتسي منطقة البحر المتوسط أهمية خاصة في هذه المواجهة، باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لنقل النفط الروسي نحو الأسواق الآسيوية عبر قناة السويس.
ولهذا كثفت الدول الأوروبية عمليات المراقبة في ثلاث مناطق استراتيجية:
- بحر البلطيق.
- مضيق المانش.
- البحر المتوسط.
كما عزز الاتحاد الأوروبي مهام العملية البحرية ايرني، التي تنشط أساساً في المتوسط، حيث تم تعديل قواعد الاشتباك للسماح بعمليات صعود وتفتيش السفن المشتبه في ارتباطها بأسطول الظل الروسي، مع احترام القانون الدولي.
ومنذ ماي 2026، نفذت العملية عمليات تفتيش ضد سفن يشتبه في خرقها لقواعد الملاحة البحرية الدولية.
تكشف قضية ناقلة « ديلفر » أن الحرب الاقتصادية بين روسيا والغرب لم تعد تدار فقط عبر القرارات السياسية والعقوبات المالية، بل انتقلت أيضاً إلى البحار، حيث أصبحت هوية السفن وشهاداتها ومساراتها جزءاً من معركة جيوسياسية واسعة.
وبينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على تدفق عائدات النفط، تحاول أوروبا تضييق الخناق على شبكة بحرية غير معلنة ترى فيها تهديداً مزدوجاً: تمويل الحرب من جهة، والمخاطر البيئية والأمنية من جهة أخرى.



